الأربعاء، 25 أبريل 2018

( حضارة الصين و اليمن تواصل عبر التاريخ منذ آلاف السنيين " اليمن نموذج لتلك العلاقة العريقة بشرق آسيا منذ القدم " )

( حضارة الصين و اليمن تواصل عبر التاريخ منذ آلاف السنيين " اليمن نموذج لتلك العلاقة العريقة بشرق آسيا منذ القدم " )




======================================

في القرن العاشر قبل الميلاد الملك الصيني الشاب ( مو وانج ) من أسرة شو التي حكمت في الصين من القرن الحادي عشر إلى القرن الثاني قبل الميلاد و هي رحلة تؤكد أن الإتصال المباشر بين الصينيين و اليمنيين قد سبق كل التحديدات الزمنية و قد تزامنت هذه الرحلة مع رحلة الهدهد و شابهتها في مستوى الدهشة التي إعترت كليهما الهدهد و الملك من فخامة بلاط الملكة السبئية و غنى اليمن في ذلك الحين و رقي حضارته العريقة و إنطلاقاً مما تقدم نحاول هنا أن نعود إلى التاريخ لنلامس بعض جذور العلاقات المتينة التي ربطت اليمن بالصين في أزمان مغرقة في القدم ثم نستعرض بإيجاز شديد أوجه العلاقات الحديثة التي تزداد متانة كل يوم مؤكدين أن العودة إلى الأصول في هذا السياق لا يمثل موقفاً رجعياً بل يمثل محاولة لإستعادة الذات و التعرف على مخزون الماضي و تطوير عناصر القوة فيه بما يخدم الحياة المعاصرة و يمكننا من مواجهة الحاضر و الإنطلاق معاً بثقة و إقتدار نحو المستقبل .
______________________________________________

التواصل الصيني - اليمني في التاريخ القديم : -

ترجع علاقات الصينيين باليمنيين إلى أزمنة سحيقة تشير الكتابات التاريخية إلى أن بداياتها إنطلقت من إتصال التجار اليمنيين بالتجار الصينيين في الموانئ الهندية حيث كان الصينيون يحملون سلعهم بحراً إلى تلك الموانئ و كان اليمنيون يحملون إليها سلعهم أيضاً عن طريق البحر فيبيعون لتجار الصين و الهند البخور و العطور و اللبان و غيرها من المنتجت اليمنية الشهيرة و يرجعون بسفنهم إلى اليمن محملة بمواد صينية و هندية على رأسها الحرير الصيني الشهير الذي عرف الصينيون صناعته و برعوا فيها منذ ثلاثة آلاف عام قبل ميلاد السيد المسيح و يواصل اليمنيون عبر بلدهم اليمن نقل سلع الشرق براً و بحراً إلى بلاد العراق و الشام و مصر و منهما تجد تلك السلع طريقها إلى أوربا و منذ القرن الخامس قبل الميلاد أصبح ما عرف فيما بعد بطريق الحرير ( تعود هذه التسمية إلى عالم الجغرافيا الألماني فرديناند فون ريشتهوفن F. von Richthofen في القرن التاسع عشر ) معبراً تجارياً هو الأشهر بين المعابر التجارية في العالم القديم لم تنقل عبره السلع التجارية من الصين و إليها فحسب بل نقلت أيضاً الثقافات و الأديان و فتحت إمكانيات التفاعل الحضاري بين شعوب كثيرة و أسهم ذلك الطريق في ثراء و إزدهار البلدان التي كان يمر بها و منها البلدان العربية لقد شكل طريق الحرير شرياناً حيوياً ربط البلاد العربية بالصين و كان يمر من الصين عبر تركستان و خراسان و بلاد مابين النهرين و بلاد الشام  إلى البحر المتوسط و إلى مصر و شمال إفريقيا هذا إضافة إلى الطريق البحري الذي كان يربط الصين بموانئ الخليج العربي و جنوب الجزيرة العربية و شرقها بما فيها الموانئ اليمنية .

و بعد ظهور الإسلام و نشوء الدولة العربية الإسلامية المترامية الأطراف و إعتناق بعض الصينيين الدين الإسلامي تطورت علاقة الصين بالعرب إذ أضحى العرب جيراناً للصينيين و أدت العلاقات الودية بين الصينيين و العرب إلى إزدهار التجارة بين الشعبين و إستفاد الصينيون من حالة الأمن التي شهدتها الطرق التجارية في ظل الدولة الإسلامية و أخذوا ينقلون بضائعهم بأنفسهم عبر البحر إلى الموانئ العربية في الخليج و سواحل عُمان و اليمن و البحر الأحمر و بالمقابل سهلوا للتجار العرب الوصول إلى الصين و الإقامة فيها و أصبحت السفن العربية تصل مباشرة إلى ميناء كانتون الصيني .

و في التاريخ الحديث تضاعف إهتمام الصينيين بالبلدان المطلة على المحيط الهندي، واعتبروها ضمن المجال الحيوي للصين، في وقت بلغت فيه الصين مستوى من القوة مكنها من فرض نفوذها على تلك البلدان، وذلك في عهد إمبراطورية منج، التي حكمت في الصين من القرن الرابع عشر وحتى القرن السابع عشر الميلادي. ولعل الحملات البحرية الصينية، التي وجهها إمبراطور الصين، في الثلث الأول من القرن الخامس عشر الميلادي، تلقي ضوءاً على مدى قوة الدولة الصينية واتساع نفوذها. فقد جهزت، بأمر من إمبراطور الصين، ينج _ لو، ومن بعده الأمبراطور سوان _ تي، جهزت مئات السفن، وعلى ظهرها سلع مختلفة وآلاف الجنود والتجار، لتطوف في سواحل جنوب آسيا، إلى الخليج العربي وجنوب الجزيرة العربية وغربها وشرق أفريقيا. وتنزل في موانئ الدول، الواقعة في تلك المناطق، وتتبادل الهدايا مع حكامها وتبيع وتشتري مختلف السلع، وتعزز مكانة الإمبراطورية الصينية ونفوذها. ومن ضمن الدول التي زارتها بعض سفن تلك الحملة، أكثر من مرة، الدولة الرسولية في اليمن، في عهد الملك الناصر، أحمد بن إسماعيل الرسولي، الذي بلغه نبأ وصول السفن الصينية إلى ميناء عدن، فأمر الأعيان بالتوجه إلى الميناء للترحيب بها، وأمر منادياً أن ينادي في الأسواق، بأنه لن يسمح بعملية البيع والمقايضة مع البعثة الصينية، إلا لمن لديه بضائع ثمينة وحيوانات نادرة. وقد توجه قائد تلك السفن وبعض مرافقيه من عدن إلى مدينة تعز، عاصمة الدولة الرسولية، لزيارة الملك الرسولي وتقديم هدايا الأمبراطور الصيني، المرسلة إليه. وضمت الهدايا، فيما ضمت، التحف وأواني الصين والأوز والثياب المطرزة والفرش والعود الفاخر. ورد الملك على هدايا إمبراطور الصين بهدايا قيمة، منها: حزامين من الذهب، مطعمين بالأحجار الكريمة، وقلنسوة ذهبية، مطعمة باللؤلؤ والأحجار الكريمة وبعض المها وحمر الوحش والأسود والفهود والزرافات. وحمل التجار الصينيون إلى مراكبهم الجواهر واللؤلؤ والياقوت والمرجان والكهرمان والأسود والفهود والزرافات وحمر الوحش والنعام والحمام الأبيض. وكانت بعض تلك الحيوانات محلية، وبعضها مستورد من بلدان أفريقية ( أنظر: محيرز، عبد الله، رحلات الصينيين الكبرى إلى البحر العربي، دار جامعة عدن للطباعة والنشر، 2000م، ص 59 ومابعدها ) .

قد كانت تلك التحركات الصينية بمثابة تعزيز لنفوذ الصين في المحيط الهندي والبحر العربي وشرق أفريقيا وتأكيد لقوتها التجارية والسياسية والعسكرية، قبل أن تتحرك القوى الأوربية، ابتداءً من أواخر القرن الخامس عشر، في ماعرف بالكشوف الجغرافية، التي امتدت غرباً إلى الأمريكيتين، وشرقاً، عبر رأس الرجاء الصالح، إلى الهند وجنوب شرق آسيا. ممهدة للتوسع الإستعماري الغربي، الذي بسط سلطانه على بقاع كثيرة في العالم، بما في ذلك على الصين نفسها. وبذا بدأ عصر جديد في التاريخ، هو عصر هيمنة الغرب الإستعماري وطغيان قوته العسكرية والإقتصادية والسياسية وحضارته المادية على العالم كله، بما فيه بلدان الحضارات الشرقية، ومنها الحضارتان، الصينية والعربية. ولتبدأ بذلك علاقات من نوع جديد، بين العرب والصينيين، أساسها النضال المشترك ضد هيمنة الغرب واستغلاله، الذي فاق، في بشاعته واتساعه، كل ماعرفته البشرية في تاريخها الطويل، من صنوف الإستغلال والهيمنة .

ذهب العالم الباحث الألماني(فون أ. فوركه)، في بحثه المنشور عام 1904م، والمكرس لدراسة رحلة إلى بلاد (الملكة الأم، ملكة سبأ)، قام بها، في القرن العاشر قبل الميلاد، الملك (مووانج)، أحد ملوك إمبراطورية (شو) الصينية، التي استمر حكمها في الصين من القرن الحادي عشر وحتى القرن الثاني قبل الميلاد، وكان عصرها من أزهى عصور التاريخ الصيني القديم. وهذا هو النبأ، الذي وعدتكم به. فقد جمع الباحث المادة التاريخية للرحلة مما دونه الصينيون عنها على قصب الممبو، واستعان، في مناقشاته لوقائعها وتفاصيلها، بالعديد من المراجع التاريخية الصينية القديمة .

و لطرافة الرحلة ولما تلقيه من ضوء على البدايات الأولى لاتصال الصينيين بالعرب اليمنيين، مع ما أطلقته في الخيال الشعبي الصيني من صور تبلغ حد الأساطير، عن اليمن وملكتها الشهيرة بلقيس، وجدت نفسي مدفوعاً إلى ترجمة النص من اللغة الألمانية إلى اللغة العربية. وقمت بنشر الترجمة في كتيب صغير عام 2002م، بعنوان (رحلة الملك الصيني مو وانج إلى بلاد الملكة الأم، ملكة سبأ). ثم أعدت نشرها عام 2011م، في كتاب كبير الحجم، بعنوان (اليمن في عيون الرحَّالة الأجانب)، ضم ماكتبه بعض الرحالة الأجانب، الذين زاروا اليمن، من وصف ممتع ودقيق لوقائع رحلاتهم، وسلطوا الضوء على حياة اليمنيين السياسية والإقتصادية والإجتماعية، كما شاهدوها أثناء تجوالهم في مناطق اليمن المختلفة .

وقد عمدت إلى وضع الرحلة الصينية في مطلع موضوعات الكتاب، وذلك لسببين: أولهما قدم النص. وثانيهما إدراكي لأهمية الإلتفات إلى روابطنا الضاربة جذورها في عمق التاريخ البعيد، مع الشرق، ولاسيما مع الصين. فقد نشأت في تلك الأزمان البعيدة، التي لم نكن قد سمعنا فيها شيئاً عما يسمى اليوم (الغرب)، نشأت بين الصينيين وبين العرب بشكل عام، واليمنيين منهم بشكل خاص، روابط تجارية وثقافية نشطة، في زمن كان الإنتقال فيه من بلد إلى آخر، بل ومن منطقة إلى أخرى، في البلد الواحد، يشكل مشقة بالغة، لايمكن تخيلها في عصرنا الحاضر، عصر الطائرات والقطارات والسيارات .
______________________________________________

و الرحلة التي قام بها الملك الصيني مووانج، إلى العربية السعيدة، في القرن العاشر قبل الميلاد، وزار خلالها بلاط ملكة سبأ وأكل على شاطئ بحيرتها الإصطناعية (سد مأرب) واصطاد في جبال اليمن وسهولها، وسجل مؤرخوه وقائع هذه الرحلة، مشوبة بالخيال، متداخلة بالأسطورة، ولكنها مبنية على واقعة تاريخية، حتى وإن بهتت تفاصيلها، بفعل العديد من الإضافات، التي فعل فيها الخيال فعله، والتي بلغت أوجها في التزاوج بين الحقيقة والأسطورة، في عملية تحويل ملكة سبأ إلى الإلهة شيبا أو سيبا، ومانسج حولها من أساطير، استقرت في الذهن الشعبي الصيني وشعوب البلدان المجاورة، ولا تزال امتداداتها موجودة حتى اليوم، كجزء من الإرث الثقافي لتلك الشعوب، رغم انقطاع الصلة، بين هذه الأساطير وبين منبعها الأول، بلاد العربية السعيدة، وملكتها السبئية".

كان الملك مو وانج، ملك مملكة شو، الذي حكم من عام 1001 حتى عام 946 قبل الميلاد، حاكماً مليئاً بالنشاط والحيوية، مغرماً بالقيام بالأعمال والإنجازات. وكانت أكبر هواياته القيام بالرحلات. فقد كانت تحركه رغبة عارمة، في التعرف على العالم. وظهر لديه ميل قوي إلى السحر، والرغبة في أن يكتشف عالم الفردوس المبارك. وفي عام 985 قبل الميلاد، قام برحلة استكشافية كبرى، إلى أقصى الغرب. حيث كانت تحكم هناك ملكة عظيمة، إسمها بلقيس، ملكة سبأ، صديقة سليمان، التي وصف الإنجيل بلاطها الفخم، في سفر الملوك، الإصحاح العاشر. وقد أطلق عليها مدونو الرحلة إسم (سي وانج مو)، أي (الملكة الأم، ملكة سي).

وصل الملك (مو وانج) إلى اليمن، وقابل الملكة السبئية، (سي وانج مو). وكان بلاطها الفخم ومملكتها المزدهرة تبدوان وكأنهما الفردوس السعيد. وإذا كان المعنى الأساسي للإسم (سي Si ) هو (الغرب)، فيصبح إسم الملكة هو (الملكة الأمم، ملكة الغرب)، فإنه يمكن أن يعني أيضا إسم منطقة بعينها. فكلمة (سي Si ) تنطق في بعض اللهجات الصينية (سا). وهذا يقترب من لفظ (سبأ) بالفتحة، كما أن إسم (سبأ) بالعبرية هو (شيبا). ولما كان الصينيون يميلون، كما هو معروف، إلى اختصار الأسماء الأجنبية، فيكتفون بالمقطع الأول منها، فإن اسم الملكة الأم، ملكة سي، يمكن أن تعني الملكة الأم، ملكة سبأ، أو سيبا أو شيبا.

فوجئ الملك، حين رأى اليمن بلداً غنياً مزدهراً. ليس هذا فحسب، بل وتحكمه ملكة. وكان لا بد لهذا الإكتشاف العجيب، من أن يؤثر تأثيراً قوياً في الخيال الشعبي للصينيين. وأصبحت المعلومات، حول غنى مملكة سبأ ونباتاتها النادرة وحيواناتها وسكانها، مادة غنية لنسج العديد من الأساطير. وتجاوزت (سي وانج مو) في نظر الصينيين، بمكانتها وجلالها كل حكام الغرب، وأدخل الخيال، فيما بعد، تحويراً على شخصيتها، وحولها إلى الإلهة (سي وانج مو).

ولكن لماذا تتحدث المصادر الصينية عن (الملكة الأم)، ولا تكتفي بالحديث عن ملكة الغرب، أو ملكة سبأ؟. إن الصينيين لم يعرفوا في تاريخهم أبداً حق النساء في الملك. والنساء اللاتي حكمن في بعض الفترات، إنما حكمن بوصفهن وصيات على العرش، يتعهدن الحاكم الصغير، الذي لم يبلغ سن الرشد بعد. وهذا التصور في الذهن الصيني تم إسقاطه على ملكة سبأ.

وقد أشارت الرواية إلى غنى مملكة سبأ، بما فيها الحبشة، التي حكم اليمنيون أجزاء منها وشيدوا فيها حضارة أكسوم، غناها بالحيوانات، التي تضم الفيلة ووحيد القرن والزرافة والحمر الوحشية والضباع. ومن بين الطيور توجد النعام، التي أمر الملك مو بصيدها، من أجل ريشها، كما توجد الببغاء القزمة والسمان والنحام (طائر مائي). كما كان اليمن غنياً بالذهب والفضة والحديد والرصاص والبلور الصخري واليشب والزمرد والعقيق، الذي حمل الملك مووانج معه قطعة منه.

 وعندما وصل الملك الصيني إلى البلاط السبئي استقبلته الملكة الأم وتقدم منها، وبيديه الصولجان الأسود والصولجان الأبيض، وناولها هدية، مكونة من ثلاث مئة لفة، من خيوط الحرير. تناولت الملكة الأم الهدية وانحنت للملك عدة مرات.

ولعل الملك قد قدر الموقف تقديراً سليماً، فالحرير، الذي كان في الزمن القديم غالي الثمن جداً، في كل من اليونان وروما، إلى درجة أن الأمراء أنفسهم كانوا لا يقدرون على شرائه، هو أنسب هدية تقدم للملكة، من الذهب والأحجار الكريمة، المتوفرة بكثرة في بلادها. وقد تمت الزيارة في مأرب، عاصمة سبأ، التي كان اسمها القديم (مريبة) .
______________________________________________

وبحسب النصوص التاريخية، التي انطلقت مما كتب عن الرحلة على قصب الممبو، فإن الملكة قد ردت على زيارة الملك مو، في العام نفسه، الذي زار فيه مملكتها. فسافرت إلى الصين، وحلت ضيفة على الملك، في قصر شوكونج. وهذا، لأسباب كثيرة، يبدو أمراً مستحيلاً. فقيام الملك مو برحلة، من بلاد الصين إلى بلاد العرب، ثم العودة إلى الصين، وزيارة ملكة سبأ له في بلده الصين، كل هذا خلال عام واحد، هو أمر غير ممكن. كما أن قيام امرأة برحلة شاقة، من بلاد العرب إلى الصين، هو أيضاً أمر مستبعد. ومن المرجح أن هذه الواقعة قد اختلقت اختلاقاً، في زمن متأخر، في وقت كانت الملكة الأم، ملكة سبأ، قد أصبحت لدى الصينيين إلهة. بل لقد ارتبطت رحلتها الخيالية إلى الصين وظهورها في البلاط الصيني بأسماء حكام صينين آخرين، بعضهم من عصور سابقة على عصر الملك مووانج، كالقيصر شون (2255-2205 قبل الميلاد)، الذي أحضرت له معها هدايا، منها خواتم من اليشم (اليشم واليشب أحجار كريمة تشبه الزبرجد) وحزام من الأحجار الكريمة. وكالقيصر الأسطوري، هوانج تي، الذي تلقى منها هدايا مماثلة. أما القيصر هان ووتي، الذي زارته في قصره أيضاً، فقد وجدها امرأة فاتنة. وكما هو الحال بالنسبة لظهور بعض الحيوانات، التي يمثل ظهورها، بالنسبة للصينيين، فألاً حسناً، كطائر الفنج هوانج، أي العنقاء، وكي لن، أي الزرافة، اعتبرت زيارة الإلهة (الملكة الأم) لملك من الملوك، بركة وخيراً كبيراً له، وأصبح ينظر إليه، على أنه حبيب الآلهة. أما من الناحية التاريخيه، فإن هذه العلامات، الدالة على البركة وعلى الإحتفاء السماوي، بما فيها زيارة الملكة لهذا الملك أو ذاك، لا معنى لها ولادليل على وقوعها.

ويبدو أن رحلة الملك لم يكن لها تأثير عميق في التفاعل الثقافي بين الصينيين واليمنيين. اذ لم تؤد إلى قيام حركة اتصالات نشطة بين الشعبين. فبُعد المسافة كان شاسعاً، وكانت تتخلل السفر الطويل صعوبات ومشقات جمة، لا يستطيع التغلب عليها، إلا من يمتلكون شجاعة كبيرة، ويستبد بهم حب المغامرة واقتحام الصعاب، كالملك مووانج. ولم يستفد من هذه الرحلة، كما يبدو سوى الخيال الأسطوري، حيث استمدت الأسطورة الصينية مادة غنية من الرحلة، و أدخلتها ضمن بنيتها، لتصبح جزءاً من نسيجها. فالإلهة الملكة الأم، ملكة سي، وبلادها الغنية والأرواح الخالدة الموجودة فيها، وما فيها من أحجار كريمة ومرجان ثمين وفواكه بديعة، والمادة الحمراء، المستخلصة من خام الرصاص، التي يمنح تناولها للإنسان الحياة الخالدة، كل هذا، شأنه شأن ملكة سبأ، إرتدى حلة من الخيال والصور الشعرية. وتحولت الزرافة والنعامة إلى كي لين و فنج هوانج، ومنّ الصحراء تحول إلى طعام للآلهة والأرواح .
______________________________________________

المصدر :
• د. فون أ. فوركه في بحثه المنشور عام 1904م ، و المكرس لدراسة رحلة إلى بلاد ( الملكة الأم ، ملكة سبأ ) .
• د. أحمد قايد الصايدي : اليمن في عيون الرحالة الأجانب
" الصادر عن مركز الدراسات و البحوث اليمني " .
• د. أحمد قايد الصايدي : ( رحلة الملك الصيني مو وانج إلى بلاد الملكة الأم ملكة سبأ ) عام 2002 م .
• د. عبدالعزيز المقالح : إنسانية العلاقة العربية الصينية اليمن نموذجأ .
• د. عبدالله محيرز ، رحلات الصينيين الكبرى إلى البحر العربي ، دار جامعة عدن للطباعة و النشر، 2000 م ، ص 59 و ما بعدها ) .
• أ. أحمد محمد جابر : اليمن و الصين خمسون عاماً من الصداقة و التعاون صدر عن : دار نشر مركز عبادي للدراسات و النشر - صنعاء - الجمهورية اليمنية 2007 م .
______________________________________________

هناك تعليق واحد:

  1. السلام عليكم، ارغب في موضوع العلاقات بين الصين والدول العربية، وانا من الصين، هل من الممكن ان تتصل بي لمساعدتي في الحصول العالكتاب: رحلات الصينيين الكبرى الى البحر العربي. بالتظار ردك الجميل. شكرا

    ردحذف