■ هناك العديد من الآراء التي حاولت تحديد هذه البلاد بدقة مستندة كل منها على بعض الأدلة التاريخية و الشواهد الأثرية و سعى كل رأي منهم إلى إدحاض باقي الآراء الأخرى و في المجمل فإن بلاد بونت إسم عام أطلق على المنطقة التي تنبت البخور في جنوبي البحر الأحمر على مقربة من باب المندب و تشمل كلاً من الشاطئين الإفريقي و الآسيوي أي أنها تشمل ما نعرفه الآن بإسم جنوبي شبه الجزيرة العربية ( اليمن ) و إريتريا .
■ الحقيقة تعددت الآراء في تحديد منطقة بلاد بونت فذهب الرأي الأول إلى أنها تقع بالعروض الجغرافية للصومال و إريتريا على الساحل الإفريقي للبحر الأحمر و ذهب الرأي الثاني إلى أن المقصود بها هو مناطق جنوبي الجزيرة العربية ( اليمن ) أما الرأي الثالث فذهب إلى أنها تشمل الجانبين الآسيوي و الإفريقي جنوبي منطقة البحر الأحمر ( أي اليمن و ما يقابها على الجانب الآخر ) و لعل من الإشارات المهمة إلى أن بلاد بونت قد تقع في مناطق جنوبي الجزيرة العربية هي تلك الرسومات الجدارية التي خلدت بعثة الملكة المصرية حتشبسوت و التي ظهر فيها " بارحو ( Barho ) " كبير بلاد بونت الذي إستقبل بعثة حتشبسوت و هو يرتدي الزي اليمني و الخنجر الشهير الذي لا يزال يظهر في الزي اليمني و العُماني حتى يومنا هذا .
■ و الباحثين إختلفوا في تحديد موقع بلاد بونت و كل منهم أدلى بدلوه و قدم أدلة تؤيد وجهة نظره و قد تركز إختلافهم حول موقعين هما الشاطئ الإفريقي و الشاطئ الآسيوي البحر الأحمر و الكثير من العلماء يذهب بوجهة النظر القائلة بأن بونت هي جنوب الجزيرة العربية بلاد اليمن و ذلك لأسباب كثيرة و أدلة أثرية و مؤشرات و قرائن قوية نذكر منها بالتفصيل على عدة نقاط كثيرة جوهرية و هي على النحو التالي : -
1 - إن اليمن كان يتحكم بالطريق التجاري البحري عبر باب المندب منذ قديم الزمان و كان يلعب دور الوسيط التجاري بين الشرق الأقصى و الأدنى و كان مركز التجارة العالمية الأولى في العالم و كان يتحكم بالطريق التجاري البري المعروف بطريق اللبان من اليمن إلى دول الشرق الأدنى القديم .
2 - إن المناظر المرسومة على جدران معبد الدير البحري تعبر عن ما هو معروف في اليمن قديماً و حديثاً .
3 - ملامح الأشخاص المرسومة على جدران معبد الدير البحري التي تعبر عن أهل بلاد بونت تشابه إلى حد كبير ملامح المصريين القدماء و بعيدة عن ملامح الجنس الإفريقي إلى جانب أن المصري قام بتلوين وجوههم باللون البني كما كان يفعل مع المصري القديم .
4 - من الثابت أن مناطق زراعة البخور منتشرة في منطقة ظفار و حضرموت و المهرة و سقطرى و تهامة و المعافر و غيرها لأن إستثمار هذه المادة في اليمن بدأ منذ فترة قديمة جداً قبل التعرف عليه في الصومال .
5 - وجود آثار لكتابات يمنية قديمة بخط المسند اليمني على صخور الصحراء الشرقية بوادي الحمامات و وادي جاسوس في مصر يدل على قدم التواصل بين اليمن و مصر فضلاً عن العثور على كتابات معينية يمنية أخرى في الجيزة و عند قصر البنات عند منتصف وادي الحمامات و في منطقة " إدفو " " بمحافظة أسوان " و ترجع بعض هذه الكتابات اليمنية إلى أيام قمبيز " 525 - 522 قبل الميلاد من منتصف الألف الأول ق.م " و بعضها الآخر إلى أيام البطالمة .
6 - من أقدم البعثات التجارية اليمنية التي وصلت إلى مصر يعود تاريخها إلى عهد تحتمس الثالث في العام 32 من حكمه منذ القرن 16 - 15 قبل الميلاد من الألف الثاني ق.م وجاء ذكر أسماء و أعضاء تلك البعثة بإسم ( الجنبتيون و هم أجداد القتبانيين و قتبان هي مملكة يمنية مشهورة بالتجارة و إنتاج البخور وجبنيتو Gebbanites عند المؤرخ الروماني الشهير بليني الأكبر هم القتبانيين ) و قد رجح الكثير من علماء المصريات أن أعضاء هذه البعثة ينتمون إلى اليمن و بعضهم ذهب بالتحديد إلى منطقة جبأ اليمنية القريبة من ساحل البحر الأحمر و من باب المندب بالقرب من ميناء المخاء و سوق موزع الشهير .
7 - من الناحية اللغوية قد يكون الإسم ( بونت ) بالنقوش اليمنية القديمة يرتبط بالتجارة أو بنوع من التجمعات البشرية المنظمة و أن إسم أمير بونت ( بارهو ) من الألفاظ السامية التي عرفت في لغة اليمن القديم و مشتق من الجذر ( بره ) بمعنى ( وضح و سطح ) و منها البرهان أي الحجة بالإضافة إلى وجود أسماء أماكن في اليمن حتى اليوم مشتقة من الجذر المذكور مثل البربهي البريها وأسماء أشخاص مثل بريهة مما يؤكد على أن بلاد بونت هي على الساحل الجنوبي لشبه الجزيرة العربية .
8 - وصف الكثير من مؤرخين الفترة الكلاسيكية الإغريق اليونان و الرومان منذ الشاعر هوميروس صاحب الإلياذة و الأوديسة من القرن التاسع - الثامن قبل الميلاد إلى هيردوت من القرن الخامس قبل الميلاد و ما بعده من المؤرخين لبلاد اليمن العربية السعيدة أو المباركة الميمونة بأنها منبع و مهد البخو و فيها أجود و أفضل أنواع البخور اللُبان و المُر و الطيوب و العطور و الأصماغ العربية .
9 - البخور المطلوب إحضاره كان من النوع الجيد و الطازج الذي لم يكن ينمو في السودان و لا حتى في جنوب السودان و الدليل ما ذكر في حديث أمون لحتشبسوت عن البحث عن مناطق البخور الطازج و الذي لا ينمو إلا في جنوب الجزيرة العربية بناء على تحليل عالم النبات هيبر Hepper لرسوم فصائل أشجار اللبان في معبد الدير البحري و يتوافق ذلك مع ما تشير إليه الحفريات الأثرية في صبر - لحج عن وجود علاقات تجارية بين بلاد النوبة و جنوب الجزيرة العربية اليمن منذ نهاية العصر الحجري الحديث حيث تم العثور على أواني فخارية في صبر لحج مصقولة عليها رسومات لأشكال هندسية نفذت بطريقة الحز تم مقارنتها مع الفخار النوبي الذي يعود إلى المجموعة ( A ) تم تاريخه إلى ( 2100 - 1500 قبل الميلاد منذ الألف الثالث - الثاني ق.م ) كما أثبتت الدراسة المقارنة التي قام بها فاتونيج أيضاً بين فخار صبر - سيهي و فخار الساحل الإفريقي أن فخار صبر - سيهي يتوسط الفترة بين فخار حضارة كرمة السودانية و المجموعة ( C ) و يعتبر ذلك دليل على وجود إتصالات تجارية نشطة بين جنوب الجزيرة العربية و بلاد النوبة منذ نهاية حضارة النوبة المجموعة ( C ) أي زمن مجتمع بونت .
10 - أهم الأدلة الحاسمة هو الملامح الآسيوية و لون بشرة أهل بلاد بونت الفاتحة و الذي يختلف تماماً عن لون بشرة الجنس الإفريقي فقد كان المصري يستخدم صفة اللون و الملابس ليفرق بين الآسيوي و الإفريقي .
11 - أهم دليل تم إغفاله هو ملامح البونتيون و ملابسهم التي وردت في رسوم معبد سا حو رع و مقبرة مري رع في تل العمارنة التي تشبه ملامح أهل بونت في رسوم الدير البحري و هي ملامح الجنس القوقازي القريب من ملامح سكان جنوب الجزيرة العربية اليمن و كذلك لديهم لحاء و ملابسهم عبارة عن إزار يبداء من الخصر حتى ثنية الركبة .
12 - عالم المصريات الكبير جروم Groom من خلال دراسته للنص الذي على تمثال أمنحتب الثاني الذي يرجع إلى القرن 15 قبل الميلاد من الألف الثاني ق.م و هي ترنيمات الإله أمون يرى و يرجح بشكل كبير بأن موقعها في جنوب الجزيرة العربية اليمن .
13 - هيبر Hepper العالم المتخصص في علم النبات قام بفحص الأشجار التي رسمت على جدران معبد الدير البحري و كانت النتائج ظهور نوعين من الفصائل هي :
A - كثيف الأوراق Carteri Boswellia .
B - قليل الأوراق Sacra Boswellia و يشير بأنها تنمو في جنوب جزيرة العرب .
14 - شف Schoff العالم المتخصص هو الآخر في علم النبات يؤكد أن النوع الأول من أشجار اللبان المرسوم على جدران معبد الدير البحري و هو الكثيف الأوراق Carteri Boswellia ينبت في جنوب الجزيرة العربية اليمن .
15 - العالم الألماني الشهير موللر يذكر إن معنى كلمة بونت عند قدماء المصريين السماء جهة الشرق أو الشمال الشرقي و أن دلالة هذه التسمية تعني الجزيرة العربية و من خلال دراسته لنصوص معبد الدير البحري فأنها تقع بالقرب من باب المندب بجانب خليج عدن في اليمن .
16 - شيخ الأثريين المصريين الدكتور عبد العزيز صالح يرى أن موقع بلاد بونت في عهد الملكة حتشبسوت في جنوب الجزيرة العربية اليمن و هناك دراسة عميقة لهذا الموضوع للدكتور رجح فيها أن يكون هؤلاء ( الجنبتيو ) من القبائل العربية الجنوبية المعروفة بالقتبانيين الذين كانوا يسكنون جنوب الجزيرة العربية في اليمن التي إشتهرت في التاريخ القديم بإنتاج البخور فالمقصود إذن بأرض الإله المذكورة سالفاً في النصوص المصرية - خاصة في عصر الدولة الحديثة المناطق الشرقية التي كانت الجزيرة العربية جزءاً منها و هي في بعض هذه النصوص جنوب الجزيرة العربية نفسها كما يرى الدكتور عبدالعزيز صالح .
17 - شبه إجماع لدى الباحثين العلماء على أن بلاد بونت تقع في جنوب الجزيرة العربية باليمن خاصة في الأسرة الثامنة عشر فترة حتشبسوت .
18 - و من خلال العودة إلى المعطيات الأثرية لمعرفة ما إذا كان هناك أدلة عن وجود حيوان الزراف و الحيوانات الأخرى في جنوب الجزيرة العربية فقد تم العثور على نوعين من الأدلة العثور على رسوم صخرية في العديد من المناطق منها ( حضرموت ، صعدة ، رداع ، الضالع ) تمثل قطعان من الحيوانات المتنوعة و مناظر صيدها بإستخدام الكلاب أعمال البعثة الأثرية الأمريكية اليمنية في شعب منيدر - حضرموت تدل أنها كانت بيئة مناسبة لنمو أشجار الأثل و نوعين من السنط التي تمثل مراعي مناسبة للماشية و الجمال و قرود البابون و أن المنطقة كانت قديماً تشمل الحيوانات البرية مثل الماشية و جاموس الماء و أكلة اللحوم محلية الأصل منها الضبع و النمر و الفهد الذي لا زال إلى اليوم موجود في اليمن و عُمان من الأدلة التي تعود إلى الفترة التاريخية العديد من القطع الأثرية التي تحمل زخارف حيوانية مثل الفهود و الزرافة و النعامة و قرود البابون و الكلاب السلوقية العربية ذات الموطن اليمني الأصل و النمور منها :
أ - نصب حجري عليه منظر صيد بإستخدام الكلاب محفوظ في المتحف الوطني .
ب - شقف فخار من مدينة ريبون - حضرموت عليها حروف بـالخط المسند اليمني و رسوم ملونة لأشجار و حيوانات الوعول و الزراف أرخ للقرن الثالث عشر قبل الميلاد من القرن 13 ق.م أي من نهاية الألف الثاني قبل الميلاد محفوظ بمتحف سيئون .
ج - شاهد قبر من الرخام يحمل زخرفة على شكل قوس تنتهي طرفيه برؤوس الزرافة محفوظ في المتحف الحربي .
د - لوح برونزي عليه نقش بالخط المسند اليمني بنهايته نعامة رافعة جناحيها محفوظ في المتحف الوطني .
19 - و هذه النقطة شديدة الأهمية بشكل كبير جداً و مهم و هو أن الأدلة الأثرية التي تم العثور عليها في جنوب الجزيرة العربية في اليمن هناك العديد من القطع الأثرية المصرية جمعها شيخ الأثريين المصريين الدكتور العالم الكبير أحمد فخري عند رحلته إلى اليمن عام 1947م و تتكون من تميمة للإله ( بس ) الممتدة عبادته من الدولة الوسطى إلى الدولة الحديثة و قطعة حجرية مربعة الشكل تحمل إسم الملك تحوتمس الثالث 1436 قبل الميلاد من القرن السادس عشر و الخامس عشر قبل الميلاد أي منذ الألف الثاني قبل الميلاد و جعران عليه إسم الملك أمنحتب الثالث من الأسرة الثامنة عشرة من القرن الخامس عشر قبل الميلاد الألف الثاني قبل الميلاد كما أمدتنا الحفريات الأثرية بقطع أثرية مصرية تم العثور عليها في موقع مقبرة معبد أوام في العاصمة السبئية مأرب و في موقع جبل العود في إب .
20 - نقوش بخط المسند اليمني على صخور في وسط وادي الحمامات بجانب قصر البنات في الطريق مـن طيبة إلى موانئ مصر على البحر الأحمر و في بئر منيح على الطريق بين برانيس و قفط و في طريق قنا و قفط تكثر على جوانبه كتابات بالخط المسند اليمني و تؤكد برديات مصرية ترجع إلى القرن الأول الميلادي أن البخور اليمني كان لا يزال يستخدم في المعابد و في التحنيط كما تؤكد البرديات أن ميناء أرسينوي ( السويس ) كان لا يزال يستقبل البخور القادم من جنوب الجزيرة العربية حتى أواخر القرن الثالث الميلادي .
21 - و مما عثر عليه في مصر من الآثار المعينية اليمنية تابوت خشبي في ( سقارة ) بالقرب من ( القاهرة ) يرجع تاريخه إلى 264 ق.م من القرن الثالث قبل الميلاد منقوش عليه بخط المسند اليمني لتاجر معيني إسمه ( زيد إل/ زيد اللات ) يبدو أنه كان له شأن عند المصريين القدماء فلقبوه بـ ( الكاهن المطهر ) و دفنوه على الطريقة ( الأوزيريسية ) في السنة الثانية و العشرين من حُكم الملك ( بطليموس بن بطليموس ) لعله بطليموس الثاني التابوت محفوظ في المتحف المصري بالقاهرة يرجع تاريخه إلى فترة حكم الملك بطليموس الثاني ( 285 – 246 ق.م ) كان زيد إل بمثابة الممثل التجاري لمملكة معين اليمنية في مصر فقد جاء في النقش أن زيد إل قدم القرابين من البخور و اللُبان و المُر إلى المعبودات المصرية .
22 - نقش بخط المسند اليمني مكتوب على جدار مدينة يثل ( براقش ) العاصمة الدينية للمعينين بالجوف لتجار معينين كانو في مصر شهدوا حرباً بين المصريين و البارثيين أرخ للقرن الخامس قبل الميلاد و قد قاموا بتدوين النقش حمداً لسلامتهم .
23 - أظهرت الدراسة المستفيضة للمصادر الأثرية بأن زمن العلاقات التجارية بين مصر و بلاد بونت يعود إلى الفترة التي عرفت عند علماء الآثار بثقافة المجتمعات الساحلية في جنوب الجزيرة العربية اليمن و هي مجتمعات بشرية مستقرة ذات نمط معماري و نشاط إقتصادي منها سيهي ، و الهامد تهامة ، و صبر ، و الجول حضرموت ، و شعب منيدر ، و ثقافة المرتفعات خولان الطيال و الثيلة من الألف الثالث - الألف الثاني قبل الميلاد و التي كان لبعضها علاقات تجارية مع الساحل الإفريقي .
24 - الجبنيتو الذين حملو المُر إلى مصر في عهد تحوتمس الثالث منذ الألف الثاني قبل الميلاد هم القتبانيين تُجار المُر في الألف الثاني - الأول قبل الميلاد .
25 - القطع الأثرية المصرية التي عثر عليها في جنوب الجزيرة العربية اليمن التي تعود أقدمها إلى زمن الدولة الوسطى و الدولة الحديثة أي منذ الألف الثالث و الثاني قبل الميلاد .
26 - وجود أدلة نقشيه بخط المسند اليمني عثر عليها في بلاد مصر لتجار معينيين من اليمن .
27 - جنوب الجزيرة العربية اليمن هي موطن الُلبان و المُر و صناعة العطور و البخور الذي إستمر حتى العصر الإسلامي .
28 - و هناك نقطة أخرى جديرة بالإعتبار ففي المناظر التي تسجل صلة المصريين بأهل بونت مثل رحلة حتشبسوت و مناظر الجزية في بعض المقابر نرى بعض الأهالي يرتدون ملابسهم التقليدية و نرى فيها شبهاً كبيراً بين الإزار الذي كان البونتيون القدماء يلفونه حول وسطهم و بين ذلك الإزار نفسه الذي ما زال يستخدمه حتى يومنا هذا في اليمن و الخنجر اليمني الذي يوضع في وسطهم كذلك و هو على نفس نمط و طريقة اليمنيين فإذا وضعنا في ذهننا جميع هذه الحقائق و أردنا أن نحدد مكان بلاد بونت لوجدنا أن رأي علماء القرن الماضي و صدر القرن الحاضر و هو أن بونت هي بلاد اليمن الجنوبية لا يخلو من القيمة و الصدق .
29 - الأمر الآخر المهم الذي لم ينتبه إليه أحد و هو أن المصريين القدماء كانوا يجلبون الكلاب السلوقية من بلاد بونت و هذه الكلاب تتمیز بالرشاقة الواضحة و هي ممشوقة القوائم منتصبة الأذنین و ملتوية الذيل و غالباً كان يقتنيها الأمراء و أثرياء القوم و ھي قادرة على العدو الفائق السرعة و ربما يتخذها أصحابھا كمجرد رفقاء مخلصین و يسمیھا المصريون بالكلاب " السلوقية " و غالباً ما ترى في أنحاء مصر المعاصرة أيضاً و كان يطلق على الكلاب بعض الأسماء منذ عصر الدولة القديمة مثل " نب " أي " السید " و سلوق هذه بلدة قديمة أثرية تقع في منطقة تعز اليمنية اليوم و التي إشتهرت في كتب التاريخ و التراث العربي القديم بأنها موطن و مهد الكلاب السلوقية اليمنية العربية الشهيرة ذاعت الصيت و كذلك الدروع السلوقية المعروفة نسبةً لبلدة سلوق و قد ذكرها العلامة الهمداني في كتبه صفة جزيرة العرب و هذا يدل بأن المصريين القدماء كانوا يعرفون جيداً بأن بونت هذه هي بلاد اليمن بالتحديد التي كانت تتوسع و تتمدد تاريخياً حسب الأوضاع و الأغراض السياسية و التجارية و الإقتصادية لها في المنطقة منذ عهود الفترات الثلاثة للدولة القديمة و الوسطى و الحديثة .
30 - و يذكر شيخ الأثريين المصريين كذلك الدكتور عبد العزيز صالح في كتابة " شبه الجزيرة العربية في المصادر المصرية القديمة " بأن مناظر بعثة حتشبسوت على جدران معبدها بالدير البحري و الذي ظهر خلالها " بارحو " كبير بلاد بونت الذي إستقبل بعثة حتشبسوت و هو يرتدي الزي اليمني و الخنجر الشهير كما ظهرت خلالها أيضاً مناظر أشجار البخور و التي تنتمي للنوع بوسوليا كارتري Carteri Boswellia و تعرف بأشجار اللُبان الدكر و التي تنمو أفضل أشجارها فى منطقة حضرموت و ظُفار في جنوب شبه الجزيرة العربية باليمن .
31 - كشفت المسوحات الميدانية على سواحل اليمن الغربية عن بقايا حضارة إزدهرت خلال الألفية الثالثة و الثانية قبل الميلاد و أظهرت أن هذه الحضارة قد مارست القليل من الكتابة و الزراعة و أنتجت الفخار وأسست مجتمعات هرمية منظمة ذات سلطة مركزية كما أنشأت مُدناً واسعة و مخططة بأسوار و شوارع و أرصفة و بيوتاً فسيحة مبنية من الطوب و اللبن مع أفنية داخلية و كذلك معابد و أفران و ورش للتعدين و في الأرياف حيث كانت البيوت أكواخ بسيطة فقد زرعت الحقول و أنشئت السدود و قنوات الري و صهاريج المياة و المحاجر و المناجم إمتدت مستوطنات هذه الحضارة على طول سهل تهامة وصولاً إلى عدن و صبر و لحج و تمركزت بكثافة على ضفاف نهر زبيد الجاف حالياً حيث عُثر على بقايا قُرى إحتوت بعضها تماثيل و أوعية خزفية و أخراز ذهبية و سبائك و خناجر نحاسية تعود إلى بدايات الألفية الثانية قبل الميلاد بالإضافة إلى أعمدة حجرية و منحوتات حيوانية و عند مصب النهر وجدت آثار مدينة مخططة بمباني من الحجر و الطوب و السراميك المزينة و يُعتقد أنها كانت ميناءً و سوقاً لتبادل البضائع مع الخارج و بالقرب من عدن وجدت بقايا مدينة بتخطيط متطور يوحي بوجود ثقافة متقدمة حيث قسمت المدينة إلى أحياء سكنية و صناعية و دينية عاشت مجتمعات هذه الحضارة إتحاداً له ملامح فدرالية و قد إنتمى جميع سكان هذه المستوطنات الحضرية إلى ثقافة ودين واحد و إنقسموا إلى فئات إجتماعية مختلفة : منهم صيادون سكنوا الساحل و تجار سكنوا المدن و مزارعون عملوا في زراعة الدخن و تربية النحل في ضواحي المدن و الأرياف .
32 - في القرن الماضي وجدت نقوش و رسومات توثق رحلة قام بها الفراعنة إلى أرض بونت في حوالي العام 1475 قبل الميلاد و في النقش يتحدث تحتمس الثاني إلى زوجته حتشبسوت قائلاً : “ يا صاحبة الجلالة لقد إستمعت إلى وصية إلهي بأن أجعل منزله كأرض البنط بغرس أشجار أرض الله بجانب معبده في بستانه كما أمر فعلت ذلك للوفاء بالنذور الواجبة علينا فجعلت حديقته كبلاد بونت كما هي أرض الله لم يطأ أحد أرض المُر التي لم يعرفها الناس و لكنهم سمعوا عنها عبر روايات الأجداد ” هنا يتضح أن الفراعنة لم تطأ أقدامهم أرض البونت قبل هذه الرحلة وإن كانت بونت في إريتريا أو الصومال فكيف يمكن فهم عدم وصول التجار و المهاجرين و الحملات الإستكشافية إلى مناطق بهذا القرب في زمن العربات و الخيول ؟ ثم ينقل النقش حديث زعيم بونت عند إستقباله للمصريين : “ بأي طريق أتيتم إلى هنا ؟ إلى هذه الأرض التي لم يعرفها المصريون ؟ هل أتيتم عبر طرق السماء ؟ أم سافرتم على الماء إلى هذه الأرض التي وصل إليها ترحالكم ” هنا يتضح لماذا لم يصل المصريون إلى بونت من قبل و كأنها جزيرة معزولة و ليست بلداً إفريقياً تربطه بمصر العديد من الطرق البرية تزيد هذه الإشارات من ترجيح كفة اليمن القديم البلد المعزول حتى وقت قريب بين صحاري الجزيرة العربية من جهة و البحر الأحمر و خليج عُمان و البحر العربي من بقية الجهات .
33 - رافقت النقوش رسومات لسكان بونت و نباتاتها و حيواناتها و بالحديث عن البونتيين فقد فرقت اللوحات بينهم و بين النوبيين أكثر الأفارقة قُرباً لمصر فأظهرت البونتيين ببشرة قمحية شبيهة ببشرة المصريين في حين أظهرت النوبيين ببشرة سوداء شبيهة ببشرة الأفارقة و في الواقع لا يملك الصوماليون أو أي من سكان وسط و جنوب إفريقيا لون بشرة يقارب لون بشرة المصريين أو أفتح من بشرة النوبيين بينما يتطابق هذا الوصف مع اليمنيين بلون بشرتهم المقارب للون بشرة المصريين الأفتح من بشرة النوبيين .
34 - و أما عن النباتات المرسومة فإن خشب الأبنوس هو واحد من الأخشاب المنتشرة في اليمن و كذلك نخيل الدوم البري المنتشر بالقرب من آثار مستوطنات الثقافات الباكرة اليمنية التي تحدثنا عنها حيث إستخدمه سكانها لطحن الأسماك المجففة و في المقابل فلا وجود لهذا النخيل في شمال الصومال و خلال زمن تنفيذ اللوحات كانت غالبية الحيوانات المرسومة تستوطن اليمن بالفعل كالفهد و النمر و الوعل و قرد الرباح البابون الموجود حتى اليوم و الثور الوحشي و المستأنس و الزرافه .
35 - و الحقيقة لم يعثر لا في الصومال و لا في إريتريا على أي مُدن متطورة التي ترجع إلى تلك الحقبة الزمنية من الفترة البرونزية من الألف الثالث - الثاني قبل الميلاد بينما في اليمن وجدت آثار لهذه المدن الحضارية العريقة في سواحل جنوب و غرب اليمن من الألف الثالث إلى الثاني قبل الميلاد و كذلك إلى الألف الأول قبل الميلاد .
36 - كما أورد الدكتور علي فهمي خشيم في كتابة البرهان على عروبة مصر نقلاً عن العالم واليس بيدج و التي يرجح كذلك الكثير من العلماء حول نفس المعنى و يحددونها بالتحديد جنوب الجزيرة العربية اليمن كما ذكر بذلك رائد علم المصريات و أبوها أحمد كمال حسن باشا و شيوخ الأثريين المصريين كذلك الدكتور أحمد فخري و الدكتور سليم حسن و الدكتور عبد العزيز صالح و الدكتور بركات أبو العيون و العالم هنري بريستد و العالم بروكشت و غيرهم كثير .
37 - و كما جاء في عهد الدولة الوسطى الأسرة الحادية عشرة زمن الملك منتوحتب الرابع 2100 ق.م أرسل مدير خانته خنو ببعثة عبر البحر عن طريق وادي الحمامات لجلب البخور الطازج ( عنتيو وأج ) من زعماء البلاد الحمراء و أشار النص أنه جلب جميع خيرات أرض الإله و حسب النقش الذي عثر عليه في وادي الحمامات أن الغرض الذي من أجلة تم إرسال سفينة إلى بلاد بونت كان إحضار الكندر عنتيو و وادي الحمامات هذا وجدت فيه كتابات مسندية يمنية قديمة و هذا الوادي أو الطريق سلكه اليمنيين القدماء منذ القدم إلى وادي النيل في مصر و هو طريق درب الإله و فيه تقع مدينة قفط العريقة حيث معبد الحائط الأبيض و هو أقدم معابد أوزيريس يقع فيه .
38 - و أما طبيعة الحكم و النظام السياسي في تلك الفترة منذ الألف الثالث - الثاني ق.م فهي لم تكن واضحة المعالم و إنما كان عبارة عن أنظمة مستوطنات و تجمعات محلية ( إتحاد القبائل أو الشعوب ) تكونت في الأساس كقرى تقوم على الرعي و من ثم الزراعة ثم تطورت لاحقاً كأنظمة إقتصادية مما أدى إلى نشوء مدلولات تنظيمية حتمتها طبيعة النشاط الإقتصادي و تمثلت بزعماء القبائل أو عظمائها و كبارها و بالتالي أوجدت زعامات محلية و مشيخات صغيرة و قيالات في حدود مجموعة صغيرة من القرى لديها مورد مائي و أن المصالح المترابطة لهذه المجموعات من القرى أفضت إلى نوع من الروابط الجماعية تبلورت في سلطات دينية - دنيوية أي بواكير تجمعات و تحالفات سياسية أدت إلى نشوء ما عرف لاحقاً بالأنظمة الكهنوتية - المكاربة ( الحكام الموحدين للقبائل ) منذ الألف الثاني و الأول قبل الميلاد و التي تولت مهام تجارة اللبان و المر و الطيوب عبر الطريق البري .
39 - بداية تكوين هذه المجتمعات الحضارية ذات الثقافة المحلية في اليمن يرجع بواكيرها إلى الألف الرابع قبل الميلاد كونها مجتمعات ذات حكم محلي أي ما يشبه دويلات المدن في بلاد الرافدين لكن مكمن الإختلاف يكون في أنها ذات ثقافات محلية أكثر من كونها ثقافات ذات طابع عام لذلك فإن ثقافة المجتمعات الساحلية في جنوب الجزيرة العربية في اليمن هي التي سادت خلال هذه الفترة حيث أنها إمتازت بأنماط معمارية و نشاط إقتصادي منها ( سيهي ، الهامد " تهامة " ، صبر ، الجول ، شعب منيدر ، ثقافة المرتفعات الطيال ، و الثيلة ) و التي كان لبعضها علاقات إقتصادية مع الساحل الإفريقي منذ الألف نهاية الألف الثالث قبل الميلاد .
40 - وادي الحمامات التاريخي أشهر و أهم طرق التجارة قديماً سلكته بعثة حتشبسوت إلى وادي الحمامات و درب " وادي الحمامات " الذي إنتشر صيته بشكل كبير للغاية خلال العصر الفرعوني حيث كان لهذا الدرب الذي ربط بين وادي النيل و البحر الأحمر إجلال و إحترام خاصة من الفراعنة و كانوا يسمونه روهانو " rohanou " أي طريق الآلهة و ذلك لإعتقادهم أن أسلافهم و أجدادهم جاءوا من بلاد بونت الشهيرة إلى وادي النيل عبر هذا الطريق تتقدمهم آلهتهم و هذا الطريق سلكه اليمنيين القدماء منذ آلاف السنين .
41 - يرى الكثير من الباحثين أن القوم الذين زاروا مصر في العام الواحد و الثلاثين من حكم " تحتومس " الثالث لتقديم البخور و الذين أطلق عليهم " جنبتيو " ما هم إلا مجموعة من القبائل العربية المعروفة بإسم القتبانيين الذين كانوا يسكنون جنوب الجزيرة العربية التي إشتهرت في التاريخ بإنتاج البخور و قد ذكروا في سياق الحديث عن إحضارهم للبخور ( عنتيو ) و ذلك بعد عودة الملك من حملته السابعة في العام 31 من حكمه و هذا يدل على وجود علاقات مباشرة بين مملكة قتبان اليمنية و مصر و أنه عثر على تمثال من الرخام لسيدة في إحدى مقابر " تمنع " في عاصمتهم و من الملاحظ أن العينين في التمثال مطعمتان باللازورد الأزرق و تشبه طريقة التطعيم لدى تماثيل المصريين كذلك طريقة تصفيف الشعر تشبه تصفيف السيدات المصريات .
المصادر :
- Frankincense and myrrh: a study of the Arabian incense trade, Nigel Groom .
- Dictionnaire de la Civilisation Egyptienne .
- Short History of the Egyptian People , by E. A. Wallis Budge .
- K.Kitchen, “Punt and How to Get There" in Orientalia .
- R.Herzog, “Punt” in Abhandlungen des Deutschen Archaologischen Instituts Kairo .
- J. Krall, Studien Zur Geschichte des AltenAegypten IV, "Das Land Punit" Wien .
- Heper, Arabian and African Frankincense .
- Cf. Marine Science and Fisheries Centre, Results of R/V Rastrelliger Acoustic and Travel Survey 1989/1990 for Marine Fisheries Resources of the Sultanate of Oman- Muscat .
- Cf. Davies, Painting from the Tomb of Rekh-mi-Re at Thebes, New York .
- Strabo, Geography, Book XVI; Periplus, Maris Erythraei, p/148 – 149; Pliny, Natural History, Book XII, 54 .
- Kenneth Kitchen (2016) Punt: An Ancient Civilization Rediscovered. pariah in Land of Punt .
- Lamya Khalidi (2008) : The late prehistoric standing stones of the Tihâma (Yemen): the domestication of space and the construction of human-landscape identity. Revue du monde musulman et de la Méditerranée.
- Catherine Lucy Glenister (2008) Profiling Punt: Using Trade Relations to Locate ‘God’s Land’. Department of Ancient Studies. University of Stellenbosch .
- Melissa Shales. The Royal Giraffe. Safari Bookings ( Compare african safari toours ) .
- Dimitri Meeks (2003) Locating Punt in Encounters with Ancien .
















