السبت، 27 فبراير 2021

( الصلات و التأثيرات الحضارية بين حضارة مصر الفرعونية و حضارات البحر الأحمر )

( الصلات و التأثيرات الحضارية بين حضارة مصر الفرعونية و حضارات البحر الأحمر )

" اليمن نموذج عريق في القدم مع مصر و يعتبر من أقدم العلاقات الحضارية عبر التاريخ "

================================

للدكتور : عبد المنعم عبد الحليم سيد .
أستاذ الآثار و التاريخ القديم المشارك
بقسم التاريخ - كلية الأداب - جدة .
________________________________________

• قسم الباحث رسالته إلى قسمين رئيسيين بدأهما بمقدمة عن أثر العوامل الجغرافية في تشكيل طابع الصلات الحضارية بين شعوب البحر الأحمر موضحاً أن البحر الأحمر و إن كان عامل فصل بين سواحله الإفريقية و سواحله الآسيوية في جزئه الأوسط فإنه عامل وصل بين هذه السواحل في أطرافة الشمالية و عند سيناء و برزخ السويس و في أطرافة الجنوبية عبر بو غاز باب المندب و كان لذلك تأثيرة في تحديد طرق إنتقال التأثيرات الحضارية بين مناطقة الآسيوية و الإفريقية فبينما كان المسار العام لإنتقال هذه التأثيرات عبر أطرافة الشمالية هو من الغرب إلى الشرق أي من المناطق الإفريقية ( مصر ) إلى المناطق الآسيوية ( سيناء و شمال غرب الجزيرة العربية ) نجد أن هذا المسار في أطرافة الجنوبية يتجه من الشرق إلى الغرب عبر بو غاز باب المندب أي من المناطق الآسيوية ( اليمن ) إلى المناطق الإفريقية ( إريتريا و الصومال و الحبشة ) و لعل السبب في هذه الظاهرة يرجع إلى التفوق الحضاري ففي الشمال قامت في مصر أي في المناطق الإفريقية حضارة أرقى من الحضارات التي قامت في المناطق الآسيوية بينما في الجنوب كانت حضارات المناطق الآسيوية و خاصة في اليمن أرقى من حضارات المناطق الإفريقية و هذا يثبت التفوق الحضاري لكل من اليمن و مصر و تاريخهم العميق في الحضارة الإنسانية .

• و في القسم الثاني من الرسالة إنتقل الباحث إلى دراسة الجانب الآخر من موضوع بحثه أي التأثيرات الحضارية لشعوب البحر الأحمر في الحضارة المصرية القديمة و نظراً لصعوبة هذا الموضوع لأن المناطق الأخرى المطلة على سواحل البحر الأحمر ( فيما عدا مصر ) لم تجر بها حفائر أثرية تكشف عما تخبئه أرضها من آثار فإن الباحث إستعان على تذليل تلك العقبة بدراسة الآثار المصرية التي تظهر بين ثناياها تأثيرات أجنبية تشبه من قريب أو من بعيد ما وجد من آثار في مختلف مناطق البحر الأحمر سواء بقيت هذه الآثار في أماكنها الأصلية أم نقلت إلى المتاحف كما إستعان الباحث في ذلك بأوصاف الكتاب الكلاسيكيين للمظاهر الحضارية التي كانت موجودة في أيامهم في مختلف مناطق البحر الأحمر و تناول الباحث في هذه الدراسة ما أمكن الحصول عليه من مادة أثرية كما يلي : -

1 - دراسة التأثيرات الأجنبية التي دخلت إلى مصر عبر الوديان التي تربط بين البحر الأحمر و بين وادي النيل مثل وادي الحمامات و وادي عباد و رسوم الصخور على هذه الوديان التي يبدو فيها طابع غير مصري و إنما يمني .

2 - دراسة حضارة و نشاط الشعب القديم الذي إتصل به المصريون القدماء عن طريق البحر الأحمر و الذي أطلقوا على أفراده إسم ( بونتيو ) و على بلاده إسم ( بونت ) و كانوا يحصلون من هذا الشعب على سلعة ذات أهمية كبيرة في طقوسهم الدينية هي سلعة ( البخور ) بالإضافة إلى السلع الإفريقية الأخرى و خاصة سلع الترف .

3 - دراسة مظاهر طقوس و صفات المعبودات المصرية المبكرة التي ربط المصريون بينها و بين مناطق البحر الأحمر ( ممثلة في بلاد بونت هذه ) و التي ظهرت عبادتها أول ما ظهرت عند نهايات الوديان القادمة من ساحل البحر الأحمر نحو النيل مثل وادي الحمامات و وادي عباد و هذه الآلهة هي الإله الذي أطلق المصريون عليه إسم ( مين ) و الذي كانوا يعتبرونه حامياً للقوافل و الإله الذي أسموه ( حر أو حور ) و صوروه على هيئة صقر و الآلهة التي أطلقوا عليها إسم ( حتحور ) و كانوا يعتبرونها آلهة للسماء و قد أثبت الباحث وجود تشابه كبير بين صفات و مظاهر طقوس هذه الآلهة الثلاثة مما يدل على أنها من أصل مشترك فضلاً عن وجود خصائص إفريقية لهذه الآلهة بالإضافة إلى بعض التأثيرات السامية في طقوس عبادتها .

4 - دراسة طقوس عبادة و صفات إله كان المصريون يسمونه ( بنو ) و كانوا يصورنه على شكل طائر أسطوري ( ربما يشبه طائر العنقاء ) و قد لاحظ الباحث أن جميع مراكز عبادة هذا الطائر في مصر الفرعونية توجد في المناطق الواقعة إلى الشرق من وادي النيل فقارن بين تلك الظاهرة و بين ما رواه الكتاب الكلاسيكيون بأن هذا الطائر ( الذي أسموه phoenix ) كان من معبودات الجزيرة العربية .

• و قد إستخلص الباحث من هذه القرائن الأربعة حدوث هجرات من الجزيرة العربية في العصور المبكرة من التاريخ المصري القديم عبر بو غاز باب المندب ( ربما تكون إستمراراً للهجرات اليمنية الموغلة في القدم ) و إن هؤلاء المهاجرين حملوا معهم مظاهر حضارية من الجزيرة العربية ( ربما كانت لا تزال في شكلها البدائي ) و إنهم في تنقلهم في شرق إفريقيا نحو الشمال إصطبغوا بالصبغة الإفريقية و عندما وصلوا إلى مصر نقلوا إليها هذه المظاهر الحضارية و من بينها عبادة الآلهة التي إرتبطت بمناطق البحر الأحمر و أن بعضاً من هذه الجماعات المهاجرة إستقرت على السواحل الإفريقية للبحر الأحمر حيث أسست مراكز تجارية ساحلية كانت تتاجر في سلعة البخور التي ينتجها الساحل الإفريقي و هذه الجماعات هي التي أطلق عليها المصريون في العصر الفرعوني إسم ( البونتيين ) و كانوا على صلة بأنباء عمومتهم في جنوب الجزيرة العربية الذين كانوا يتاجرون مثلهم في سلعة البخور التي تتوفر أيضاً في مناطق حضرموت و عُمان و غيرها من مناطق جنوب الجزيرة و إن سكان مناطق البخور هؤلاء في جنوب الجزيرة العربية كانوا وسطاء نقل التأثيرات الحضارية المبكرة التي ظهرت في مصر في المناطق الواقعة عند نهايات وادي الحمامات و وادي عباد ( كما سبق القول ) و هي تأثيرات يمنية في الأصل و عراقية الطابع حملها السومريون إلى جنوب الجزيرة العربية مع ما حملوا من سلع تجارية أثناء إرتيادهم لهذه المنطقة طلباً للبخور ثم نقلها سكان هذه المنطقة ضمن ما كانوا يحملون من تجارة أيضاً إلى أبناء عمومتهم البونتيين المستقرين على الساحل الإفريقي للبحر الأحمر و هؤلاء نقلوها بدورهم مع  سلعهم التجارية إلى سواحل صحراء مصر الشرقية ( المطلة على البحر الأحمر ) الذي كان يجذبهم إليها ما تزخر به هذه الصحراء من معادن نفيسة و خاصة الذهب .
________________________________________

• و قد إستدل الباحث على حدوث الإختلاط و التزواج بين المهاجرون من سكان جنوب الجزيرة العربية و بين السكان الإفريقيين الوطنيين على الساحل الإفريقي للبحر الأحمر برسوم وردت على الآثار المصرية و بروايات الكتاب الكلاسيكيين التي تؤكد إستمرار هذا الإختلاط في العصور اللاحقة للعصر الفرعوني .

• و قد لاحظ الباحث أن هناك شعباً آخر إرتاد البحر الأحمر يشبه في نشاطه ( البونتيين ) هذا الشعب هو الفينيقيون الذين يبدو أنهم خلفوا البونتيين في هذا النشاط و خاصة في المراحل المتأخرة من التاريخ المصري الفرعوني إبتداء من القرن العاشر قبل الميلاد و قد نقل هؤلاء الفينيقيون تأثيرات حضارية مصرية إلى بلاد اليمن كما نقلوا تأثيرات حضارية عربية قديمة من اليمن و إفريقية إلى مصر .

• و في كل المظاهر الحضارية التي إنتقلت بين مصر و بين مناطق البحر الأحمر حدثت تغيرات و تعديلات نتيجة لعملية الإنتشار الحضاري كما سبق القول و للتعرف عليها لجأ الباحث إلى تحليل هذه المظاهر الحضارية إلى العناصر التي تدخل في تشكيلها لرد هذه العناصر إلى أصولها الأولى التي دائماً ما تأتي في الأصل من جنوب الجزيرة العربية إلى شرق إفريقيا و من ثم إلى مصر .
________________________________________

• غير أننا من ناحية أخرى نلاحظ أنه في عصر الدولة الحديثة أيضاً وردت أسماء على الآثار المصرية مرتبطة بإسم " بونت " و قريبة في الوقت نفسه من بعض الأسماء ذات الأصل العربي الجنوبي و من ذلك الإسم ( خبستيو ) الذي ورد في نصوص حتشبسوت كمرادف للبونتيين و ذلك في العبارة التي يخاطب فيها الإله آمون الملكة حتشبسوت موضحاً فضله في تيسير الطريق أمام بعثتها التجارية إلى بونت إذ يقول : 

[ أما البونتيون ( سكان بونت ) الذين لم يعرفهم أهل مصر هؤلاء الخبستيو المنتمون لأرض الإله ]

• فيرى بعض الباحثين أن كلمة " خبستيو " الواردة في هذا النص شبيهة بكلمة " حبش أو حبشات " و هو إسم قبائل ذات أصل عربي جنوبي كانت تسكن منطقة مهرة في جنوب بلاد العرب و أنها هاجرت إلى الساحل الإفريقي للبحر الأحمر و إستقرت في الحبشة حيث أعطت هذه البلاد إسمها .

• فإذا صح هذا الرأي فإننا بذلك نكون أمام أقدم ذكر للشعوب العربية التي هاجرت من الجانب الآسيوي للبحر الأحمر و المحيط الهندي إلى جوانبهما الإفريقية و هي الظاهرة التي ميزت التاريخ الأثنولوجي لإفريقيا الشرقية و تمخضت عن إستقرار الجماعات الآسيوية على الساحل الإفريقي و إختلاطها مع سكانه و تزاوجها معهم و يمكن أن تعتبر الرسوم الواردة في منظر المقابلة بين قائد بعثة حتشبسوت إلى بونت و بين أمير بونت أقدم تسجيل بالرسم لتلك الظاهرة فقد مثل الأمير بملامح و خصائص جسدية آسيوية أو حامية سامية مثل جسديهما و أظهرها خاصية بروز العجز ( Steatopaeq a ) التي تسود بين نساء إفريقيا الزنجية و ظهر بين أتباع الأمير من يحملون نفس خصائصه السلالية بينما ظهر آخرون من سكان منطقة بونت هذه و هم يحملون الخصائص السلالية الزنجية .

• و هناك إسم آخر ورد على الآثار من عصر الفرعون تحتمس الثالث ( الملك التالي في الحكم لحتشبسوت ) هو " جنبتيو " و قد أطلقت النصوص المصرية هذا الإسم على جماعة جأت إلى مصر في عصر هذا الفرعون تحمل إليه هدايا من الصمغ العطري و من البخور من ذلك النوع الذي إرتبط بمناطق البحر الأحمر " بونت " و هو الذي كان المصريون يسمونه " عنتيو " و هناك دراسة عميقة لهذا الموضوع للدكتور عبد العزيز صالح رجح فيها أن يكون هؤلاء " الجنبتيو " من القبائل العربية الجنوبية المعروفة بالقتبانيين الذين كانوا يسكنون جنوب الجزيرة العربية التي إشتهرت في التاريخ القديم بإنتاج البخور .

• هذه الأسماء التي ذكرناها هي كل ما ورد على الآثار المصرية مما يشير إلى نوع من الإرتباط مع الجزيرة العربية سواء من حيث الموقع ( تانثر = المناطق الشرقية ) أو من حيث التشابه في النشاط الإقتصادي الغالب ( تجارة البخور ) أو من حيث التشابه في الأسماء ( جنبتيو = قتبانيون ، خبستيو = حبشات .

• أما الأسماء التي تشبه المسميات المعروفة لجزيرة العرب أو لمناطقها فبعضها يشبه المقطع ع ر ب أو أ ر ب و بعضها يشبه كلمة " سبأ " القديمة و بعضها الآخر يشبه إسم إحدى مناطق تهامة في رأي أحد الباحثين .
________________________________________

• الخلاصة :

التأثير الحضاري و الوجود اليمني في شرق إفريقيا و مصر قديم و عريق و رأينا كيف دراسة و تحليل الدكتور عبد المنعم عبد الحليم سيد حول ذلك و هناك الكثير من الأدلة و التأثيرات على الوجود اليمني في مصر ذكره علماء متخصصين كثر سواء عرب أو أجانب و هذا يثبت بأن هناك مؤثرات قد أتت من اليمن و هم الأقدم و من العراق عبر فترات تاريخية قديمة و أن أغلب هذا التأثير و الوجود قد أتى عن طريق باب المندب من اليمن إلى مصر .
________________________________________



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق