السبت، 27 فبراير 2021

( مستوطنات ثقافة العصر النحاسي و البرونزي المبكر في اليمن " تهامة نموذجاً " منذ الألف الخامس - الرابع ق.م و علاقاتها التجارية و الثقافية مع شرق إفريقيا ثقافات " أونا و القاش نموذجاً " )

( مستوطنات ثقافة العصر النحاسي و البرونزي المبكر في اليمن " تهامة نموذجاً " منذ الألف الخامس - الرابع ق.م و علاقاتها التجارية و الثقافية مع شرق إفريقيا ثقافات " أونا و القاش نموذجاً " )

================================

• حضارات اليمن المبكرة في الألف الرابع ق.م
لا تتوفر معلومات كافية لرسم صورة واضحة لأوضاع سكان اليمن في الفترات المبكرة من قيام حضارتهم و قد تناولت بعض المراجع ما توفر من تلك المعلومات مثل أعمال العالم الإيطالي رئيس البعثة الإيطالية المنقبة باليمن إليساندرو دي ميقري في كتابة ( حضارة العصر البرونزي النحاسي في جنوب الجزيرة العربية ) 1984م و كذلك أعمال الآثاريين الأوربيين و الأمريكيين في عدة مناطق من اليمن . ________________________________________
 
" فترة عصر الثقافات الباكرة في اليمن "

• و هي ثقافة عصر البرونز من الألف الرابع و الثالث ق.م و المتمثلة في ثقافة المجتمعات الساحلية في جنوب الجزيرة العربية و هي مجتمعات بشرية مستقرة ذات نمط معماري و نشاط إقتصادي منها : سيهي ، و الهامد ، في ( تهامة ) و صبر ، و الجول ، و شعب منيدر ، و ثقافة المرتفعات الطيال ، و الثيلة و أيضاً غير فترة العصر الحجري الحديث النيوليتي منذ الألف العاشر - التاسع قبل الميلاد و التي أكتشفت آثارها في موقع المقر الآثري في جنوب السعودية اليوم هذه كلها دلائل تعطينا حول عمق الحضارة في اليمن القديم و هذا ما قاله العالم نيلسن و العالم ديلا بورت و العالم ول ديورانت و غيرهم بأن منشأ الزراعة و التدجين الأول في العالم كان في الركن الجنوبي من جزيرة العرب .

• أسس السبئيين اليمنيين القدماء في إريتريا و شمال إثيوبيا في حوالي القرن الثامن قبل الميلاد 8 ق.م مملكة عرفت بإسم " دعمت أو دامت داموت " و عاصمة المملكة كانت تقع بالقرب من مدينة يحا الحالية بشمال إثيوبيا و يذهب أغلب العلماء و المؤرخين بأن حضارة دعمت داموت كانت بالأساس أنشأها مهاجرين من اليمن و هم السبئيين مع وجود بعض التأثيرات المحلية و كان السبئيين الذين كانوا مهيمنين على البحر الأحمر في ذلك العصر القديم و إن إكتشاف معبد الإله السبئي ( إلمقه ) هو واحد من الإكتشافات الأثرية الرئيسية و المهمة في المنطقة و الذي يشير إلى وجود دلائل على الإستيطان السبئي القديم منذ الألف الأول قبل الميلاد و التي تعتبر المرحلة المتطورة من مراحل التنمية الإجتماعية الحاسمة في المرتفعات الحبشية حيث شكلت مرتفعات الحبشة منذ العصر الحجري الحديث ( الألف السادس قبل الميلاد ) جسر تواصل و تبادل للعلاقات الثقافية و الحضارية بين شمال إفريقيا و جنوب الجزيرة العربية التي كانت تأتي منها الهجرات إلى الحبشة في فترات متقطعة و إستمرت التطورات الثقافية و الحضارية من تلك الحقب الزمنية البعيدة لتطغى المكونات الثقافية العربية الجنوبية في أغلب مناطق المرتفعات الحبشية التي أسست فيها العديد من المدن السبئية كمدينة ( يحا و حولتي و عدي أكاويه و دعمت و أكسوم و غيرها ) و يحا كما يظهر في العديد من الشواهد و المعالم من نقوش المُسند و المعابد و التماثيل التي تؤرخ إلى مطلع الألف الأول قبل الميلاد .

• و قد تم دراسة نماذج مختلفة من العلاقات الثقافية و الإجتماعية و الإقتصادية لتفسير الإستيطان و الوجود السبئي القوي إلا أن الحاجة تدعو إلى المزيد من الدراسات البحثية حتى يمكن أن تفهم بشكل صحيح و عليه ومن خلال هذا المنطلق فقد كان الهدف الرئيسي من عمل بعثة المعهد الألماني للآثار ( DAI ) في ( Addi Akaweh ) عدي أكاويه هو تسجيل شامل و إستكشاف المواد الأثرية التي يمكن من خلالها تسليط الضوء على التحول الثقافي المحلي في سياق الإتصالات و العلاقات الإقليمية بين الثقافات الخارجية مع المناطق المجاورة مثل جنوب الجزيرة العربية و وادي النيل و التي لا تزال مجهولة و تحتاج إلى التحقيق كما أشارت العديد من المعثورات من الأواني النذرية و خصوصاً المصنوعة من الرخام و الفخار أن هناك صلات ثقافية و إقتصادية و إجتماعية مباشرة ظلت مستمرة بين هذه المدينة و بين مملكة سبأ اليمنية و شمال تيغري و إريتريا ( و المتمثلة بثقافة أونا القديمة ) .
________________________________________

" مستوطنة ثقافة صبر البرونزية منذ الألف الثالث ق.م " 

• هي إحدى أهم مدن العصر البرونزي في الساحل الجنوبي الغربي لليمن يعتبر موقع صبر من أكبر مواقع مستوطنات العصر البرونزي التي تم الكشف عنها و التنقيب فيه من قبل البعثة الأثرية الألمانية – الروسية – اليمنية المشتركة يقع في محافظة لحج على مسافة 20 كم إلى الشمال من عدن بين الفرعين الرئيسيين لوادي تُبن و على بعد 20 كم من ساحل البحر العربي و نظراً لأهمية هذا الموقع فقد تم إعتباره ممثلاً لثقافة عصر البرونز الساحلية و يعتبر موقع صبر من أحد المواقع المهمة التي تمثل المرحلة الإنتقالية فيما بين العصر الحجري الحديث و العصور التاريخية و هي الفترة الواقعة ما بين الألف الرابع حتى الألف الأول قبل الميلاد أما فيما يخص تاريخ صبر فقد كشفت العينات المستخرجة من خلال التنقيبات الأثرية أنها تعود إلى الألف الثالث الرابع - الثالث ق.م .
________________________________________

" ثقافة أونا القديمة و علاقاتها باليمن " 

• أطلق علماء الآثار على الثقافة المادية لهذه المنطقة إسم ( ثقافة أونا القديمة ) Ancieent Ona Culture - و كلمة أونا في اللغة التيجرانية تعني أطلالاً و كانت معاصرة لفترة مملكة دعمت و لقد ذهب علماء الآثار في البداية أن ثقافة أونا القديمة لا تحمل السمات العربية الجنوبية التي تُميز مملكة دعمت حيث عمل مسح أثري و مجسات في المنطقة أجرها المعهد الإثيوبي للآثار Ethiopian Institute Of Archaeology برئاسة جيوسبي ترانجلي Tringali و ذلك في نهاية الخمسينات القرن العشرين و بداية الستينات من نفس القرن و لكنها لم تُسفر عن الكشف على مبان معمارية ضخمة أو نقوش أو مقتنيات متعلقة بالطقوس يظهر عليها التأثير العربي الجنوبي مثل التي وجدت في يحا و حاولتي و بقية المواقع في إقليم تيجراي و بناء على ذلك تصور البعض بعدم الإنتشار الواسع للثقافة العربية الجنوبية و وجود مواقع أثرية تحمل مكونات محلية فقط .

• لكن أجريت حفائر علمية منظمة و مسح أثري في الفترة من 1998 - 2003م بالتعاون بين علماء آثار أمريكيين و إريتريين على مسافة كبيرة تبلغ حوالي 90 كم × 170 كم بإستخدام التكنولوجيا الحديثة و نتج عن هذه الأعمال المُنظمة الآتي :

1 - التأكيد على وجود تشابه كبير بين مستوطنات منطقة أسمرة الكبرى و مستوطنات منطقة يحا و أكسوم من حيث نمط المستوطنات و حجمها .

2 - العثور على بقايا عمارة ضخمة مماثلة في الحجم لمعبد يحا و مبنى جرات بيعل جبري .

3 - العثور على جبانة كبيرة مخصصة للنخبة تؤرخ لنهاية ثقافة أونا القديمة على هضبة أسمرة .

4 - العثور على ختم من النحاس يُعرف بإسم " شارة الهوية " منقوش عليه أحد الحروف باللغة العربية الجنوبية يفترض أنه لأحد النخبة يؤرخ للألف الأول ق.م يتشابه مع الأختام التي عثر عليها في مدينة يحا .

5 - فضلاً عن العثور على بقايا منشآت معمارية ضخمة و نقوش عربية جنوبية واضحة في كسكاسي في منطقة أكيل جزاي على بعد 100 كم جنوب هضبة أسمرة .

6 - و نتيجة لذلك أكد ماسيو وشميدت من خلال التنقيب الواسع و المُنظم في مواقع ثقافة أونا القديمة أن تلك الثقافة كانت تتميز بمكونات محلية واسعة و متطورة فضلاً عن وجود تأثيرات عربية جنوبية و يبدو أن ثقافة أونا القديمة قد إختفت في القرن الرابع - الثالث ق.م و أسباب هذا الإختفاء غير معروف حيث لا يوجد لدينا معلومات مؤكدة حول التاريخ الثقافي لتلك المنطقة في مطلع القرن الأول الميلادي .
________________________________________

• إن مظاهر النشاط التجاري الخارجي في مرحلة بعد ممارسة الزراعة تبدو أكثر وضوحاً في مواقع عصر البرونز التي تنتمي لثقافة " صبر " من الألف الثالث ق.م على الشريط الساحلي المحيط بجنوب الجزيرة العربية من ناحيتي الغرب و الجنوب فنتائج الدراسات الأثرية أظهرت العديد من المظاهر التي تسمح بالحديث عن علاقات وثيقة ربطت هذه المستوطنات مع شمال شرق إفريقيا حتى القرن الإفريقي و هي كالتالي :
 
1 - أكدت النتائج وجود تواصل ثقافي بعيد المدى يتمثل في أسلوب صناعة ( الفخار المتأخر ) هو فخار ثقافة " صبر " و يختلف عن فخار عصر البرونز في المرتفعات المعروف ب ( الفخار المبكر ) و الفخار المبكر هو الآخر يمكن مضاهاته بفخار مجموعة " القاش " في موقع تفلينوس في ( كسلا ) شرق السودان إذ يتشابه معها من حيث الزخرفة و تقنية الصناعة و كذلك في تناظر أشكال الدُمى الطينية الصغيرة المكتشفة ضمن بقايا هذه المواقع إذ هناك تشابه واضح مع ما عثر عليه في في مواقع بلاد النوبة على وادي النيل و في شرق السودان و كذلك في إريتريا و إثيوبيا و الصومال .

2 - أرجحية إنتقال زراعة السرغوم ( Sorghum ) نوع من الذرة و هو الذرة السكرية من جنوب جزيرة العرب من اليمن إلى إثيوبيا و إريتريا .

3 - إستمرار إستخدام الأوبسيديان كمادة خام لوجود مصادر لها في جنوب الجزيرة العربية و شرق إفريقيا .

4 - الإنتاج المكثف للفخار لا سيما في مستوطنة صبر يوحي بأرجحية تصديرة بعيداً عن البحر بإتجاه البر الإفريقي في ظل إقتصاد مستقر معتمد على الزراعة الواسعة و تربية الحيوان و إستغلال عطايا البحر كما أن الموقع يحتوي على مواد تدل على الثراء . 

5 - وجود مواد مستوردة بين الطرفين رغم محدوديتها كشفت عنها الدراسات الأثرية في مواقع ثقافة : ( صبر باليمن و القاش بالسودان و أونا بإريتريا ) تتمثل بأشكال معينة من الأواني و العاج مع إحتمالية تبادل بعض النباتات و الحيوانات .
________________________________________

• و من هنا فإن هذه المظاهر لا تكشف عمق العلاقات الثقافية التي ربطت مستوطنات عصر البرونز الساحلية مع شمال شرق إفريقيا و القرن الإفريقي فحسب و إنما أيضاً تؤيد الإفتراض بوجود علاقات تجارية متقدمة بينهم سيما و أن مواقع ثقافة صبر قد أظهرت أنها كانت مستوطنات تميل إلى البحر نحو الشاطئ الإفريقي أكثر من إتجاهها نحو الأقاليم الداخلية و كما أن إستخدام مادة الُلبان البخور ثابت في ثقافة صبر منذ الألف الثالث و الثاني قبل الميلاد .

• و منذ الألف الثالث قبل الميلاد كانت ثقافات شرق السودان و التي تمثله مجموعة رعوية أو رعوية زراعية سكن أهلها في مجمل الدلتا و منطقة شراب القاش من بداية الألفية الثالثة حتى منتصف الألفية الثانية ق.م ( مجموعة القاش ) و قد دخل السكان في شبكة صلات واسعة و تبادل تجاري مع مصر و النوبة و الجزيرة و إثيوبيا و جنوب شبه الجزيرة العربية اليمن و قد كانوا شريكاً تجارياً هاماً لمملكة كرمة Fattovich, Sadr and Vitagliano 1988.

• و في الفترة 2500 - 1500 ق.م أخذت المنطقة في الإنخراط في شبكة التبادل الإقتصادي بين مصر و المناطق الجنوبية لشمال شرق إفريقيا و جنوب شبه الجزيرة العربية اليمن هذه الفترة الأخيرة هي التى يهمنا تسليط الضوء عليها لكونها تقدم البينة المادية الأولى للصلات الثقافية الناشئة بين شرق السودان و اليمن و على تطور ملموس بفعل توسع العلاقات التجارية لنظام الحكم من مشيخة بسيطة إلى مشيخة مركبة .
________________________________________

• و تشير دراسة الموضوعات الغريبة التى تم العثور عليها في محل تيجلينوس إلى أن أهل مجموعة القاش كانوا قد دخلوا في صلات مع مصر و النوبة و اليمن منذ أزمان طور مجموعة القاش المبكر ( 2700 - 2300 ق.م ) كما و أنهم أقاموا صلات بكرمة إلى الشمال من البطانة و جنوب شبه الجزيرة العربية في طوري مجموعة القاش الوسطى ( 2300 - 1900 ق.م ) و الكلاسيكية ( 1900 - 1700 ق.م ) و إستمرت تلك الصلات مع كرمة و الجزيرة و إثيوبيا و جنوب شبه الجزيرة العربية في طور مجموعة القاش المتأخرة ( 1700 - 1400 ق.م ) .

• إنطلاقاً من التفسير المبدئي للنتائج المتحصل عليها من البحث الآثاري الجاري حالياً في شرق السودان فإن عملية تشكل المجتمع المعقد في شرق السودان تحديداً دلتا القاش يبدو في صورته العامة كالتالي : نشؤ مجتمع تراتبي إعتمد على دور في شبكة التبادل التجاري مع مصر و النوبة و جنوب شبه الجزيرة العربية في طور مجموعة القاش المبكر يشدد هذا على قدرات بعض أعضاء المجموعة من ذوي المراكز العليا لتدعيم سيطرتهم على شبكة إعادة التوزيع  و أصبح أهل مجموعة القاش وسطاء بين كرمة و جنوب شبه الجزيرة العربية في طوري مجموعة القاش الوسطى و الكلاسيكية و تدل المسلات الرسمية التى تم الكشف عنها في محل تيجلينوس على أن بعض قطاعات السكان تمتعوا بإمتيازات فيما يتعلق بالموارد الإستراتيجية و هو ما ساعد على بروز قيادة قوية تثبيت دعائم سلطات إدارية فاعلة بحلول طور مجموعة القاش المتأخر إرتبط بتوسيع شبكة التبادل مع مصر و النوبة و الجزيرة و جنوب شبه الجزيرة العربية و إثيوبيا .

• الحقيقة الشعوب التي أقامت الحضارات الكبرى في كسكسي ( المسلات الزاحفة ) و في قحيتو و تخندع و بلو كلو هم الأحباش الكوشيون و الذين أجلوهم للداخل و جلبوا نمط حضارتهم المتمثلة في الزراعة زراعة المدرجات و خزانات المياة الحجرية و بناء السدود و الديانة الآلهة المتمثلة في الكواكب و الأجرام السماوية الثلاثة ( الشمس و القمر و الزهرة ) و الكتابة و فن النحت و غيرها من مظاهر الحضارة هم الأحباش السبئيون اليمنيون و الذين توغلوا حتى شمال إثيوبيا و بنوا مدينة أكسوم علماً بأن كلمة أحباش تعني الخليط و القبائل التي ما زالت محتفظة بأصلها الكوشي و لسانها في إثيوبيا الحالية أهمها : ( الأرومو و الأغو و الوراقي و السيداما ) و أما الكوشيون الذين نزحوا إلى  وسط و غرب إريتريا فهم : ( البلين و الباريا أو النارا ) و على الساحل هنالك : ( العفر و الدناكل و البعض يلحق الساهو بهم ) .
________________________________________

• و الأحباش السبئيون تطلق على المجموعات ذات الأصل السبئي اليمني و التي قدمت للهضبة الحبشية الإثيوبية - الإرتيرية مثل : ( الأجاعزة و المتمثلة في " التقرانية و التقراي و الأمهرا " + و بالإضافة إلى حبشت ) و أما الأحباش الكوشيون فهم السكان الأصليون للهضبة و نزحوا إلى وسط الهضبة بعد قدوم المجموعات السبئية اليمنية في هجرتها لتحكم الأرض هناك و المتمثلة في مملكة دعمت داموت السبئية اليمنية التي حكمت المنطقة منذ القرن الثامن - السابع قبل الميلاد و أسسوا بعد مملكة دعمت مملكة أكسوم في إقليم التقري و عاصمتها مقلى .

• و قد أكدت الدراسات الأثرية وفقاً للمعطيات الحضارية أن طبيعة العلاقة بين كل من العربية الجنوبية ( اليمن ) و منطقة شرق إفريقيا القرن الإفريقي ( إثيوبيا ، إريتريا ، السودان ، الصومال ، جيبوتي ) تأكدت منذ فترة العصر الحجري الحديث و فترة العصر البرونزي المبكر حتى تطورت في عصر ممالك اليمن القديم في الألف الثاني قبل الميلاد و التي هي نتيجة و ليست سبباً بمعنى أن العلاقات بين الإقليمين ربما كانت أقدم من ذلك بكثير و ربما تجاوزت الألف السابع قبل الميلاد و هي غالباً ما كانت تأتي من جنوب الجزيرة العربية اليمن إلى شرق إفريقيا و لذا يمكن تلمس تلك العلاقات بناء على المعلومات المتوفرة من خلال بعض الشواهد الأثرية من كلاً من الإقليمين : -

أ - تبادل المواد الخام : تجارة الأبسيديان ( obsidian ) : 

تشير الأدلة الأثرية إلى وجود حركة تبادل تجارية في المواد الخام و خاصة الأبسيديان " السبج " في عصور ما قبل التاريخ و السبج عبارة عن حجر زجاجي بركاني أسود اللون إستخدم كمادة تبادلية بين أقاليم مختلفة من الشرق الأوسط القديم حيث أكدت خبرة الإنسان القديم صلاحيته في الإستخدام لتشكيل الأدوات الحجرية و ذلك منذ العصر الحجري الوسيط ( 17 - 8 ) ألف سنة قبل الميلاد و نسبةً لأهمية السبج " الأبسيديان " فقد إستمرت تجارته في العصر الحجري الحديث و قد أظهرت دراسة تجارة " الأبسيديان " في المستوطنات العبيدية في شرق الجزيرة العربية و جنوب العراق في الألف الخامس قبل الميلاد وجود صلات تجارية بين المواقع الخليجية و العراقية مع اليمن و أن مصدر السبج " الأبسيديان " الذي في شرق الجزيرة العربية الخليج العربي و جنوب العراق كان مصدره من جنوب الجزيرة العربية اليمن و قد أشارت الدراسات الأثرية في اليمن أن مصادر خام السبج " الأبسيديان " توجد في المرتفعات إلى الشمال قرب عسير ( المملكة العربية السعودية اليوم ) غرب الربع الخالي إلا أن مصادره في المرتفعات الوسطى فتقع في إقليم ذمار البركاني في جبلي " أسبيل و الليسى " و كذلك في شمال غرب مدينة ذمار كما أكدت التحريات الأثرية الأخيرة حول مصادر الأبسيديان في جنوب البحر الأحمر مصدراً في الجزيرة العربية اليمن و شرق إفريقيا إثيوبيا و وفقاً للدراسات الأثرية الحديثة فقد إستخدم خام الأبسيديان منذ الألف السابع قبل الميلاد و قد تم تحليل الكربوني المشع C14 بواسطة طريقة الإستشعاع ( fluorescencemethod XRF ) لمعرفة تركيبها الكيميائي حيث أشارت إلى أن الصنعيات الأبسيدية في المواقع الأثرية من شرق إفريقيا ترجع إلى أصل جنوب الجزيرة العربية اليمن و يرجع تاريخها إلى العصر الحجري الحديث و ما بعده و مما سبق يمكن أن نستنتج أن تجارة الأبسيديان تشير إلى علاقات عبر البحر الأحمر بين ساحل تهامة و القرن الإفريقي منذ فترة العصر الحجري الحديث و إستمرت حتى العصر البرونزي و في الغالب ما تأتي تجارة الأبسيديان من جنوب الجزيرة العربية اليمن و أحياناً قليل تأتي من شرق إفريقيا إثيوبيا .

ب - الزراعة : 

تشير الدراسات الأثرية رغم قلة الأدلة على أن طبيعة العلاقة بين بين تهامة و القرن الإفريقي يمكن أن تتأكد من خلال العثور على بعض المحاصيل المستزرعة كالسرغوم / الذرة البيضاء التي يرجع منشأها الرئيسي من اليمن و إثيوبيا و تعود زراعتها منذ فترة العصر الحجري الحديث فضلاً عن محصول الدُخن كذلك .

ج - الفخار : 

إن ظهور الفخار في اليمن يرتبط بنشاط البعثة الأثرية الإيطالية في المرتفعات الشرقية في " خولان و الحدا " و ذلك عندما وثقت لأول مرة مستوطنات عصر البرونز التي تنتج الفخار و التي يرجع تاريخها إلى بداية الألف الرابع قبل الميلاد و لذا فإن الفخار يعتبر من أكثر المواد الأثرية التي جسدت طبيعة العلاقة بين شرق إفريقيا و جنوب الجزيرة العربية حيث يتضح ذلك من خلال تشابه الفخار في كلا الإقليمين و هذا بدوره عكس إتصالاً حضارياً خلال العصر البرونزي و يتأكد ذلك بوضوح في تشابه فخار عصر البرونز في مواقع " وادي يناعم و الراجلة و وادي رحمة " في المرتفعات اليمنية من حيث الزخرفة و التقنية مع نماذج من شرق إفريقيا و خصوصاً مع فخاريات المرحلة المبكرة لمجموعة القاش ( 2300 - 1800 ) ق.م بكسلا في شرق السودان و المثير للدهشة أن هذا الإتصال بين القرن الإفريقي و المرتفعات اليمنية قد ظهرت ملامحه في العصر البرونزي غير أن المسار الإفريقي - العربي اليمني قد توطد منذ الألف الثالث قبل الميلاد و منتصف الألف الثاني قبل الميلاد ببروز مجموعة جديدة هي " نسق تهامة الثقافي " Tihama Cultural Complex في السواحل الإفريقية و العربية لجنوب البحر الأحمر و خليج عدن و التي يطلق عليها " ثقافة صبر " التي تمتد حتى سهي قرب الحدود السعودية حيث نجد أن هناك مشابهة فخارية قوية مع العديد من المجموعات الثقافية للألف الثالث قبل الميلاد في شمال شرق إفريقيا أكثر من أي منطفة أخرى تعتمد هذه المضاهات على التماثلات في صناعة الفخار من حيث الأسلوب و الأشكال و التقنية كنموذج آخر في شرق السودان في مجموعة القاش المتأخرة 1500 - 1400 ق.م و في بلاد النوبة على وادي النيل المجموعة ج Group 2100 - 1500 ق.م و حضارة كرمة ( Kerma ) 1700 - 1500 ق.م كما توجد هناك مقارنة مع ثقافات ما قبل أكسوم في مرتفعات إريتريا و إثيوبيا في الطبقات السفلى في مطرا Matraa و يحا Yhaha و في ميناء أدوليس فضلاً عن مجموعة ثقافة " أونا " A Group - ONA في هضبة إريتريا التي تجد مقارنة لها مع " ثقافة سهي " و لذا فإن تشابه الفخار مع شرق إفريقيا يعتبر إشارة إضافية لإستمراية الإستيطان و زيادة العلاقات عبر البحر الأحمر و يدعم ذلك الأواني الفخارية في بعض المواقع الساحلية أهمها ثقافات : " صبر ، المدمن ، وادي عرج ، الكشوبع " و التي تتشابه مع فخار شمال شرق إفريقيا مما يؤكد إمكانية الإتصال الثقافي بين الإقليمين عبر البحر الأحمر منذ العصر البرونزي المبكر .
________________________________________

• الخلاصة :

- الحقيقة إن ثقافة " صبر المبكرة " تمثل النموذج الحي و الأكثر تطوراً في تهامة الساحلية و كانت محصورة في منطقة الساحل و على الرغم من الطابع المحلي و هي الممثلة لثقافة ساحل تهامة .

- إن طبيعة العلاقات بين القرن الإفريقي و ساحل تهامة تأكدت من خلال تجارة المواد الخام ( الأبسيديان ) و الذي تم إستخدامه منذ العصر الحجري الحديث في الألف الثامن قبل الميلاد حيث شكل حوالي 75% من الآلات الحجرية فهذه التجارة أكدت العلاقات عبر البحر الأحمر بين القرن الإفريقي و ساحل تهامة و التي كانت تنقل هذه التجارة من مصدر الأبسيديان في اليمن إلى شرق إفريقيا كما بينت العديد من الأدلة الأثرية على ذلك و هي تثبت قدم الوجود اليمني في القرن الإفريقي منذ فترة العصر الحجري الحديث على الأقل .

- إتضحت ملامح الإتصال الثقافي بين مجتمعات شرق و شمال إفريقيا و ساحل تهامة منذ فترة العصر الحجري الحديث و حتى فترة العصر البرونزي المبكر منذ الألف الرابع قبل الميلاد و حتى الألف الثاني قبل الميلاد بصورة أكبر من خلال المهاجرين السبئيين اليمنيين القدماء و من خلال أيضاً ثقافة الفخار الأمر الذي يقدم إشارة إضافية لإستمراية الإستيطان و زيادة العلاقات عبر البحر الأحمر بين الإقليمين .

- تميزت المواقع الأثرية في ساحل تهامة بوجود قشور بيض النعام بكثافة كبيرة تعود إلى ما قبل التاريخ و العصور التاريخية و هذه الأعداد الكبيرة من النعام التي وجدت في تهامة على الأقل حتى الألف الثاني قبل الميلاد و أن مصدر ذلك البيض هو ثقافة صحراء الربع الخالي من حضرموت و التي عرفت بالنمط العربي الصحراوي القديم أو نمط التقاليد العربية ( ABT ) .

- إن التشابه بين الأواني الفخارية في " الهامد" و المواقع المعاصرة لها تعكس التطور الذي شهدته المناطق الأخرى في اليمن سواء مع المواقع الساحلية كما هو الحال في : " صبر ، أمعليبة ، المدمن ، الكشوبع ، الحويرية ، سهي " أو المواقع الداخلية كما في : " وادي يلا ، هجر بن حميد " أما العلاقة مع المواقع الخارجية فإنها تعكس مقارنة واضحة مع مواقع " شرق إفريقيا " مما يشير إلى أن المواقع الساحلية في تهامة قد لعبت دوراً في تدعيم العلاقات عبر البحر الأحمر منذ فترة العصر الحجري الحديث و فترة العصر البرونزي و حتى بداية العصور التاريخية من خلال الهجرات البشرية من جنوبها اليمن إلى شرقها بالقرن الإفريقي في الحبشة إثيوبيا و إريتريا و السودان .

- كل المعطيات و المؤشرات الأثرية تثبت بشكل قوي و ممتاز بأن العرب الجنوبيين اليمنيين كانوا متواجدين منذ القدم في الحبشة إثيوبيا و إريتريا منذ عصر البرونز المبكر و أنهم رواد مؤوسسي تلك الحضارة فقد بينت اللقى الأثرية تواجد اليمنيين في ثقافة أونا القديمة و قد تركوا آثارهم الكتابية بالخط المسند اليمني و اللقى الأثرية الأخرى من معمار و فن و هذا يدل بأن وجود اليمنيين فيها قديم منذ ما قبل قيام مملكة دعمت السبئية اليمنية و ما بعدها مملكة أكسوم هي الأخرى التي أنشأها اليمنيين القدماء و بذلك يكون لدينا الآن أدلة أثرية من مواقع ثقافة أونا القديمة في الحبشة التي تعتبر أقدم مواقع ثقافية فيها و أنها إرتبطت بجنوب الجزيرة العربية بشكل ملحوظ و هذا ما دلت عليه البينه و اللقى الأثرية هناك في تلك الهضاب و ربما المكتشفات الأثرية في المستقبل القريب تكشف لنا خباياها أكثر حول ثقافة أونا القديمة .
________________________________________

المصادر :

1 - إدريس جمال الدين محمد : جذور العلاقات التاريخية بين العربية الجنوبية الغربية (اليمن)  و القرن الإفريقي أدلة أثرية مجلة سبأ أقسام التاريخ و الآثار جامعة عدن العدد 14 - 15 عدن يوليو 2007 م .

2 - قراءة في عصور ما قبل التاريخ حول نشأة المدينة في مرتفعات اليمن الوسطى مجلة حولية الآداب كلية الآداب جامعة عدن العدد الرابع عدن يوليو2007 م .

3 - عبدة رمضان علي : تاريخ الشرق الأدنى الجزء الثالث صفحة 286 .

4 - فرانكفليا فرانشسكو : مصادر الأبسيديان في اليمن القديم ، ديمغريت ، 1990م .

5 - ديمغريت إليساندرو : في حضارة العصر البرونزي في خولان الطيال و الحدا ، 1990م .

6 - Fattovich 1991.

7 - Fattovich,Sadr and Vitagliano,1988 .

8 - Louise , M.Francaviglia Vincenzo,M.2002,Les periples de l'obsidienne a' travers la Mer 
Rouge ,Journal des Africanistes.72(2):pp11-19 .

9 - Fattovich , R.1991 At the Periphery of the Empire : The Gash Delta (Eastern Sudan ) 
in:Davies ,W.V.(ed),Egypt and Africa , London : British Musum Press , pp. 40-47 .

10 - Vogt,B.and sedov,A.1998,op.cit.p.266 .

11 - https://m.facebook.com/story/graphql_permalink/?graphql_id=UzpfSTEwMDAwOTY1OTM0ODcwNTpWSzoyMDA2MzU3NTkyODI1NzM5
________________________________________
















ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق