الأربعاء، 25 أبريل 2018

( الفكر الديني عند اليمنيين القدماء - معابد و آلهة الشمس في اليمن القديم نموذجاً )

( الفكر الديني عند اليمنيين القدماء - معابد و آلهة الشمس في اليمن القديم نموذجاً )










======================================

• عبد اليمنيون قديماً كغيرهم من الشعوب العربية آلهة تجسدها أجرام سماوية تتمثل في : [ القمر و الزهرة و الشمس ] مضيفين عليها أسماء و نعوت و ألقاًبا متعددة و متنوعة كما كانوا يقيمون لها المعابد و يعينون عليها فئة من الرجال و النساء تقوم بالإشراف على إدارتها .

• لقد كان للعقيدة الدينية أثر بالغ الأهمية في حياة قدماء اليمنيين الروحية و المادية كما كانت لها بصمات على شتى مجالات الحياة فهم يرون في الآلهة ما يجعلهم يتجهون لعبادتها و التقرب إليها من خلال قيامهم بطقوس شعائرية مختلفة فيقدمون لها القرابين بل يقدمون لها أحياًنا حصونهم و أبراجهم و منازلهم و أرضهم و أنفسهم و حيواناتهم رغبة في كسب حظوتها و رضائها و طلًبا لحمايتها و وقايتها فهذا الورع الديني العميق لم يتغلغل في نفوس الأفراد فحسب بل و في حياة الشعب بأسره .

• كما نلمس إعتقادهم الراسخ بالحياة بعد الممات و إيمانهم بمعتقدات أخرى : كالحسد مثلاً الذي كان له تأثير على سير حياتهم و بتطور الديانة الوثنية تمهدت الطريق أمام اليمنيين قديماً للتفكير بأسلوب تجريدي و التجريد بمثابة خطوة أولية نحو التوحيد حيث أطلق على المعبود ( رب السماء ) ثم : ( الرحمن رب السماء و الأرض ) كل ذلك يعد مرحلة جنينية لفكرة وحدانية الله مما ساعد لا حقاً على التقبل السريع للديانات التوحيدية .

• الإلهة ( الشمس ) :

 عبد اليمنيون القدماء الشمس و تشير معظم النقوش التي إطلعنا عليها إلى أن الآلهة ( الشمس ) إنما كانت تحتل المكانة الأولية بين آلهتهم و معبوداتهم المتعددة مثل القمر و الزهرة و ذلك هو ما أستطعنا إستنتاجه من الصيغ الدعائية الواردة في تلك النقوش غير أن هذه الآلهة عينها كان لها المكانة الأولى لدى بعض الأقوام اليمانية مثل قبيلة ( بني جرة ) الواقعة أراضيها جنوب شرق صنعاء .
______________________________________________

• و قد أشار التنزيل الكريم إلى عبادة الشمس لدى العرب عموماً في جزيرتهم : جنوبها و شمالها و لدى الشعوب العربية الأخرى الواقعة ديارها شمالاً خارج الجزيرة العربية و من ذلك قوله تعالى : " و جئتك من سبأ بنبأ يقين * إني وجدت إمرأةً تملكهم و أتيت من كل شيء و لها عرش عظيم * وجدتها و قومها يسجدون للشمس من دون الله و زّين لهم الشيطان أعمالهم فصدهم عن السبيل فهم لا يهتدون " ( سورة النمل ( 22 / 23 / 24 / 27 ) و قوله تعالى : " و من أياته الليل و النهار و الشمس و القمر لا تسجدوا للشمس و لا للقمر و أسجدوا لله الذي خلقهن إن كنتم إياه تعبدون " ( سورة فصلت 45 / 31 ) .

• و كان نصب " الشمس " أو صنم ألوهيتها عند عرب الجاهلية من المعبودات التي تسمى بها عدد من الأشخاص ممن عرف بـ ( عبد شمس ) " و ذلك في إطار ما كانوا يتسمون به من أسماء الأعلام المركبة التي نحوا فيها مع آلهتهم المتعددة و معبوداتهم المختلفة الأخرى المنحى عينه كما يبدو واضحاً من نحو : عبد يغوث و عبد يعوق و عبد العزى و عبد اللات و عبد منات و غير ذلك "

 • أما أهم معبد للآلهة ( الشمس ) في اليمن القديم فهو المعبد المعروف بمعبد ( المعسال ) الكائن ضمن أطلال مدينة ( وعلان ) الأثيلة و بين خرائبها تلك المدينة التي كانت عاصمة ( ردمان ) قديماً كان يطلق عليها ( عليت ) أي : العالية و ثمة معبد آخر لهذه الآلهة " الشمس " عثر على آثاره في همدان و خاصة في منطقة ( حقة ) الواقعة شمال صنعاء .
______________________________________________

• و لفظ ( الشمس ) " سواء أكان عندهم دالاً على ما هو معروف من جرم الكوكب الضخم الذي يضيء نهاراً أم على واحد من معبوداتهم المتعددة آنذاك " إنما هو إسم مؤنث عند اليمنيين الأقدمين و عموم عرب شبه الجزيرة بينما كان يذكره عرب الشمال من الذين كانوا يقطنون أقاليم الهلال الخصيب ( الشام و بلاد الرافدين ) و لا شك أن الإختلاف في التعامل مع ( الشمس ) تذكيراً و تأنيثاً بين العرب في تلك المواطن و أشقائهم العرب في جزيرتهم إنما يعود إلى طبيعة البيئة الخاصة بهذا الموطن أو ذاك و تأثيرات عواملها في هذه اللغة البشرية أو تلك لأن كل لغة من اللغات الإنسانية إنما تخضع لوقائع العوامل البيئية في موطنها و هي عوامل متنوعة : طبيعية و إجتماعية و حضارية و ثقافية فتستمد اللغة أحكامها التعبيرية و خصائصها الدلالية من هذه العوامل مجتمعة .

• فالإستعمالات اللغوية و كل ما يصحب إسم ( الشمس ) في سياق التعبير من و سائل وعلامات التأنيث أو أدوات تشير إلى نوع المسمى أو جنسه في العربية الجنوبية إنما تدل بوضوح كما هو الحال في العربية الشمالية تماماً على أن الشمس مؤنثة عند اليمنيين القدماء و من تلك الوسائـل علي سبيل المثـال : -

أ – أنهم كانوا يشيرون إلى الشمس بلفظ الإشارة ( ذات ) الدال على التأنيث من نحو قول السبئيين : ( ذات حميم ) و ( حميم ) هنا إنما تعنى عندهم : الحرارة الشديدة أو الحر الشديد و قول القتبانيين : ( ذات بعدن ) أي البعيدة ذات البعد .

ب – أنهم كانوا يستخدمون للدلالة على تأنيثها لفظ الكنية المؤنث بالوضع ( أم / التم ) : من نحو قولهم : " أم لات " و هذا ما يبرزه لنا نقش كان قد دون على صحيفة من البرونز حيث يروي هذا النقش : أن صاحبه قدم قرباًنا للإلهة ( أم لات ) لتحقق السلامة لمولاه يزأن .

• و كانت أسماء ( الشمس ) و أوصافها عند قدماء اليمنيين قد تعددت تبعاً لتعدد و إختلاف المناطق اليمنية آنذاك فالنصوص المعينية تذكرها باسم ( نكرح ) و لعله هو الإسم ( ننكر شو ) عينه الذي كان يطلق على إله " اللوركا " السومري و البابلي و كان السبئيون يصفونها بـ ( ذات حميم ) و على غرارهم كان القتبانيون يصفونها تارة بـ ( ذات بعدن ) و تارة أخرى يسمونها ( أث رت ) بمعنى : المتوهجة أو ذات التوهج .

• و كانوا أيضاً يرمزون إلى الشمس برموز شتى فمنهم من رمز إليها بالنسر لما له من سيادة و هيمنة و ( قوة و شموخ ) و كان الحصان كذلك يمثل حيوانها المقدس فينوب عن الإلهة ( الشمس ) و من ثم يرمز به إليها .
______________________________________________

 • الإله ( نكرح ) " معبد نكرح إله الشمس عند المعينيين اليمنيين القدماء " :

عثر على آثار الإله ( نكرح ) في ( درب الصبي ) بأنحاء ( براقش ) من إقليم الجوف ( 2980 RES ) و تفيد النقوش أنه كانت تقام لهذا الإله المراسيم القدسية مع الإله ( ود ) في معبد معيني كائن في منطقة ( ددان ) العلا الواقعة شمال الحجاز ( 3696 RES ) ناهيك عن أن ذكره كان قد ورد أيضاً مع الإله ( أنبي ) و ذلك كما هو منصوص عليه في أحد النقوش على النحو الآتي :  " أنبي و نكرحم " .

• الشمس و بعدها الديني عند اليمنيين القدماء :

 قدمت النقوش المسندية التي عثر عليها في مناطق شتى من اليمن صورة شبه متكاملة عن ديانات اليمنيين و معبوداتهم في عصور ما قبل الإسلام و كشفت النقوش عن أن معبودات اليمنيين كانت ذات طبيعة شمسية فأسماء كإسم الشمس و ربع و سحر توضح ذلك تماماً و كانت كل مملكة يمنية قديمة تمجد إلهها الخاص بأسرتها الملكية فمملكة سبأ كانت تمجد « إلمقة « و في معين كما هو الأمر في أوسان كان الإله « ود » الذي يعني الحب هو المعبود و في حضرموت كان إله المملكة هو « سيان أو سين »  الذي كان نعته « ذي أليم » و في قتبان كان الإله « عم » هو الممجد و قد أشار القرآن الكريم إلى أن الشمس كانت معبودة اليمنيين خلال الحقبة السبئية و هي فضلاً عن ذلك ربة الإتحاد الحميري و كانت كل الأسماء المؤنثة في النقوش المسندية صفات للشمس فهي عند المعينين « نكرح » و عند السبئيين « ذات حميم » و » ذات بعدن » و » ذات غضرن » و » ذات برن » و عند القتبانيين « ذات صخرن » و » ذات رحبن » .
______________________________________________

المصادر :
1 - د. أسمهان سعيد الجرو : الفكر الديني عند قدماء اليمنيين .
2 – د. والتر موللر في الديانة : اليمن في بلاد مملكة سبأ .
3 - قال الله تعالى ( وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ (22) إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ (23) وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ..(24) [النمل] .
4 - د. نورة عبدالله النعيم : التشريعات في جنوب غرب الجزيرة العربية حتى نهاية دولة حمير .
5 - د. محمد عبد القادر بافقية : تاريخ اليمن القديم .
6 - د. منير عبد الجليل العريقي : الفن المعماري و الفكر الديني في اليمن القديم .
______________________________________________

هناك تعليق واحد: