الأحد، 28 فبراير 2021

( أصول و جذور عرب شمال الجزيرة العربية قبل الإسلام و الميلاد " الثموديون ، و اللحيانيون الديدانيون ، و الصفويون " من اليمن القديم )

( أصول و جذور عرب شمال الجزيرة العربية قبل الإسلام و الميلاد " الثموديون ، و اللحيانيون الديدانيون ، و الصفويون " من اليمن القديم )

================================

● مدخل توضيحي : الوجود اليمني العريق القديم في أغلب مناطق شمال غرب الجزيرة العربية الحضارية كان نشطاً منذ الألف الأول قبل الميلاد على أقل تقدير منذ القرن الثامن و السابع و السادس قبل الميلاد فكانت هناك جاليات حضارية يمنية متميزة كونتها عناصر من ممالك اليمن القديم من : ( معينيين و سبئيين و حميريين لاحقاً ) و هو وجود يسبق فيه الوجود الآشوري و البابلي الكلداني المتأخر و أغلب آراء علماء الآثار و التاريخ يذهبون بأن هذه الأقوام الشمالية هم ذات أصل عربي جنوبي يمني من اليمن الحضاري العظيم .
________________________________________

• لعب موقع شمال الجزيرة العربية الإستراتيجي دوراً هاماً في جعلها نقطة إتصال حضاري من جميع الجهات فقد توسطت بين بلاد الرافدين و مصر و جنوب الجزيرة العربية و الشام و ترك ساكنوها إرثاً حضارياً منوعاً رسم جوانب مختلفة عن طبيعة حياتهم و قد كانت النقوش و الكتابات من أهم المصادر التي سجلت معالم حياة مجتمعات عرب شمال الجزيرة العربية الدينية و الإقتصادية و الإجتماعية .

• و يذهب الدارسون إلى أن بعض قبائل عرب الشمال هاجرت من جنوب الجزيرة العربية لأسباب عدة منها : الجدب و كثرة الحروب و إستقرت في منطقة الشمال و منها من جاء للمنطقة بهدف التجارة و تمركزت هذه القبائل هناك مكونة بعض الممالك و معتمدين في هذا الرأي على التشابه في بعض المظاهر اللغوية و العادات و الممارسات لدى عرب شمال و جنوب الجزيرة العربية و سنقدم تالياً لمحة تاريخية عن شعوب شمال الجزيرة العربية و هم : ( الثموديون و اللحيانيون و الصفويون ) : -
_______________________________________

• ( 1 ) الثموديون :

و هم قبائل عربية هاجرت من جنوب الجزيرة العربية و إستوطنت في الشمال و وصلت حدود مناطقهم إلى جنوب الأردن و سيناء و تؤرخ نقوشهم من القرن السادس قبل الميلاد و حتى القرن الخامس الميلادي و قد جاء ذكرهم في كتابات الأمم الأخرى كالآشوريين الذين إنتصروا عليهم و أجبروهم على دفع الجزية حتى تمردت ثمود و بعض القبائل العربية و تحررت من السيادة الآشورية بعد ضعفها .

و كان الثموديون أقرب إلى الحضر منهم إلى البدو و ذلك بسبب ممارستهم للتجارة فقد عملوا كأصحاب قوافل أو حُماة لها كما عملوا بالزراعة و الرعي و مارسوا الصيد و خدم الثموديون في الجيش الروماني كما إستخدمهم الرومان كدروع بشرية لتأمين الحماية لهم من بطش القبائل البدوية و للتخلص من تمردهم .

أما بالنسبة لديانتهم فقد كانت وثنية و قامت على تعدد الآلهة كالإله ذو الشرى و رضو و غيرهم و تحدثت نقوشهم التي عُثر على الآلاف منها في أماكن إنتشارها عن و قائع تاريخية و تضرعات دينية و موضوعات تذكارية و غيرها و قد عكست بعض الرسومات الصخرية التي رافقت بعض النقوش الثمودية فكرة عن وجود نوع من الإستقرار في طبيعة المجتمع الثمودي كالرسوم الدالة على المباني و المعابد و المزارع و أدوات الزراعة كما أن ظهور بعض النقوش المكتوبة من قبل بعض النساء يدل على إنتشار القراءة و الكتابة عندهم و بوجود مكانة للمرأة في مجتمعاتهم و تعتبر هذه صورة أخرى من مظاهر إستقرار هذا المجتمع و ما تزال نهاية الثموديون مجهولة بالنسبة لعلماء الآثار و المؤرخين فليس هناك ما هو مثبت حتى الآن .
________________________________________

• ( 2 ) اللحيانيون - الديدانيون :

و هم مجموعة قبائل عربية عدت إمتداداً لمملكة ديدان التي ظهرت في القرن السادس قبل الميلاد في شمال غرب الجزيرة العربية و تشير النقوش و المخربشات اللحيانية المؤرخة من القرن الخامس قبل الميلاد إلى القرن الأول الميلادي إلى أن الإمتداد اللحياني كان من شمال الحجاز إلى جنوب منطقة الحجر و تيماء كما ذهبت بعض الدراسات إلى أن إمتدادهم وصل إلى خليج العقبة الذي أطلق عليه في ذلك العهد " خليج لحيان " .

و كانت منطقة العُلا هي حاضرة المملكة اللحيانية و إشتهرت بخصوبتها و وفرة عيون الماء فيها مما شجع ساكنيها على الزراعة كما أن موقعها الإستراتيجي جعلها محطة تجارية مهمة عند ملتقى طرق القوافل القادمة من جنوب الجزيرة العربية و العراق و الشام و مصر فعكس ذلك إيجاباً على الوضع الإقتصادي للمجتمع اللحياني و لم يقتصر الإقتصاد اللحياني على التجارة و الزراعة فحسب بل عد الرعي أحد مقوماته أيضاً .

و يرى العديد من الباحثين أن شعب لحيان من الشعوب العربية الجنوبية الأصل و كون المؤرخ الروماني الشهير بليني الأكبر ذكرهم في جملة شعوب العربية الجنوبية مما يؤيد وجهة نظر من يرى أن اللحيانيين هم من أصل عربي جنوبي ورود إسم لحيان في النقوش العربية الجنوبية المعروفة بالمسند مثل ( أب يدع ذلحين ) أي : ( أبيدع اللحياني ) .

و مملكة أو مقاطعة ددان هي أحد فيدراليات مملكة معين في ( الألف الأول قبل الميلاد ) قامت في مستوطنة دادان و تيماء و مدائن صالح و جبل الأسود و جبل عكمة و خيبر و العُلا شمال الحجاز في فترتها الأولى الممتدة من ( 600 ق.م - 100 ق.م ) سميت ددان و في مرحلتها الثانية الممتدة بين سنة ( 107م و 150م ) سميت لحيان و قد إتخذها المعينيون في فترة من فتراتهم عاصمة ثانية لهم .

إستمرت مملكة ددان حسب عالم الآثار الشهير وليم ألبرايت في ظل الفيدرالية المعينية من القرن السابع قبل الميلاد حتى القرن الأول قبل الميلاد إلى أن أستولى الحميريين  على ددن موطن المعينيون الشماليون في حوالي سنة 115 قبل الميلاد فخضعوا بذلك لحكم الحميريين أبناء عمومتهم .

و يرى المؤرخ جواد علي أن المعينيين كوَّنوا مستعمرات في أعالي الحجاز منذ القرن السابع و السادس قبل الميلاد أيام قوة المعينيين و من بعدهم السبئيين و هدف هذه المستعمرات هو تأمين القوافل اليمنية و الطرق التجارية من اليمن إلى الشام و وفقاً لورنر كاسكل : العهد القديم في معرض ذكره لددان عندما يتحدث عن السبئيين يظهر ددان في سلسلة الأنساب كأخ لسباء ( تكوين 10 : 7 ) و هو ما يعطي إنطباع بأصول العناصر الدادانية ، اللحيانية بأنها من أصل عربي جنوبي قديم أي يمني .

و تمثل نظام الحكم عند المجتمع اللحياني بالنظام الملكي و كان هناك مجلس إستشاري يساعد الملك في الحكم يسمى " هجبل " .

كما دان المجتمع اللحياني بالديانة الوثنية حيث عبدوا عدداً من الآلهة و كان معبودهم الرئيس هو الإله " ذو غيبة " حيث عثر على عدد كبير من بقايا معابد بنيت للتقرب منه و تقديم القرابين و النذور له و لغيره من الآلهة .
________________________________________

• ( 3 ) الصفويون :

و قد سموا بذلك نسبةً إلى منطقة " الصفا " التي تقع إلى الجنوب و الجنوب الشرقي من دمشق و هم قبائل عربية متنقلة إنتشرت في هذه المنطقة التي تغطيها الصخور البازلتية السوداء و المنطقة الشمالية وصولاً إلى جبل أسيس كما إنتشروا في أواسط سوريا حول منطقة حماة و شمال واحة تدمر و في المناطق الشرقية من الأردن و وادي حوران في العراق و شمال بعلبك في لبنان و شمال الجزيرة العربية .

و يذهب الدارسون إلى أن القبائل الصفوية هاجرت من جنوب الجزيرة العربية لأسباب عدة منها : الجدب و كثرة الحروب و سعياً للرزق و مما يؤكد هذه الفكرة هو مجموعة النقوش التي يظن أنها مشتقة من كتابة المسند العربية الجنوبية ( السبئية ) و ذلك نظراً للتشابه في بعض الظواهر اللغوية و أشكال الحروف .

و يمتد تاريخ النقوش و الكتابات الصفوية من منتصف القرن الأول قبل الميلاد و حتى القرن الرابع الميلادي و ربما كان هذا الإنتشار الواسع للصفويين دون ترك مخلفات عمائرية من مدن و قُرى دليلاً على طبيعة حياة البداوة التي عاشتها هذه القبائل فقد كانوا يتنقلون بإستمرار بحثاً عن المأوى و الماء و الكلأ .

و قد عاشت القبائل الصفوية في حالة من الصراعات المستمرة مع غيرها من القبائل نظراً لصعوبة بيئة الحرة التي عاشت فيها كما أنها خضعت للروم في بعض الفترات و خدم بعض أفرادها في صفوف الجيش الروماني .

و عبد الصفويون عدداً من الآلهة وردت في نقوشهم منها : اللات و رضو و جد و غيرها كما وثقت نقوشهم نماذج من الصلوات و الأدعية و التضرعات .

و قد عمل الصفويون في الرعي الذي كانوا بسببه في حركة مستمرة بحثاً عن الكلأ و الماء و بينت نقوشهم و الرسومات مظاهر ممارستهم للصيد و إستخدمهم لأدواته كما زرعوا أنواعاً من المحاصيل في بعض المناطق التي إستقروا فيها و حين إبتعدت بعض القوافل التجارية عن المرور بالبتراء هرباً من دفع الرسوم الباهظة للرومان لجأوا للمرور بمناطق سكن القبائل الصفوية شجع ذلك على بعض التبادل التجاري بين هذه القوافل و الصفويين .

و قد بلغ عدد النقوش الصفوية التي تم الكشف عنها حتى الآن أكثر من خمسين ألف نقش عكست طبيعة حياة كاتبيها و بيئتهم التي عاشوا فيها و تناولت موضوعات إجتماعية و دينية و إقتصادية .
________________________________________

المصادر :

- D. Hoyland, R. G., 2001, Arabia and the Arabs from the Bronze Age to the Coming of Islam. London: Routledge .

- D. Oxtobay. W.G., 1968, Some Inscriptions of the Safaitic Beduin. New Haven:American Oriental Society .

- د . محمود الروسان : القبائل الثمودية و الصفوية دراسة مقارنة ، الرياض ، جامعة الملك سعود ، 1987م .

- د . سلطان المعاني : الهوية الحضارية في النقوش العربية القديمة ، عمان ، وزارة الثقافة ، 2010 م .

- د . حسين أبو الحسن : قراءة لكتابات لحيانية من جبل عكمة بمنطقة العُلا ، الرياض ، مكتبة الملك فهد الوطنية ، 1997م .

- د . حسين أبو الحسن : مملكة لحيان .

- د . زيدان عبد الكافي كفافي : تاريخ شبه الجزيرة العربية و آثارها قبل الإسلام ، الرياض ، مركز عبد الرحمن السديري الثقافي ، 2017 م .

- د . زياد الطلافحة : لغة النقوش الصفوية و صلتها بالغة البادية الشمالية الأردنية ، عمان ، وزارة الثقافة ، 2017 م .
________________________________________




ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق