الأحد، 28 فبراير 2021

( الجزيرة العربية و اليمن الطبيعي موطن الإنسانية الأول و مهد و منبع الهجرات البشرية و الحضارة الآولى )

 الجزيرة العربية و اليمن الطبيعي موطن الإنسانية الأول و مهد و منبع الهجرات البشرية و الحضارة الآولى : -


خلال الحقب التاريخية الطويلة تعاقب على الجزيرة العربية أحداث جولوجية عنيفة وأحوال مناخية عظيمة، تصادمت بقارات وانفصلت عن أخرى، ثارت فيها البراكين، وتدفقت منها الصهارات الملتهبة، غمرت البحار بعض أجزائها وانحسرت عن أخرى، تحركت إلى القطب الجنوبي فغطى الجليد معظم أراضيها لملايين السنين، وزحفت شمالا إلى خط الاستواء فنعمت بالدفء والرطوبة، وانهمرت فيها الأمطار، وجرت الأنهار، وتخللتها البحيرات، اكتست بالغابات الكثيفة والمروج الخضراء، ورتعت فيها الحيوانات الضخمة، كما تعاقب عليها عصور أخرى من الجدب والجفاف . ومع بداية الزمن الجيولوجي الرابع تحديدًا، أي منذ نحو مليوني سنة مضت أخذت الجزيرة العربية شكلها وموقعها الحالي. وكان من أبرز أحداث هذا الزمن تعرض نصف الكرة الشمالي لزحف جليدي أمتد جنوبًا حتى دائرة عرض 40 ْ، واستمر ذلك الجليد في مد وجزر خلال هذه الحقبة الزمنية فيما يعرف بدورة وُرم ( wurm ) الجليدية التي تتكرر مرة كل ( 12000 ) سنة تقريبًا . وفي العصر الحجري الأعلى والمتأخر ( أي في الزمن 35000 – 6000 ق . م ) كان الجليد يغطي أوربا كافة، وحوض البحر الأبيض المتوسط، وكانت العراق و مصر وبلاد الشام وما حاذاهما من المناطق شديدة البرودة، وخالية في معظمها من السكان، على حين كان جنوب الجزيرة العربية وجنوبها الغربي ينعم بمناخ رطب دافئ ، تغزر فيه الأمطار، وتكثر فيه البحيرات والأنهار، وكان هنالك غطاء نباتي كثيف، وكانت الثمار البرية والقمح والشعير جميعها تنبت بشكل طبيعي دون أن تزرع، وكانت الحيوانات تسرح في جبال هذه المنطقة وسهولها بأعداد كبيرة وأنواع مختلفة، نتيجة الغطاء النباتي الكثيف، والأحوال المناخية المناسبة . ويوكد علماء الأرض والمناخ أن الجزيرة العربية توشك أن تعود مروجًا وأنهارًا، كما كانت في الدورات الجليدية الماضية، وذلك لاقتراب عصر جليدي جديد، حيث بدأت الثلوج والعواصف الثلجية تزحف من المناطق القطبية الشمالية نحو الجنوب . ولولا الاحتباس الحراري بسبب الأنشطة البشرية ، لرأينا جزيرة العرب في هذه الأيام مروجًا وأنهارًا .


بدأ العصر الحجري القديم مع ظهور الإنسان على سطح هذه الأرض، واستمر حتى مئة ألف سنة قبل الميلاد. وكان الإنسان في هذا العصر يعيش متنقلاً من مكان لآخر؛ يبحث عن الصيد، ويجمع الثمار البرية. ويصنع أدواته من العظام والحجارة . وفي هذا العصر عرف الإنسان كيف يشعل النار، ويطهو طعامه . وأما العصر الحجري الحديث، فقد بدأ منذ مئة ألف سنة قبل الميلاد، واستمر إلى نحو 6000 - 4000 سنة قبل الميلاد، أيضًا، وفي أواخر هذا العصر استقر الإنسان، وبدأ يستأنس الحيوان، ويعمل في الزراعة . 


واستنادا إلى التنقيبات والمواقع الأثرية في اليمن الطبيعي ككل فقد تم اكتشاف و العثور على مواقع أثرية كانت مسرحًا لنشاط الإنسان في هذه المنطقة قبل أكثر من مليونين سنة مضت، عندما كان الإنسان يمارس الصيد ويجمع القوت؛ باستخدام أدوات حجرية بسيطة، ساعدته على جمع قوته والدفاع عن نفسه، إلى جانب استخدام الأدوات المصنوعة من عظام الحيوانات والأخشاب التي كانت تستخدم على شكل مقابض تثبت فيها بعض الأدوات الحجرية، وكانت من أقدر المواد على البقاء؛ إذ تمكن العلماء بواسطة فحصها بالنظائر المشعة وأشعة الكربون 14 من التعرف على المراحل التي مرت بها الصناعات الحجرية خلال مختلف العصور، بدءا بالعصر الحجري القديم الأسفل الادنى حتى العصر الحجري الحديث .


وتلك المواقع تقع جغرافيا في سلسلة جبال السَّراة اليمانية و سهولها التهامية و نجودها و هضابها الشرقية و الغربية التي كانت بكهوفها الواسعة ومغاراتها العجيبة مهد الحياة الإنسانية الأولى، وموطنًا مثاليًا لجأ إليه أوائل البشر على وجه هذه الأرض، إذ لم تبدأ حياتهم على ضفاف الأودية ومياه الأنهار التي تجري في السهول والمنخفضات، وإنما قامت على سفوح الجبال، إذ كانت له الكهوف والمغاور في تلك الجبال بمنزلة البيت الذي يأوي إليه هرباً من قسوة الطبيعة من حر وبرد وأعاصير وصواعق وثلوج، ومن خطر المفترسات الضارية التي كانت تهدد حياته، حيث كانت وسائل حياتهم محدودة وبدائية، وكانوا يعيشون على هذه الجبال حياة غير مستقرة، ينتقلون من مكان إلى آخر بحثاً عن الغذاء من صيد الحيوان وجمع البذور والثمار . وقد امتن الله تعالى على عباده بأن جعل لهم من الجبال أكنانًا، أي مغاور وكهوفًا يأوون إليها، قبل أن يكتشفوا صنعة الخيام أو بناء البيوت، فقال عز من قائل : (( وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِمَّا خَلَقَ ظِلاَلاً وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبَالِ أَكْنَانًا )) النحل/ 81 . 


وقد ثبت علميا وتاريخيا ووثائقيا أن الجزيرة العربية بوجه عام و اليمن الطبيعي بوجه خاص هي مهد الإنسان الأول على هذا الكوكب، وأن وجوده عليها بقي مستمرا دونما انقطاع خلال عشرات و مئات الآلاف من السنين . وهذا ما أكده مؤخرا جميع علماء إنسان ما قبل التاريخ . يقول البروسفور ( كون ) أستاذ التاريخ القديم والآثار في جامعة بنسلفانيا: (( أن الصحراء العربية التي كانت جنة من الخصب على الأرض قبل أن يصيبها التصحر في العصر الدفيء الأخير إنما هي مهد الإنسان، والمكان الذي انطلقت منه كل الأقوام التي سكنت كل القارات وإن هذا الإنسان أقام في تلك البقعة 200 ألف سنة متعاقبة، وهذه المدة الطويلة لم تتحق لأية إقامة بشرية في أية بقعة أخرى من العالم، وقد وُجد الإنسان العاقل في غابات المنطقة المكتظة والمندثرة حاليا، ومراعيها الخصيبة الزائلة، خير مكان يقطنه ويتطور فيه خلال الأزمنة التي كانت الحياة فيها متعذرة في أماكن أخرى بسبب الجموديات والثلج )) العرب والساميون د. أحمد داوود ص 50 - 52.


وتشير معظم الدلائل الأثرية والمصادر التاريخية والعربية المرتبطة بالكتب السماوية أن الأمم الأولى من قدماء العرب قد انتقلوا من حياة الكهوف والصيد وجمع الثمار البرية إلى الزراعة وتربية الماشية والتجمعات السكانية وبناء المنازل على ضفاف الأودية والبحيرات، وذلك منذ الألف الخامس عشر إلى العاشر قبل الميلاد . فهم بذلك أول من أسس أقدم المراكز الحضارية في العالم ، يقول ديورانت مؤلف كتاب ( قصة الحضارة -ج1 ص 241 ) : (( ولقد لفت شوينفرت أنظار العلماء  إلى تلك الحقيقة الطريفة العظيمة الخطر، وهي أن الشعير والذرة الرفيعة والقمح، واستئناس الماشية والماعز والضأن، وإن ظهرت كلها في بلاد وادي النيل و بلاد وادي الرافدين و بلاد الشام من أقدم العهود المدونة، إلا أنها لم توجد في حالتها البرية الطبيعية في تلك المناطق بل في بلاد اليمن وبلاد العرب القديمة. ويستدل من هذا على أن الحضارة- وهي هنا زراعة الحبوب واستخدام الحيوانات المستأنسة- قد ظهرت في العهود القديمة غير المدونة في بلاد العرب، ثم انتشرت منها في صورة \"مثلث ثقافي\" إلى ما بين النهرين \"سومر، وبابل وأشور\" وإلى مصر )) . 


ولا شك إن منطقة اليمن الطبيعي التي تقع جنوب الجزيرة العربية بجغرافيتها التي تشمل السلاسل الجبلية السروية و سهولها التهامية، والسفوح الشرقية و هضابها و نجودها شرقا من خليج العرب حتى غربا البحر الأحمر غربا عرضا ، هي من أقدم مواطن البشر على وجه هذه الأرض، وذلك يعود إلى تمتع هذه المنطقة الكبيرة العريقة كغيرها من مناطق جنوب غرب و شرق الجزيرة العربية بشكلا عام بأنماط جغرافية ومناخية معتدلة أغرت إنسان ما قبل التاريخ بأن يتخذ من جبال و سهول هذه المنطقة وهضابها وكهوفها مأوى ظل يلجأ إليه من أقدم الأزمنة . 


وإلى عهد قريب كان الرعاة، وما زالوا، يلجئون إلى تلك الكهوف ذاتها في مواسم معينة من السنة، وذلك لحماية أنفسهم وأغنامهم، ويسمون تلك الكهوف الحِلال، جمع حِلَّة، من الحلول . 


وفي جزيرة سقطرى اليمنية رأيت معظم سكانها ما زالوا يسكنون الكهوف، ويعيشون على الرعي وجمع الثمار البرية كعادة أسلافهم منذ آلاف السنين . 


وقد خلف ساكنو الكهوف والمغاور في هذه الجبال رسومًا ونقوشًا تصور موضوعات شتى؛ وتمثل لهم أهمية قصوى، فالأشكال البشرية والحيوانات مثل الوعول والأبقار والماعز والأسود والذئاب وحيوانات أخرى غيرها بعضها منقرض، وكذلك مناظر الصيد، كل ذلك كان جزءا من الحياة المألوفة لدى أولئك الناس، ولذلك عبروا عنها بالرسم على الصخور، فضلا عن عدد كبير من الكتابات والرموز الغامضة نقشتت على واجهات الصخور في أماكن كثيرة لا يكاد يحصيها العد . 


وتعد مناظر الصيد من أهم وأكثر الرسوم شيوعًا في الرسوم الصخرية لعصور ما قبل التاريخ في هذه المنطقة اليمن الطبيعي، وهي تمثل وسيلة هامة للاتصال والتفاهم بين أولئك البشر في تلك العصور، وتظهر بعض تلك الرسوم نزعة للتطور من الصور ذات الملامح البشرية والحيوانية الواضحة إلى أشكال عودية تشبه كثيرًا حروف النصوص العربية القديمة ( المسند الجنوبي ) 


الصورة المرفقة تمثل أصول و جذور قلم خط المسند اليمني و هو خط قديم جدا و يتمثل نمطه و أصوله الآولى في الرسومات الصخرية الحجرية و مخربشاتها التي وجدت في الجزيرة العربية عموما و خصوصا في شقها الجنوبي منها أي في اليمن الطبيعي ككل و هي في طورها البدائي القديم الأول منذ العصر البرونزي الألف الربع ق.م على أقل تقدير و هي أصيلة محلية بإمتياز أي لم تأتي من خارج محيطها اليمني إطلاقا بل هي التي إنطلقت منها إلى خارج اليمن و جذور المسند اليمني الذي هو أصيل في الأرض اليمنية السحيقة .



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق