الأحد، 16 سبتمبر، 2012

ظفار في تُحفة النظّار .


ظفار في تُحفة النظّار

قراءة في رحلة ابن بطوطة لظفار
المقدمة ..

أصبحت كتابات الرحالة والجغرافيين حقلاً مهما للدارسين والباحثين، خاصة أولئك المهتمين بالعلوم الإنسانية، نظراً لغنى تلك الكتابات واحتوائها على معلومات وملاحظات قيمة تزداد الحاجة إليها كلما تقدم بها الزمن، فقد وثق الرحالة حالة المجتمعات التي مروا بها ودونوا كل ما شاهدوه من عادات وتقاليد وفنون وأسلوب حياة، ومن أولئك، الرحالة ابن بطوطة صاحب رحلة (تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار)، والذي زار ظفار في سنة 1331م، ورصد الحياة الاجتماعية والثقافية والدينية في مدينة ظفار، وأصبحت رحلة ابن بطوطة مرجعا للعديد من الباحثين والمهتمين بتاريخ المنطقة.

أقدم هذه الورقة  (ظفار في رحلة ابن بطوطة) لسببين هما:
أولا: إنني من سكان ظفار وأود أن أقدم رأيي في رحلة ابن بطوطة وما تبقى من مشاهداته وملاحظاته والتي لا تزال بعضها ماثلة أمام العيان، وكأن السنوات الفاصلة بين زيارة ابن بطوطة وبين هذه اللحظة، لم تغير الظفاريين عن طباعهم ولم تنسيهم تراثهم.
ثانيا: أود تقديم قراءة جديدة في رحلة ابن بطوطة، وهذا ما حاولت أن أضيفه في هذا البحث من خلال قراءة بعض العادات والتقاليد التي أعرفها أو كنت ممن يمارسها مثل صيد السردين، ولبس النيلة ( الصبيغة).
ثالثا: حرصي على تقارب المغرب العربي مع مشرقه، من خلال قراءة انثربولوجية، ورصد أوجه التشابه بين سكان جنوب الجزيرة العربية، وسكان شمال إفريقيا، مما يشكل رابطاً جديداً يضاف إلى روابط الدم واللغة والتاريخ المشترك، والدين الإسلامي.  
رابعا: إن التشابه الذي لاحظه ابن بطوطة بين أهل ظفار وأهل المغرب، يحيلنا إلى أن ابن بطوطة هو عالم انثربولوجي، ويمكننا أن ندلل على ذلك بالعديد من الصورة المتقاربة بين أهل ظفار وأهل المغرب العربي عامة، سواء من حيث السحنة البشرية أو من خلال اللهجات واللغات، إذ توصل مؤخراً العديد من الباحثين الظفاريين إلى وجود تشابه بين اللهجات البربرية وبين لهجات ظفار، وهذه البحوث تعزز الآراء القائلة بأن البربر من أصول عربية، وربما يكون ابن بطوطة أول من أشار إلى عروبة البربر.
سيعتمد الباحث في هذا الورقة على المنهج الوصفي التحليلي، لأن ما كتبه ابن بطوطة عن ظفار يحتاج إلى تحليل بعض الشواهد والملاحظات، إضافة إلى التطرق إلى الدولة الرسولية التي حكمت ظفار أثناء زيارة ابن بطوطة، وستتضمن ورقة  الباحث، التعريف بظفار، ومكانة ظفار في التاريخ السياسي، والحياة الثقافية في ظفار، ومدينة ظفار في رحلة ابن بطوطة، ثم سنفصل الحياة الاقتصادية والاجتماعية والدينية في ظفار، وبعد ذلك سنتحدث عن التشابه بين أهل ظفار وأهل المغرب ليس كما رآه ابن بطوطة ولكن من حيث تشابه اللهجات الظفارية ولهجات البربر.
كنت قد اطلعت على دراستين تطرقتا لرحلة ابن بطوطة في ظفار، هما: 
- دارسة الدكتور إبراهيم القادري بوتشيش، بعنوان "أضواء على مجتمع ظفار وعاداته الشعبية من خلال رحلة ابن بطوطة (دراسة استعراضية ـ نقدية)"، قدمها في ندوة ظفار عبر التاريخ التي أقيمت في صلالة 2000، وهي منشورة في موقع إلكتروني، وهي دراسة مهمة لتحليل زيارة ابن بطوطة، ولكن غابت عن الباحث بعض التفاصيل التي من المفروض أن يتطرق إليها، ولكن ذلك لا يقلل من قيمة البحث، ومنهجية الباحث الملتزم بها في موضوع بحثه، ونعذره كونه من خارج مجتمع ظفار ولم يقيم في ظفار حتى يتعرف على ما تبقى من ملاحظات ابن بطوطة في ظفار.
- أما الدراسة الثانية فهي لأستاذي الدكتور عبد الله المجيدل، الذي أقام في مدينة صلالة مدرسا في كلية التربية بصلالة، عُمان في أدب الرحالة، ونشرها في حزيران 2008، وقد اطلعت عليها في موقع إلكتروني، وقد قسم المجيدل بحثه إلى قسمين، خصص القسم الأول منه لما كتبه الرحالة العرب عن عُمان، والقسم الثاني لكتابات الرحالة الأجانب عن عُمان، وقد كتب عبد الله المجيدل عن رحلة ابن بطوطة إلى عُمان، وأضاف بعض ملاحظاته قائلا " فقد لاحظت في أثناء زيارتي لآثار المدينة القديمة في البليد، آثار تلك المساجد التي تحدث عنها ابن بطوطة، وكذلك آثار المسجد الكبير الذي استضاف خطيبه عيسى بن علي ابن بطوطة، وقد تم تحديد آثار ما يقرب من 55 مسجداً والعمل قائم لاكتشاف آثار المساجد الأخرى، كما لاحظت أن لكل مسجد بئراً وحمامات للاغتسال واضحة معالمها في آثار بعض المساجد، ولكن باستثناء المسجد الأعظم فإن المساجد الأخرى جميعها صغيرة، بنيت من حجارة سوداء ولم تظهر فيها آثار للأعمدة المنحوتة التي تظهر في المسجد الأعظم.
وقد علق المجيدل على وصف ابن بطوطة للباس أهل ظفار، إذ ذكر بأن رؤوسهم مكشوفة، ولا يجعلون العمائم عليها. أما الآن فلا تجد أحد من أهل ظفار مكشوف الرأس، أما مكشوفو الرأس فهم عادة من غير العُمانيين المقيمين في ظفار.
لكن الحقيقة أن سكان مدينة صلالة هم الذين يلبسون العمائم والكمة، أما سكان جبال ظفار، فإن معظمهم يكونون مكشوفي الرأس، وذلك بسبب انشغالهم مع مواشيهم، وطبيعة حياتهم المعيشية، وقد لاحظ ذلك الرحالة البريطاني ويلفرد ثيسجر.
ختاما نتمنى أن نكون قد أضفنا شيئا جديدا في هذا البحث الذي سندعمه ببعض الصور الفوتوغرافية لبعض الملاحظات التي شاهدها ابن بطوطة وبقت في ظفار تمارس جيلا بعد آخر.

التعريف بظفار


يقع إقليم ظفار في أقصى الجنوب الشرقي لعُمان، وقد ضبط عدد من الجغرافيين واللغويين تسمية (ظَفَار) بفتح أوله والبناء على الكسر، بمنزلة قطام وحذار، وهو بمعنى أظفره أو معدول عن ظافر، ومنهم ياقوت الحموي، وأبو فداء، والفيروز آبادي، والزبيدي، وهو الراجح في ضبط ظفار( ).

ويرجح البعض هذه التسمية إلى أنها مأخوذة من معناها من نبات القطر( )، إذ اشتهرت ظفار بإنتاج البخور، خاصة اللبان الظفاري المعروف.
اشتهرت ظفار منذ القدم بإنتاج اللبان حيث تنبت أشجار اللبان والتي تسمى باللغة الشحرية (ميغروت)، وقد اعتمد عليه كثير من سكان ظفار في سبيل توفير لقمة العيش، إذ كانت تجارته رائجة، ويُصدر من موانئ ظفار إلى موانئ عدن والهند، حيث يُحرق في الأماكن المقدسة، ويُعد هيرودوتس، الملقب بأبي التاريخ (القرن الخامس ق.م) من أقدم المؤرخين الذين أشاروا إلى موطن اللبان، فقد ذكر أن بلاد العرب التي تقع في أقصى الجنوب، هي المكان الوحيد الذي ينتج البخور والمر والسنا والصمغ، ويتكبد العرب في جمعها مصائب جمة"( ). 
ويوجد في نقوش الدير البحري في مصر، نقوش توثق رحلة أرسلتها الملكة حتشبسوت عام 1400ق. م، إلى بلاد بونت (ظفار)، لجلب بخور اللبان من ميناء سمهرم في ظفار( ).
لم يغفل الكتاب العرب الأوائل وبعض الجغرافيين المسلمين، عن ذكر اللبان الظفاري، فقد قال أبو القاسم إبراهيم بن محمد الإصطخري "أما بلاد مهرة فإن قصبتها  تسمى الشحر، واللبان الذي يُحمل في الأفاق من هناك"( )، وبعد ذلك أورد ابن حوقل في كتابه (صورة الأرض)  ما ذكره الإصطخري.
أما يا قوت الحموي فيقول: "فأما ظفار المشهورة اليوم فليست إلا مدينة على ساحل بحر الهند، وبينها وبين مرباط خمس فراسخ، وهي من أعمال الشحر،...، وأن اللبان لا يوجد إلا في جبال ظفار( ).
ويذكر ابن بطوطة "نزلنا بمرسى حاسك، وعندهم شجر الكندر، وهو رقيق الورق، وإذا شطرت الورقة منه قطر منه شبه اللبن، ثم عاد صمغا وذلك هو اللبان وهو كثير جداً هناك"( ). 
كانت تسمية (ظفار) تطلق على مدينة البليد، وكانت تسمى ظفار الحبوضي، ومازال بعض الناس في ظفار يطلقون  هذه التسمية على مدينة صلالة العاصمة الإدارية لمحافظة ظفار، فيقولون مثلا نحن ذاهبون إلى ظفار، أو قدمنا من ظفار، ثم اتسع مدلول هذه التسمية ليشمل الإقليم الجنوبي من عُمان، والذي كان يحمل فيما مضى مسمى (إقليم شحر عُمان).
يُقسّم إقليم ظفار تضاريسيا إلى ثلاثة مناطق وهي:
- منطقة السهل (الجربيب) ويمتد من ريسوت غربا إلى مرباط شرقا.
- سلسلة جبال ظفار المطلة على الساحل، وتمتد لمسافة تُقدر بحوالي 290 كم.
- منطقة النجد وهي المنطقة التي تقع خلف جبال ظفار، والتي يأتي بعدها صحراء الربع الخالي.
- تشغل ظفار مساحة شاسعة من الأراضي العُمانية تقدر ب117 ألف كم مربع، أي حوالي 40 ألف ميل مربع، وهو ما يعادل 33,33 بالمئة، أي مايعادل أكثر من ثلث مساحة السلطنة( ).
كانت ظفار القديمة أكبر مساحة من ظفار الحالية، حيث تم تقسيمها إداريا إلى منطقتين: المنطقة الوسطى (منطقة صحراوية)، ومحافظة ظفار( )، التي تضم عشر ولايات هي، ولاية صلالة، وولاية طاقة، وولاية مرباط، وولاية سدح، وولاية شليم وجزر الحلانيات، وولاية ثمريت، وولاية مقشن، وولاية المزيونة، وولاية ضلكوت، وولاية رخيوت. 
سنقدم قراءة عن الحياة السياسة والثقافية في ظفار ضمن باب التعريف بظفار، لكي يكوِّن المطَّلع صورا عامة عن المنطقة التي نتحدث عنها، على أن نتطرق لاحقا إلى الحياة الاقتصادية والاجتماعية والدينية في رحلة ابن بطوطة إلى ظفار.

ظفار في التاريخ السياسي


يقول رياض الريس في كتابه (ظفار الصراع السياسي والعسكري في الخليج العربي "1970-1976"): "إن تاريخ ظفار كان دائماً تاريخاً منفصلاً ومستقلاً عن تاريخ عُمان"( )، وربما استنتج الريس ذلك من زيارة المقدسي إلى عُمان، ولم يذكر ظفار ضمن الأراضي العُمانية التي زارها.  "وأما عُمان فقصبتها صحار، ومدنها نزوة، السر، ضنك، حفيت، سلوت، دباء، جلفار، سمد، ليا، ملح، برنم، ضنكان، مسقط، توأم، وعمان"( ). 

 كانت الحياة السياسية  في ظفار لا تستقر على حال، لذلك كانت تقوم حكومات مستقلة، ثم تضعف وتأتي أخرى بعدها، وتذكر المصادر التاريخية أن أول دولة قامت في ظفار، كنت الدولة المنجوية التي اتخذ من مرباط عاصمة لها في بدايات القرن السادس الهجري/ الثاني عشر الميلادي، واشتهر منهم  السلطان محمد بن أحمد المنجوي، والسلطان محمد بن محمد بن أحمد الملقب "بالأكحل المنجوي"( ).
ثم أتت بعد ذلك الدولة الحبوضية التي قامت على أنقاض الدولة المنجوية، في مطلع القرن السابع الهجري/ بدايات القرن الثالث عشر الميلادي، على يد مؤسسها محمد بن أحمد الحبوضي( )، وجاء بعدهم  السلاطين الرسوليين( )،  الذين  استولوا على ظفار بعد مقتل  السلطان سالم بن إدريس الحبوضي، والذي  تولى الحكم بعد وفاة أبيه سنة 670هـ/ 1271.
  كان استيلاء الرسوليين على ظفار بعد معركة مع السلطان سالم بن إدريس الحبوضي حيث التقى الجيشان في عوقد( )، وهناك قُتل السلطان الحبوضي على يد الرسوليين، سنة 678هـ/ 1279م، ومن ذلك التاريخ ستدخل ظفار تحت حكم الرسوليين، وقد اقتطعها الملك المظفر لأبنه الواثق، واستمر حكم الرسوليين لظفار ما يقارب قرن من الزمن( ).
انتهت الدولة الرسولية كقوة مؤثرة في جنوب الجزيرة العربية، سنة 807هـ / بدايات القرن الخامس عشر الميلادي، وكان السلطان المظفر بن الواثق الثاني آخر السلاطين الرسوليين( ).
دخلت ظفار بعد حكم الرسوليين في حروب ونزاعات، حيث ظهرت على الساحة بعض الشخصيات السياسية التي استولت على الحكم بعد ضعف الدولة الرسولية، فقد قام الشجاع عمر الكندي بانتزاع الحكم من الرسوليين سنة 760هـ، ثم أتى بعده شهاب الدين أحمد بن عامر الحراني، ثم أتى حكم آل كثير لظفار إذ تقول المصادر التاريخية "في سنة 807هـ أخذ آل كثير ظفار"( ) واستمر حكمهم حتى القرن السابع عشر الميلادي.
لم تعرف ظفار استقراراً سياسياً، ونتيجة لذلك سادت المنطقة  حالات من الفوضى والخلافات القبلية، الأمر الذي أدى إلى قيام العديد من وجهاء ظفار بالتوجه إلى سلاطين عُمان لحكم الإقليم، إذ إن الخلافات القبلية لا تسمح بقيام دولة مستقلة في ظفار، ولكن سلاطين عُمان ردوا برفض دعوة لحكم ظفار.
وقد استمر بحث وجهاء ظفار عن شخصية سياسية تفرض نظاماً وتؤسس لدولة في الإقليم الذي تنهشه الخلافات الداخلية والصراعات القبلية، ووقع الاختيار على السيد فضل بن علوي مولى الدويلة، وعقد اتفاقا مع شيوخ ظفار سنة 1872م في مكة المكرمة، وحكم السيد فضل ظفار في أكتوبر 1874م باسم الباب العالي، واستمرت إمارته إلى بداية سنة 1879م( ).
بعد إبعاد السيد علوي عن حكم ظفار، جاءت الاستجابة لحكم ظفار من سلاطين آل سعيد، إذ تولى السلطان تركي بن سعيد (1871- 1888) حكم ظفار  سنة 1877، "حيث قامت قوة تابعة لسلطان مسقط باحتلال ظفار، وذلك بعد قرون من النزاعات القبلية، لكن القبائل ثارت في العام 1896، وفاجأت الحصن الذي بني في صلالة وقتلت أفراد حاميته، ولم يتمكن السلطان من فرض سلطته إلا بعد مضي أشهر لكن سلطته ظلت منذ ذلك الحين شكلية إلى حد بعيد، باستثناء السهل المحيط بالبلدة"( ).
شهد إقليم ظفار ثورة في منتصف ستينيات القرن العشرين سميت بثورة ظفار، فقد أعلنت جبهة تحرير ظفار الكفاح المسلح في 9 يونيو 1965، ضد نظام السلطان سعيد بن تيمور، كانت جبهة تحرير ظفار قومية الانتماء، ثم تبنت الجبهة الفكر الماركسي كمرجع للثورة، في مؤتمر حمرين في سبتمبر 1968، وتخلت الثورة عن اسم (جبهة تحرير ظفار) وأحلت محله ( الجبهة الشعبية لتحرير عمان والخليج العربي المحتل).
ساهمت الجبهة في سقوط السلطان سعيد بن تيمور، ومجيء السلطان قابوس بن سعيد إلى الحكم سنة 1970، الذي قضى على الثورة في ظفار بمساعدة من بريطانيا، والأردن، وشاه إيران، واستجاب الشعب في ظفار لدعوة السلطان قابوس بالعفو عما سلف، وانضمام العديد من قادة الثورة إلى الحكومة العُمانية، ولا يزال البعض منهم في مراكز قيادية في الحكومة العُمانية الحالية. 

الحياة الثقافية في ظفار


تضم ظفار العديد من اللهجات واللغات، مثل اللغة الشحرية، واللغة المهرية، واللهجة البطحرية، واللهجة الحرسوسية، ولهجة هبيوت، وهي لهجات عربية قديمة، ولا تزال مستخدمة على نطاق واسع في ظفار، فاللغة الأم لكاتب هذه السطور هي اللغة الشحرية، التي  تنتشر في المدن والأرياف، وتستخدم اللغة المهرية على المناطق المتاخمة للحدود اليمينة، وفي أجزاء من الشرق في ظفار، وكذلك الأمر بالنسبة للهجة البطحرية حيث تستخدم في المنطقة الشمالية الشرقية من ظفار، أما اللهجة الحرسوسية فستخدم في المنطقة الوسطى من عُمان، والتي كانت إداريا ضمن إقليم ظفار، بينما تستخدم لهجة هبيوت على الحدود بين اليمن وعُمان.

يسود في ظفار المذهب الشافعي السني، ويوجد العديد من المزارات الدينية في ظفار، مثل ضريح النبي أيوب في منطقة (ايت زربيج ) المطلة على مدينة صلالة، كما يوجد ضريح صالح بن هود في منطقة نوس بالقرب من مدينة حاسك، وضريح النبي عمران في مدينة صلالة، ويقع ضريح هود بن عابر في جبال ظفار، وأيضا يوجد في سهل حمران بظفار قبر عابر بن هود وقد ذكره ابن بطوطة حينما زار قرية الأحقاف التي تقع بالقرب من الضريح "وعلى مسيرة نصف يوم من هذه المدينة الأحقافُ، منازل عاد، وهنالك زاوية ومسجد على ساحل البحر، وحوله قرية لصيادي السمك، وفي الزاوية  قبر مكتوب عليه: هذا قبر هود بن عابر عليه أفضل الصلاة والسلام"( )، حاليا لا يوجد أي أثر لهذه القرية، ولكن الضريح مازال موجوداً بين مدينة صلالة ومدينة طاقة الواقعة في جهة الشرق من صلالة، في المكان الذي وصفه ابن بطوطة بأنه يقع على مسيرة نصف يوم، والضريح الموجود على الساحل هو لعابر بن هود وليس لهود بن عابر كما ذكره ابن بطوطة. 
ويوجد في مدينة مرباط العديد من الأضرحة والقبور لعلماء ومشايخ أقاموا ودرّسوا في هذه المدينة، منهم الشيخ محمد بن علي بن علوي توفي عام 556هـ / 1136م في مرباط، وضريح الصحابي زهير بن قرضم، كما يوجد بمرباط أيضا ضريح الإمام محمد بن علي بن الحسن القلعي، وقد توفي في مرباط سنة 577هـ / 1157م، ويُعد الإمام القلعي من كبار العلماء في القرن السادس الهجري، وله العديد من المؤلفات في الفقه واللغة منها : ترتيب الرياسة وتهذيب السياسة (مطبوع ومحقق )، والمستغرب من ألفاظ المهذب ( مخطوط موجود بوزارة التراث والثقافة بسلطنة عُمان)، وإيضاح الغوامض في علم الفرائض، وكنز الحفاظ في غريب الألفاظ، ولطائف الأنوار في فضل الصحابة الأبرار.
تشتهر ظفار بالعديد من الفنون الشعبية التي تُغنّى بمصاحبة الآلات الموسيقية، أو بدونها، ومن الفنون تلك الفنون البرعة، والشرح، والربوبة، وطبل النساء، والوقيع، وهيريابو، و صوت سيلام،  فهذه فنون تؤدَّى مع الطبل أو العود، بينما تؤدَّى فنون النانا، والدبرارات، والمشعير، وياد وياد، وسامعين وسامعين باللغة الشحرية دون عزف أو طبل، وكما يؤدَّى فن الهبوت بمختلف أنواعها هبوت الدان أدون، أو هبوت الزامل باللغة العربية، وتشارك النساء مع الرجال في الرقص في بعض الفنون مثل الربوبة والمشعير.
تُقام في المناسبات الدينية احتفالات بالمولد النبوي، وذكرى الإسراء والمعراج، واحتفال الشَعْبَانِيَة والتي سنذكرها بالتفصيل عند الحديث عن الحياة الدينية في ظفار في رحلة ابن بطوطة.

مدينة ظفار في رحلة ابن بطوطة


إن المدينة التي ذكرها ابن بطوطة في ظفار هي مدينة المنصورة، والتي بناها حاكمها أحمد بن عبد الله الحبوضي سنة 620هـ/ 1228م،  وانتقل إليها من ظفار القديمة، التي يعتقد البعض أنها مدينة مرباط، عاصمة الدولة المنجوية، وقد سمى بعض الجغرافيين والرحالة المدينة الجديدة التي بناها الحبوضي (بظَفَار الحبوضي).

وقد ذكر ابن المجاور مدينة المنصورة في كتابه المسمى (تأريخ المستبصر) " خرّب أحمد بن عبد الله بن مزروع الحبوضي ظفار سنة ثمان عشرة وستمائة خوفا من الملك المسعود أبي المظفر يوسف بن محمد بن أبي بكر بن أيوب وبنى المنصورة وسماها القاهرة، وسُكنت سنة عشرين وستمائة( ).
وأضاف ابن المجاور في ذكره لمدينة المنصورة " والاسم المعروفة به ظفار وهي على ساحل البحر، وقد أُدير عليها سور من الحجر والجص ويقال من اللبن والجص ورُتّب عليه أربعة أبواب، باب ينفذ إلى البحر ويسمى باب الساحل، وبابين مما يلي البر وهما على الاسم لأبواب ظفار المهدومة أحدهما مشرق يسمى باب حرقة ينفذ إلى عين فرض، والثاني مما يلي المغرب يسمى  باب الحرجاء، ينفذ إلى الحرجاء، والحرجاء مدينة لطيفة وضعت على ساحل البحر بالقرب من البلد"( )، ويقصد بالحرجاء هنا هي منطقة الحافة الموجودة حاليا ضمن أحياء مدينة صلالة.
زار ابن بطوطة ظفار في  23 من رمضان من سنة 731 هـ/ 30 يونيو 1331م، قادما إليها من كلوا "ركبنا البحر من كلوا إلى مدينة ظُفَارِ الحموض وهي آخر بلاد اليمن على ساحل البحر الهندي، ومنها تُحمل الخيل العتاق إلى الهند، ويقطع البحر فيما بينها وبين بلاد الهند مع مساعدة الريح في شهر كامل، قد قطعته مرّة من قالقوط من بلاد الهند إلى ظفار في ثمانية وعشرين يوما بالريح الطيب، لم ينقطع لنا جريٌ بالليل ولا بالنهار، وبين ظفار وعدن مسيرة شهر في الصحراء، وبينها وبين حضرموت ستة عشر يوما، وبينها وبين عُمان عشرون يوما"( )، سمى ابن بطوطة ظفار الحموض، ولكن اسمها الصحيح هو ظفار الحبوضي، وقد زارها مرتين، كانت الزيارة الأولى ضمن رحلته الأولى التي امتدت نحو 28 سنة، وزار ظفار مرة أخرى حين عودته من القارة الهندية.
كانت  ظفار حينما زارها ابن بطوطة  في عهد الدولة الرسولية، أيام السلطان المُغيث ابن الملك الفائز ابن عم ملك اليمن، وكان أبوه أميرا على ظفار من قِبل صاحب اليمن( ).
يُقدّم ابن بطوطة في رحلته وصفا لمدينة ظفار من حيث المكان فيقول: "ومدينة في صحراء منقطعة لا قرية بها ولا عمالة لها"( )، ولكن في الواقع الجغرافي فإن مدينة ظفار – صلالة الحالية- تقع في سهل حجري أجرد منبسط يسمى (الجربيب) تحيط به جبال ظفار من جهة الشمال وبحر العرب من جهة الجنوب.
يمتد هذا السهل من مرفأ ريسوت غربا إلى مدينة مرباط شرقا، ويرجع إغفال ابن بطوطة عن ذكر الجبال المحيطة بالمدينة، إلى حالة الطقس في الوقت الذي زار فيه ظفار، حيث يسود المناخ الموسمي نتيجة هبوب الرياح الموسمية الغربية من المحيط الهندي، فإذا كانت زيارته قد تمت في 23 من رمضان من سنة 731 هـ، وهو ما يقابله في التاريخ الميلادي 30 يونيو 1331م، فيعني ذلك أن زيارته كانت في فصل الخريف كما يسمى في ظفار، فالفصول الأربعة يتم تقسيمها في ظفار على غير عادة تقسيم الفصول،  فعلى سبيل الذكر يبدأ فصل الخريف في 21 يونيو وينتهي 21 سبتمبر، وخلال هذا الفصل تتساقط الأمطار لمدة ثلاثة شهور متتالية، وتعد هذه الأمطار مهمة للنشاط الزراعي في ظفار، أما فصل الربيع الذي يسمى (بالصرب) فيبدأ من 21 سبتمبر وينتهي في 21 ديسمبر، ويبدأ فصل الشتاء في 21 ديسمبر وينتهي في 21 مارس، وبعد الشتاء يأتي فصل الصيف ويسمى (القيظ) ويبدأ من 21 مارس وينتهي 21 يونيو. 
لكن ذلك لا يعني أن  ما كتبه  ابن بطوطة في ظفار يدخل في باب التزييف أو الافتراء، فقد أنصف أهل ظفار ولم يجاملهم، في الوقت الذي نجد فيه إجحافا  بحق بعض المدن العُمانية التي  كتب عنها بعض المغالطات مثل قصته مع السلطان حامي الفساد.

الحياة الاقتصادية والاجتماعية والدينية في ظفار في رحلة ابن بطوطة

إن زيارة ابن بطوطة لظفار، ووصفه للحالة التي رآها فيها، تُعد من أهم المراجع التي اعتمد عليها الدارسين والمهتمين بالتاريخ العُماني بشكل عام وتاريخ ظفار بصفة خاصة، وذلك للمعلومات الدقيقة التي احتفظت بها ذاكرة ابن بطوطة لمدة ربع قرن من الزمان، وقد رصد من خلال إقامته بعض الظواهر الاجتماعية والاقتصادية، وكتب عن بعض العادات الدينية كما رآها، واعتمادا على وصفه يمكننا أن نتحدث عن ثلاثة جوانب من حياة أهل ظفار في رحلة (تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار) هي الحياة الاقتصادية، والحياة الاجتماعية، والحياة الدينية، وسنتحدث عن كل جانب ببعض التفصيل.

الحياة الاقتصادية


عدد ابن بطوطة الأنشطة الاقتصادية التي يمارسها أهل ظفار، فيقول بأنهم أهل تجارة ولا عيش لهم إلا منها، وكان حكمه على ذلك بناء على مشاهدته للسوق الموجود خارج القرية في مكان يسمى الحرجاء، وقد وصف السوق بأنه من أقذر الأسواق وأشدها نتنا، وأكثرها ذبابا لكثرة ما يباع بها من الثمرات والسمك، وهو كلام دقيق إذا اعتبرنا أن الرجل قد جاء إلى ظفار في موسم الخريف، حيث يكثر الذباب، وتصبح الأماكن رطبا بفعل الأمطار، وذلك لا يعني أن ما ينطبق على السوق ينطبق على أهل ظفار، فقد قال عنهم "يغتسلون مرات في اليوم...، ولهم في كل مسجد مطاهر كثيرة معدة للاغتسال"( )، وذلك يعني أن الرجل يكتب بعفوية عما يتذكره، دون أن يتحامل على أهل البلدان التي زارها.

ويقول أيضا عن ظفار "ومنها تحمل الخيل العتاق إلى الهند"، كذلك وصفه عن استقبال أهل ظفار للتجار، كل ما ذكره يدعم وصفه لأهل ظفار بأنهم أهل تجارة.
أما قوله "أكثر سمكها النوع المعروف بالسردين، وهو بها في النهاية من السمن، ومن العجائب أن دوابهم إنما علفها من هذا السردين، وكذلك غنمهم، ولم أر ذلك في سواها"( ).
وهو قول صحيح، لأن المجتمع في ظفار مجتمع رعوي يربي الماشية لإطعام ماشيتهم من أجل الانتفاع بحليبها ولحمها وسمنها، وظهرها، وهنا يقول الرحالة البريطاني برترام توماس "تعتبر الثروة الحيوانية لهذه المناطق الجبلية وفيرة مقارنة بالمناطق الأخرى لشبه الجزيرة العربية، وتكاد لا تجد رجلا أو امرأة إلا ويملك بعض الماشية ومنهم من يمتلك نحو مائة رأس أو أكثر، ومعدل الثروة عندهم يبدأ من عشرين رأسا كما إن الذي يملك أربعين رأسا يعد من أثرياء المنطقة"( ). 
 إذا وصف ابن بطوطة أهل ظفار بأنهم أهل تجارة، فيمكننا أن نضيف أيضا أن أهل ظفار هم أهل بحر، فهم صيادون في معظم أنشطتهم الاقتصادية، فهو يصف قرية الأحقاف بأنها قرية صيادين، وهو وصف صحيح لنشاط السكان القاطنين في السواحل التي مر عليها ابن بطوطة في رحلته في ظفار.
كان سمك السردين في ظفار يلفت أنظار الرحالة، فقد ذكر ابن المجاور "ومطعوم دوابهم السمك اليابس وهو العَيْد، ولم يزبلوا أراضيهم إلا بالسمك"( )، ولم يكن الرحالة العرب وحدهم من ذكر سمك السردين في ظفار، فهذا الرحالة البريطاني يقول حينما زار صلالة في 15 أكتوبر 1945م،"عندما وصلت كان الصيادون يصطادون بشباكهم سمك السردين، وتحت أشعة الشمس يجففون كميات كبيرة منه، ورائحتها العفنة تعم البلدة"( )، ويتم اصطياد السردين في صلالة في الشواطئ الممتدة من ريسوت غربا إلى شواطئ طاقة شرقا.
ويتم صيد السردين بطريقتين تقليديتين، الطريقة الأولى تتم في شهر أكتوبر وتمتد حتى شهر أبريل وتسمى (الضواغي) وتعني تعاون عدد كبير من الناس لصيد السردين بكميات كبيرة، ويقوم الصيادين يقودهم الربان بالإبحار في السنبوق، ويلقون بالشبكة الكبيرة في البحر، التي تجمع أعدادا كبيرة من السردين، ومن ثم يسحبون الشبكة إلى الشاطئ( ).
أما الطريق الثانية فتسمى صيد عْيد العلا( )، وهي عادة اقتصادية تنتشر في سواحل محافظة ظفار ويمارسها الذكور من سن العاشرة إلى سن الستين، وتشارك النساء في هذه العادة ولكن بأعداد قليلة ويقتصر دورهن على تقليب العَيْد و جمعها. 
تُمارس هذه العادة في آخر شهر أبريل من كل سنة عندما تجنح أعداد كبيرة من أسماك السردين إلى الشواطئ الشرقية لمحافظة ظفار،  وقد قمت بصيد عيد العلا، وجففتها وحشوتها في أكياس من الخيش لنطعهما للإبل، أو نقوم بتخزينها في حفر ونغطيها بساتر من البلاستيك أو من أقمشة بالية، ومن ثم نفرش فوقها التراب والرمال.
بالإضافة إلى سمك السردين يذكر ابن بطوطة أصناف عدة من الأسماك التي رآها في ظفار فيقول عن أهل حاسك "ولا معيشة لأهل ذلك المرسى إلا من صيد الأسماك، وسمكهم يُعرف باللخم، وهو شبيه كلب البحر، يُشرح ويقدد ويقتات به، وبيوتهم من عظام السمك"، وهو قول صحيح، فإلى هذه الساعة فإن أهل حاسك يشتغلون بصيد السمك، ومنها سمك القرش الذي يُقدد ويجفف، وتلك هي طريقة حفظه، وتوجد في قرية حاسك القديمة بقايا البيوت التي شاهدها ابن بطوطة، وعظام الأسماك التي ذكرها هي عظام لحوت العنبر، فإذا جنح الحوت إلى البر، ينتفع الأهالي بعظمه.
يُعد ابن بطوطة من الرحالة القلائل الذين تحدثوا عن العملة المتداولة في  ظفار أثناء زيارتهم لها، فقد ذكر بأن دراهم هذه المدينة من النحاس والقصدير، ولا تُنفق في سواها( )، وقد قمنا بالبحث عن هذه العُملة، ووجدنا أنه كانت في ظفار دار ضرب للنقود أيام حكم الدولة الرسولية، التي حكمت ظفار أثناء زيارة ابن بطوطة، وقد سكت عملة معدنية هي درهم على الطراز الرسولي التقليدي مؤرخ في 689هـ، وهذه العملة موجودة حاليا ضمن مجموعة الجمعية الأمريكية لقطع النقود في نيويورك، ويحمل وجه هذا الدرهم لفظ الشهادتين والمعنى المأخوذ من الآية 33 من سورة التوبة( )، وأسماء الخلفاء الراشدين، أبو بكر وعمر وعثمان وعلي، أما الظهر فيحمل ألقاب المظفر يوسف: "السلطان الملك المظفر شمس الدين يوسف بن الملك المنصور عمر"، ويوجد على الحاشية اسم آخر خلفاء العباسين، المستعصم بالله أمير المؤمنين، بالإضافة إلى دار الضرب والتاريخ، تتسم دراهم الأسرة الرسولية برقتها وبكونها أخف كثيرا من الدراهم التقليدية( )، ومن المحتمل أن يكون الرحالة الأمريكي ويندل فيليبس هو الذي أخذ معه هذه العملة المعدنية من ظفار إلى نيويورك، فقد ذكر الكاتب الصحفي رياض الريس في كتابه ظفار الصراع السياسي والعسكري في الخليج العربي (1970 -1976)،" بنى سيف الإسلام غسان قلعته المشهورة في البليد، بالقرب من صلالة، والتي ما زالت آثارها إلى اليوم، وقد سرق أكثرها في أواخر الخمسينيات الرحالة الأمريكي وصاحب امتيازات النفط ويندل فيليبس"( ).
ساهمت ذاكرة ابن بطوطة في حفظ العملة الرسولية وذكرها ضمن المظاهر الاقتصادية التي شاهدها وكتبها كما هي، الأمر الذي جعل الباحثين يتوصلون إلى معرفة النقد المتداول في ظفار أيام الرسوليين، كما يكشف أيضا عن الاستقلال الإداري لسلطان ظفار عن القوى الإقليمية في جنوب الجزيرة العربية.
يذكر ابن بطوطة العديد من المحاصيل الزراعية في ظفار ويعدد استخداماتها وفوائدها، فهو يتحدث عن شجرة النارجيل (جوز الهند)، ويتحدث عن التنبول، وعن شجر الموز، والقمح الذي يُسمى في ظفار العلس، ويسمى بذلك لأنه يُطحن، كما ذكر أيضا شجرة اللبان حينما نزل في بندر حاسك، وسماه شجر الكندر، ويستخرج من الجبال المحيط بحاسك أجود أنواع اللبان في ظفار، وذلك لبعده عن المناطق التي تتأثر بالرياح الموسمية، ويكون اللبان جيدا في المناطق التي تشتد فيها الحرارة.  
لم يغب عن بال ابن بطوطة الوجبات الغذائية لأهل ظفار، فيقول إن الأرز أكثر طعامهم، وأكلهم الذرة، وإنه أحضر معه كعك وخبز من ظفار حينما سافر على ظهر المركب، وتشتهر ظفار بصناعة خبز في تنور أرضي، و يسمى الخبز بالكعك، أو خبز القالب، ويذكر أنهم يشوون السمك ويأكلونه مع التمر، لا تزال هذه العادة في ظفار، مما يدل على أن أهل ظفار  متمسكين بعاداتهم، منذ زيارة ابن بطوطة إلى هذه الساعة. 
لقد وصف ابن بطوطة طريقة سقي المزارع في ظفار، "وكيفية سقيهم أنهم يصنعون دلوا كبيرة، ويجعلون لها حبالا كثيرة، ويتحزم بكل حبل عبد أو خادم، ويجرون الدلو على عود كبير مرتفع عن البئر، ويصبونها في صهاريج يسقون منه"( )، وهذه الطريقة تسمى في ظفار بالسناوه "وهي طريقة تقليدية في سقي المزروعات، وأدواتها الشروعة، وتتكون الشروعة من حبال وعجلات وقطع من الحطب وأخشاب النارجيل، إذ يُربط الغرب (دلو مصنوع من جلد الماعز أو الوعل) بحبل غليظ يسمى "الرشا" ويُنزل إلى البئر، ومن ثم يُرفع الماء على عجال مصنوعة من خشب جوز الهند بواسطة الجمال، ويقوم واحد أو اثنان من الرجال بإدارة الجمال ذهابا ورواحا"( )، وكانت هذه الطريقة مستخدمة في رعي المزارع في ظفار إلى بداية سنة 1970. 
 ويوجد هناك تشابه بين اسم هذه العادة وبين اسم المزرعة في بلاد المغرب العربي، حيث يُطلق على المزرعة هناك اسم (السانية)، وتوجد في ولاية وهران في الغرب الجزائري بلدية اسمها (السانية) واسمها مشتق من الساقية أو النافورة، وجمعها سوان( ).
وقد رصد ابن بطوطة الأمراض السائدة في ظفار والمنتشرة بين أهلها حيث قال: "والغالب على أهلها رجالاً ونساء المرض المعروف بداء السفيل، وهو انتفاخ القدمين، وأكثر رجالهم مبتلون بالأدر. وقد رأيت رجلا في بداية العام 2000 مصاب بداء السفيل، أما الأدر فيصيب الرجال في ظفار بسبب تسلقهم لأشجار النارجيل حيث يؤدي تسلق النخلة في بعض الأحيان إلى اصطدام الخصية بجذع الشجرة مما يسبب في فتقها.

الحياة الاجتماعية


قدم ابن بطوطة وصفا فوتوغرافيا لسكان ظفار، حيث ذكر ملابسهم وطريقة لبسها، فيقول "أكثر باعتها الخدم، وهن يلبسن السواد...، ولباسهم القطن...، ويشدون الفوط في أوساطهم عوض السروال، وأكثرهم يشدّ فوطة في وسطه، ويجعل فوق ظهره أخرى من شدة الحر، وأكثر أهلها رؤوسهم مكشوفة لا يجعلون عليها عمائم"( )، تتفق ملاحظات ابن بطوطة مع صورة المجتمع الظفاري، فلا تزال بعض النسوة ذوات البشرة السمراء يبعن في الأسواق، ولكن دون اللباس الأسود، وهو في الحقيقة لباس من النيلة يستورد من الهند، وبمرور الوقت تذهب النيلة منه، ويتحول الثوب إلى لون السواد، وهذا اللباس يشبه لباس النساء في الصحراء الكبرى، حيث يُطلى الثوب النسائي بالنيلة، لما للنيلة من فوائد حيث تستخدمه النساء كمفتح للبشرة، ومن هنا يُمكن أن تكون مقارنة ابن بطوطة صحيحة حينما عقد مقارنة في ذهنه بين أهل ظفار وأهل المغرب، وليست الأزياء وحدها من دعمت تشابه أهل ظفار وأهل المغرب عند ابن بطوطة،  بل أسماء الجواري أيضا، فقد نزل بدار خطيب المسجد عيسى بن علي، الذي يملك جواري مسميات بأسماء خدّام المغرب (بخيتة، وزاد المال). 

أما فيما يتعلق بالخدم فإن ظاهرة تجارة الرقيق كانت تجارة رائجة في ظفار، نظرا لقربها من السواحل الإفريقية، إضافة إلى كون ظفار إحدى المحطات البحرية في الذهاب والعودة من السواحل الإفريقية، وقد قامت ثورة ظفار بعد مؤتمر حمرين 1968 بتجريم تجارة الرق وحررت العبيد. 
لكن وضع الخدم في ظفار كان أفضل حالا من بعض المجتمعات التي عرفت الرق والعبودية، وهنا يقول برترام توماس "وضع الخدم في هذه المجتمعات لا يقل عن مستوى وضع الأحرار، وإذا اتخذنا هذا الرأي مقياسا للحكم فإن وضع الخادم ليس سيئا إلى درجة كبيرة"( )، فهم يتمتعون بحقوقهم الاجتماعية الكثيرة، أما فيما يتعلق بالجواري فإنهن يتمتعن بحرية اجتماعية أكبر من تلك التي تتمتع بها المرأة العربية الحرة( ).
يلبس الرجال في جنوب الجزيرة العربية الفوطة التي تسمى (الوزار) عوضا عن السراويل، أما الفوطة التي ذكرها ابن بطوطة فهي الصبيغة، وهي قطعة طويلة من القماش المصبوغ بالنيلة، فيشد الرجل نصفها حول وسط جسمه بينما يترك النصف الآخر على ظهره، ومع مرور الوقت أصبح هذا لباس أهل الجبل في ظفار، وهذا اللباس يثير انتباه الرحالة ومنهم الرحالة البريطاني ثيسجر "لكن أكثر ما لفت انتباهي أن الرجلين اللذين يقودان الجمال كانا صغيري الحجم نحيلين، طولهما لا يزيد على خمسة أقدام وأربع بوصات، وكان كل منهما يلف على خصره قطعة قماش زرقاء طويلة، ويلقي بطرفها على كتفه، وقد زالت الصبغة النيلية الزرقاء من على القماش ولطخت صدريهما وذراعيهما، كانا مكشوفي الرأسين، شعرهما كث طويل، يضعان خنجرين على وسطيهما ويحملان بندقيتين"( ). 
إن الحديث عن الحياة الاجتماعية في ظفار أثناء زيارة ابن بطوطة، يقودنا إلى التطرق إلى الحديث عن العادات والتقاليد في تلك الفترة، ومنها تلك المتعلقة باستقبال التجار وطريقة معاملتهم وحسن ضيافتهم، وهي عادة لم تعد موجودة نتيجة لتطور الحياة الاقتصادية، أما العادة الثانية وهي مصافحة المصلين بعد صلاة الفجر والعصر وصلاة الجمعة، فإنها لا تزال موجودة في ظفار باستثناء التصافح بعد صلاة الجمعة، حيث ينصرف الناس إلى شؤونهم دون انتظار مصافحة جميع المصلين.  
يذكر ابن بطوطة عادة قرع الطبول والأبواق والأنفار على أبواب قصر السلطان الرسولي المسمى (بالحصن)، وإذا بحثنا عن هذه العادة لوجدنا شيئا منها حاضرا في الحياة الثقافية في ظفار إذ تقام الأفراح وحفلات الرقص التي يؤديها الرجال والنساء معا، وخاصة رقصات الزنوج، أما قصر الحصن فلا يزال عامرا حتى الآن، حيث يتخذه السلطان قابوس مقرا حينما يتواجد في مدينة صلالة، ويوجد بالقرب منه سوق الحصن الشعبي.

الحياة الدينية


إن الاهتمام الذي أبداه ابن بطوطة تجاه ظفار يرجعه بعض الباحثين إلى عدة أسباب منها تصوف ابن بطوطة وتحمسه لعالم الصوفية والمتصوفة، ومن خلال بعض الدلائل الواردة في الرحلة نجد الصوفية حاضرة بقوة لدى ابن بطوطة من خلال جلوسه مع مشايخ ظفار وخطيب الجامع( )، وقد نتفق مع هذا الرأي إذا علمنا أن الفكر الصوفي قد بدأ بالظهور في القرن السادس الهجري في منطقة جنوب الجزيرة العربية، وكانت مدينة مرباط هي الحاضنة الأولى للفكر الصوفي، إذ توجد أضرحة للعديد من علماء الصوفية، مثل محمد بن علي باعلوي، ومحمد بن علي القلعي، بالإضافة إلى وجود قبر الصحابي زهير بن قرضم الذي وفد على النبي صلى الله عليه وسلم على رأس قومه يعلنون دخول أهل ظفار إلى الإسلام، وقد أكرمه النبي صلى الله عليه وسلم لبعد بلاده وكتب له كتاباً إلى قومه.

وتحظى قبور علماء الصوفية في ظفار باهتمام الناس، ويوجد العديد من الأسر التي تطوعت لخدمة هذه الأضرحة، وتقام عند قبر محمد بن علي باعلوي، بعض الشعائر المعروفة لدى الصوفيين مثل الحضرة التي تقام صبيحة كل يوم جمعة، وليلة المولد النبوي، وليلة الخامس عشر من شعبان والتي تسمى بالشعبانية( ) وقد انتقل التصوف من مرباط إلى ظفار الحبوضي.
يذكر ابن بطوطة صورة أخرى من صور التصوف في ظفار الإقليم، حينما نزلوا من المركب بإحدى جزر كوريا موريا (الحلانيات حاليا)، ووجدوا بالجزيرة شيخا نائما، وليس معه متاع فلا ركوة ولا إبريق ولا عُكاز ولا نعل، وهي عادة من انقطع إلى الله وترك الدنيا، وقد رفض طعامهم، وصلى بهم العصر والمغرب والعشاء، وكان حسن الصوت مجيدا لها( ). 
إذن هل نستطيع أن نقول إن (الذاكرة الصوفية) لدى ابن بطوطة، حفظت اسم صاحب الزاوية الشيخ الصالح العابد أبي محمد بن أبي بكر بن عيسى من أهل ظفار، كما احتفظت بأسماء أبناء الشيخ أبي بكر، أبي العباس أحمد وأبي عبد الله محمد ابني الشيخ المذكور، بالإضافة إلى ذكر قاضي المدينة أبي هاشم عبد الملك الزبيدي( )، والتي ما تزال عائلته (الزبيدي) موجودة الآن في ظفار.
إن قوة التذكير عند ابن بطوطة واحتفاظه بأسماء العلماء والشيوخ في ظفار، تعود إلى أنه أعاد الحياة إلى اللحظة الصوفية التي رآها وسمعها وعايشها أثناء تواجده في  ظفار، لأن قوة التذكر تكمن في إعادة الحياة إلى الشيء المراد تذكره، ومن ثم يمكن استرجاع المعلومة من الذهن، ومن هنا نقول إن ظفار قد ارتبطت في ذهن ابن بطوطة بالتصوف.

التشابه بين أهل ظفار وأهل المغرب


أشرنا في بداية هذا البحث إلى أن ابن بطوطة يُعتبر من الأوائل القائلين بعروبة البربر وسكان شمال إفريقيا، فهو لا يُورد وجه المقارنة بين أهل ظفار وأهل المغرب من باب عجائب الأسفار، بل يورد الأدلة المادية على ذلك التشابه فيذكر "من الغرائب أن أهل هذه المدينة أشبه الناس بأهل المغرب في شؤونهم. نزلت بدار الخطيب بمسجدها الأعظم، وهو عيسى بن علي، كبير القدر كريم النفس. فكان له جوار مسميات بأسماء خدام المغرب، إحداهن اسمها بخيتة والأخرى زاد المال. ولم أسمع هذه الأسماء في بلد سواها...، وفي كل دار من دورهم سجادة الخوص، معلقة في البيت، يصلي عليها صاحب البيت، كما يفعل أهل المغرب. وأكلهم الذرة. وهذا التشابه كله مما يقوي القول بأن صنهاجة وسواهم من قبائل المغرب أصلهم من حمير"( ).

إن ما يورده ابن بطوطة في رحلته عن هذا التشابه يُعطي الباحثين الغيورين على أمتهم العربية دليلا قاطعا على عروبة البربر، وهذا ما يذكره الدكتور عثمان سعدي، قائلا "اعتز الشعراء الأمازيغ بأصلهم القحطاني اليماني الحميري، فقال الشاعر الحسن بن رشيق المسيلي، المتوفى سنة 463 هـ، مادحا الأمير الأمازيغي ابن باديس الصنهاجي:
يا ابنَ الأعزة من أكابر حمير
                             وسلالةَ الأملاك من قحطان

ويعتز الشاعر ابن خميس التلمساني المتوفى سنة 708 هـ بأصله الحميري، فيقول:

إذا انتسبتُ فإنــني من دَوحـة
                             يتفيّـأ الإنسان برْد ظلالهـا

من حِمير من ذي رُعَينٍ من ذوي

                             حَجْرٍ من العظماء من أقيالها

وفي بيتين يفتخر شاعر أمازيغي طرقي بانتساب قبائل الطوارق الأمازيغ إلى حمير فيقول:

قوم لهم شرف العلى من حميــر
                             وإذا دُعوا لمتونة فهمُ همو

لِما حوَوا علياء كل فضيلــــة

                            غلب الحياء عليهم فتلثموا( )

وأضاف عثمان سعدي "أن سكان شمال إفريقيا هاجروا من جزيرة العرب قبل آلاف السنين بعد أن ذاب الجليد من شمالي إفريقيا، والهجرات العربية المرصدة تاريخيا هي هجرة الكنعانيين الفينيقيين في منتصف الألف الثانية قبل الميلاد. وتعتبر الجزيرة العربية خزانا كبيرا بشريا تمت منه هجرات إلى العديد من نواحي العالم. العلماء يثبتون أن الهجرات الحضارية البشرية تمت من الشرق إلى الغرب، ومن الجنوب إلى الشمال،.. وأهم عنصر بقي عبر التاريخ يؤكد هوية السكان هو اللغة، فاللغة الأمازيغية لغة عروبية، تشير إلى جذور سكان الشمال الإفريقي، فاللغة العربية الأم انتشرت من الجزيرة العربية قبل آلاف السنين وتفرعت إلى لهجات، عمت الوطن العربي( ).

 وفي إطار عروبة اللغة الأمازيغية، وجد العديد من الباحثين والدارسين في اللهجات واللغات تشابها بين اللهجات الظفارية ولهجات البربر، فيذكر الباحث سعيد بن عبد الله الدارودي، أنه  عثر على كلمات وملامح لغوية متطابقة تطابقاً شبه تام ما بين البربرية وبين بعض اللهجات في المشرق العربي، وسبب دهشته هو البعد الجغرافي بين أقصى المشرق وبين أقصى المغرب العربيين، وقد وضع الدارودي مقارنة بين بعض الكلمات في اللهجات الظفارية وبين اللهجات في اللهجة البربرية، كما هو موضح هنا.

ألفاظ من اللهجات الظفارية( )، اللغة الشَّحْريَّة، وألفاظ أخرى من اللهجات البربرية:




                       الألفاظ البربرية                                                      الألفاظ بالشحرية


إرْو: الولادة.                                                                                              إيروت: الوِلادة

يوتب: شمَّر الثوبَ عن ساقيه، أو الكُم من ذراعه.                                                     إتُّوب: شَدَّ الإزار حول خصره، أو ربط الحزام حول وسطه.
أكورات: الرئيس. كيروت: الرئاسة، الزعامة،                                                         كار: شيخ القبيلة، الرئيس، الزعيم. 
إكوسّم: جَمَدَ الماءُ. قِصِمْ:                                                                                 بَرَدَ، تطلق على الماء وغيره. 
اغوفت: الربو، أي النفس العالي من عَلَّة في الرئة.                                                    أغْتفتوت: الاختناق والضيق نَفَساً من الدُّخان، أو من الروائح الكريهة.
أنّاف: التنحِّي.                                                                                             نفا: النفور والابتعاد.
تيشيت: القملة .                                                                                           شينيت: القملة.
إنغّل: انصَبَّ الماءُ.                                                                                       إنْغِل: تصبَّبَ عَرَقاً.
يوشكا: ذهب وجاء في البلاد.                                                                            إشِّيك: ذهب وجاء متسكعاً في البلاد، أو في الطرقات.  
أنفا: التلُّ، المكان المرتفع.                                                                                نُفْ: الشاهق الجبلي المرتفع.
أمحروق: الغضبان.                                                                                       حِرْق: السريع الغضب.
أوركّت: سار على رجليه.                                                                               إريكت: سار بخطى وئيدة.
أساكو: الغرارة.                                                                                           سِكْتْ: الغرارة.
أضو: الرائحة.                                                                                            إظي: الرائحة.
إغدّو: تجاوزَ، عبَرَ.                                                                                      إغْدي: تجاوزه، خَلَّفه وراءه.
أغنس: الخِدْر.                                                                                            أغنيس: الخِدْر.
لا يتسع المكان لذكر المزيد من الألفاظ والكلمات المتشابه بين اللغة الشحرية والهجات البربرية، فنحن نتحدث هنا لغة واحدة في ظفار هي الشحرية، فما بالك باللغات الأخرى مثل المهرية والحرسوسية واللهجة العربية الظفارية.
إن ما قدمه الباحث سعيد الدارودي من مقارنات بين لهجات البربر ولهجات جنوب الجزيرة العربية، تحتاج إلى تضافر جهود الباحثين من مشرق الوطن العربي ومغربه لكشف المزيد من أوجه التكامل الثقافي بين الشعوب العربية، وقطع الطريق أمام بعض الأصوات التي تحاول النيل من الثقافة العربية وتمزيقها كما مُزقت الجغرافيا بين الحدود السياسية.

الخاتمة


في ختام هذا البحث يبقى أن نذكّر بأن الظفاريين لا يزالون يحتفظون ببعض العادات الاجتماعية التي ذكرها ابن بطوطة مثل التقوى وإكرام الضيف، وأهل تواضع وحسن أخلاق ومحبة للغرباء، كما لا يزال طبق الرز بالسمك من أفضل الوجبات في ظفار، بل يعتبر الطبق اليومي في أي بيت ظفاري، بالإضافة إلى أكل التمر مع السمك، وصيد السردين وتجفيفه، ولا زال الناس في ظفار يسمون أبنائهم وبناتهم بأسماء مثل بخيت وبخيتة وزاد المال.

إن رحلة ابن بطوطة إلى ظفار تعتبر من أهم الوثائق التاريخية والاجتماعية لهذه المنطقة، ولا يُمكن أن تُذكر ظفار دون ذكر رحلة ابن بطوطة وتقديم تصوره عن مدينة ظفار (البليد الحالية) والتي اتسعت وأصبح يُطلق عليها مدينة صلالة، وهذا ما قدمه أدب الرحلة إلى الثقافة العربية.
لقد اجتهدنا في هذه الورقة لكشف وتوضيح بعض الآثار التي ذكرها ابن بطوطة حينما زار ظفار، مثل ذكر الأسر الحاكمة في ظفار من المنجويين وحتى آل كثير، وكذلك الكشف عن الدرهم الرسولي، وإلقاء الضوء على الفكر الصوفي في ظفار، وكذلك التطرق إلى التشابه بين لهجات أهل ظفار وأهل المغرب، نتمنى أن يجد القارئ ما هو جديد في هذه الورقة.

المراجع


- ابن المجاور، جمال الدين أبي الفتح يوسف بن يعقوب بن محمد الشيباني الدمشقي (ت 690هـ/ 1291م)، تأريخ المستبصر، تصحيح اوسكر لوفقرين،  بيروت، دار التنوير، ط2، 1986.

- ابن بطوطة، أبو عبد الله محمد بن إبراهيم اللواتي، رحلة ابن بطوطة، بيروت، دار بيروت للطباعة والنشر، ط1، 1985.
- الإصطخري، أبو القاسم إبراهيم بن محمد، المسالك والممالك، تحقيق محمد جابر عبدالعال، مراجعة محمد شفيق غربال، القاهرة، 1961، 
- الشحري، علي أحمد، ظفار كتاباتها ونقوشها القديمة، دبي، دار الغرير للطباعة والنشر، ط1، 1994.
- باعمر، حسين علي المشهور، تاريخ ظفار التجاري (1800-1950)،  صلالة، مطابع ظفار الوطنية، ط1، 2010.
- تاريخ النقود في عُمان، إصدار البنك المركزي العُماني، مسقط، 1990.
- توماس، برترام، البلاد السعيدة، ترجمة محمد أمين عبد الله، القاهرة، للتجليد والطباعة، منشورات وزارة التراث القومي والثقافة (سلطنة عمان) ط1، 1981.
- ثيسجر، ويلفرد، الرمال العربية، ترجمة إبراهيم مرعي،  موتيف ايت للنشر، دبي، ط 2009.
- جعبوب، منى سالم سعيد، قيادة المجتمع نحو التغيير :التجربة التربوية لثورة ظفار (1969-1992)، بيروت، مركز دراسات الوحدة العربية ط2010.
- ياقوت الحموي، شهاب الدين أبو عبد الله، معجم البلدان، بيروت، دار صادر، مج 4، 1984.
- الريس، رياض نجيب، ظفار الصراع السياسي والعسكري في الخليج العربي (1970 -1976)، بيروت، رياض الريس للكتب والنشر، ط2.
- المقدسي، شمس الدين أبو عبد الله  محمد بن أحمد (ت 390هـ/999-1000م)، أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم، القاهرة، مكتبة مدبولي، ط3، 1992،

الندوات

- الجعيدي، عبد الله سعيد، ظفار في مصادر حضرموت التاريخية للقرن العاشر الهجري، ندوة "التبادل الحضاري العُماني اليمني، مسقط 7-8 فبراير 2010.
- الدارودي، سعيد بن عبد الله، "بين لهجات المشرق العربي والبربرية (دراسة مختصرة في عِلْم اللغة المُقارن"، ندوة سكان شمال إفريقيا، الجبل الغربي، ليبيا أبريل 2009.
- الشيبه، عبد الله حسن، ظفار المدينة والإقليم في المصادر الكلاسيكية، وفي نظر الكتاب العرب الأقدمين،  ندوة "التبادل الحضاري العُماني اليمني، مسقط 7-8 فبراير 2010.
- سعدي، عثمان، سكان شمال إفريقيا: الأصول الحضارية، ندوة سكان شمال إفريقيا، الجبل الغربي، ليبيا أبريل 2009.
- مفتاح، علي محمد فريد، الصلات العلمية بين حضرموت وظفار، ندوة "التبادل الحضاري العُماني اليمني، مسقط 7-8 فبراير 2010.

مواقع إلكترونية

-  موقع الموسوعة الحرة
http://ar.wikipedia.org/wiki
تاريخ الاطلاع عليه 12 يوليو 2010.
-  موقع التاريخ العربي 
http://www.attarikh-alarabi.ma/Html/adad26partie12.htm
تاريخ الاطلاع عليه 24 أغسطس 2010
-  موقع
http://awu-dam.net
تاريخ الاطلاع 30 مايو 2010.

بلاد بونت في حضرموت اليمن و ليس الصومال .




بلاد بونت ومحاولة لتحديد موقعها ق 14 ق.م رحلة حتشبوت : -



اختلف العلماء في تحديد موقع بلاد بونت خاصة أن المادة العلمية التي نعتمد عليها في ذلك الموضوع نادرة ، ومما دعى العلماء الى الاهتمام بهذا الموضوع ، ان تلك البلاد كانت هي المصدر الأساسي للبخور، وخاصة النوع الجيد منه ، والذي كان يطلق عليه المصريون اسم "عنتي - عنتيو وادج "، وكان البخور لدى القدماء عنصرا أساسيا وهاما، حيث كانوا يستخدمونه في الاحتفالات والشعائر الدينية وفي القصور والمعابد والمقابر مما كان يدعوهم الى بذل أقصى مجهوداتهم للحصول عليه ، ولما كانت الآثار المصرية لم تشتمل على أية إشارة واضحة تسهل تحديد موقع بلاد بونت فان المادة الأساسية التي اعتمد عليها العلماء في تحديد موقع بلاد بونت والتي اعتمدنا عليها نحن أيضا في دراستنا لهذا الموضوع هي : -


1- دراسة للأصل اللغوي لكلمة "بونت ".


2- دراسة النقوش التي عثر عليها على الآثار التي توضح معالم تلك البلاد:


أ - الملامح الرئيسية لسكان بلاد بونت .


ب - أنواع الهدايا التي كان يحملها سكان تلك المناطق .


ج - أنواع النباتات والحيوانات التي كانت مصاحبة لسكان تلك المنطقة .


د - أشكال المنازل التي كان يقيم فيها سكان تلك المنطقة .


ويمكننا أن نوضح أن الملكة حتشبسوت قد نقشت على جدران معبدها في منطقة الدير البحري بالبر الغربي لمدينة طيبة (الأقصر حاليا) تفاصيل رحلتها الى بلاد بونت وسوف نناقش تفاصيل هذه النقوش والتي ستساعدنا في تحديد موقع بلاد بونت .


وقبل أن نبدأ في سرد آرائنا في تحديد موقع بلاد بونت يمكننا أن نستعرض آراء العلماء في هذا الصدد من ملخص للادلة التي اعتمد عليها كل منهم ، وقد قام الأستاذ الدكتور عبدالمنعم عبدالحليم بإعداد ملخص لذلك في مقال له بجمعية الآثار بالأسكندرية عام 1974 ومجملها أنها حددت بلاد بونت بالمنطقة الممتدة من بورسودان الى شمال اريتريا على ساحل الصومال مؤيدا بذلك "كتشن " Kitchen (1) الذي تصدى برا`يه هذا لرأي "هيرتسوج " Herzog (2) الذي خالف الآراء التي سبقته ، إذ قال ان بلاد بونت تقع في المنطقة السودانية المتاخمة للحبشة على النيل الأبيض والنيل الأزرق ، وأن المصريين لم يصلوا الى بلاد بونت عن طريق البحر بل عن طريق النيل ، في حين أن "كرال " Krall كان أول من نادى بأن بلاد بونت تقع في المنطقة الممتدة من سواكن الى مصوع ، وكان اعتماده في ذلك على أن هذه المنطقة تنتج الصمغ العربي، وقال ان المصريين يستخدمون الصمغ العربي في البخور، ثم ثبت بعد ذلك أنهم كانوا يستخدمون اللبان كبخور عنقيو وليس الصمغ (3)؛ وأضاف "كتشن" Kitchen تعديلا على رأيه بأن بلاد بونت كانت تقع على النيل الأبيض ولكنها كانت تمتد شرقا حتى ساحل البحر الأحمر، معتمدا في ذلك على المقارنة بين أشكال أكواخ أهالي بلاد بونت وبين تلك الموجودة حاليا في مناطق النيل الأعلى كالدنكا والبونجو.


وقد تتبع "كتشن " Kitchen السفن المصرية في رحلتها على طول ساحل البحر الأحمر من السويس ثم الى القصير الى موانيء بلاد بونت جنوبا. ونستخلص من رأي "كتشن " Kitchen ضرورة وجود أشجار البخور قرب ساحل البحر، وذلك من واقع النصوص المصاحبة المدونة داخل رسم الخيمة التي كان يتم فيها تبادل السلع والمنتجات التجارية مع أهل بلاد بونت ، حيث يترجم النص : "نصبت خيمة الرسول الملكي ومعه جيشه بين مدرجات البخور في بونت على شاطيء البحر"(4).


وقد قام باحث علم النبات "هيبر" Hepper (5) بدراسة أشجار اللبان (الكندر)، وخرج من دراسته بأن أشجار الكندر لا توجد على السواحل الآسيوية الا في منطقة بعيدة الى الشرق من خليج عدن هي منطقة ظفار وأشار أيضا أن هذا الكندر من نوع Boswellia sacra وأيده في ذلك الأستاذ الدكتور عبدالمنعم عبدالحليم (6) في اتخاذ ذلك حجة لتحديد موقع بلاد بونت بأنه لا يمكن أن يكون في منطقة آسيوية ، وذلك نظرا لبعد هذه المنطقة عن متناول السفن المصرية التي تخاطر بعبور البحر الأحمر أو بوغاز باب المندب ، ويرى أنه من الأسهل للسفن المصرية الوصول الى ساحل الصومال ، في حين أننا نرى عكس ذلك ، وهو أن المصريين اتجهوا بسفنهم الى جنوب الجزيرة العربية ، حيث أن المصريين حينما بداوا رحلاتهم الى بلاد بونت ، منذ عصر الأسرة الخامسة في عهد الملك ساحورع (7) ، كانوا لا يصلون في ذلك الوقت الى بلاد بونت ، وانما كانوا يعتمدون في حصولهم على البخور على الوسطاء من بلاد اليمن ، مما كان يؤدي الى رفع ثمنه كثيرا، كما ذكروا ذلك في نقوشهم ، وحتى يحافظ الوسطاء على دورهم كانوا يصفون المخاطر التي يتعرضون لها للوصول الى أماكن اللبان، وهي أماكن وعرة يصعب الوصول اليها وتحميها أفاع مجنحة ، ونحن نرى أن هذا الوصف هو وصف للطريق البري الذي يصل بين بلاد اليمن وبلاد ظفار: وقد لاحظنا أنه يطلق اسم "بنت " باللهجة "الجبالية " الحالية على الأشياء المخيفة أو الأماكن المرعبة ، ومن هنا ربما يكون المصريون قد أطلقوا نفس الاسم "بونت " أو "بنت " على تلك البلاد بنفس المعنى الذي وصفه لهم اليمنيون.


وعندما اكتشف العالم الأثري "ماريت " Mariette (8) رسوم رحلة بلاد بونت المصورة على جدران معبد الدير البحري للملكة حتشبسوت وذلك في عام 1877، خرج علينا برأي حاسم بأن بلاد بونت تقع في افريقيا وحدد موقعها بشمال الصومال ، واستند في رأيه على الآتي:


أ - تمثيل الزرافة في رسوم بونت ، معتمدا في ذلك على أن الزراق حيوان افريقي ولم يكن في أي وقت من الأوقات من الحيوانات الآسيوية.


ب - شكل مساكن أهالي بونت المقامة على أعمدة تشبه المساكن الافريقية .


ج - صفات زوجة زعيم بونت الجسدية هي صفات افريقية .


د - التحلي بحلقات من المعدن والتي توجد على ساق زعيم بلاد بونت ، تشبه حلقات المعدن التي تستخدم اليوم للتحلي عند القبائل الافريقية مثل قبائل البونجو بافريقيا.


هـ- نمو أشجار البخور على ساحل الصومال .


الطرق التي كان يسلكها المصريون للوصول الى بلاد بونت


نعلم أن المصريين كانوا يطلقون اسم "بونت " بمعنى عام وآخر خاص ، فكانت بالمعنى الخاص هي منطقة أشجار الكندر (اللبان ) المصورة على جدران معبد الملكة حتشبسوت في منطقة الدير البحري، أما معناها العام فكان المقصود به تلك المناطق التي كانت تمتد من سواحل السودان شمالا وحتى أقصى نقطة عرفها المصريون جنوبا سواء جنوب الجزيرة العربية أو منطقة الصومال .


وقد قسمت القوائم المصرية مناطق وشعوب الساحل الافريقي للبحر الأحمر الى ثلاث مناطق:


أ - منطقة خاسخت 0 وهي تبدأ من ميناء أبوشعرى التبلى (ميوس هرموس ) جنوب جمصة الى ميناء رأس برنيكى(9).


ب - منطقة علبة : وهي المنطقة الممتدة من رأس برنيكي الى سواكن وكانت تسكنها القبائل التي عرفها الاغريق باسم "التروجلوديت " أصحاب الأقواس - البيجا - البشارين .


ج - منطقة بونت : وهي المنطقة التي تمتد من سواكن الى أقصى نقطة عرفها المصريون ، سواء في جنوب الجزيرة العربية أو ساحل الصومال .


وقد ناقش "كتشن " Kitchen (10) كل الأراء التي اختلف فيها العلماء في مسلك السفن المصرية حتى الوصول الى بلاد "بونت " والتي حددها بمنطقة ساحل الصومال ، وهي نقطة الاختلاف معه ، ولكننا لا نختلف معه في الطريق الذي سلكه المصريون للوصول الى بلاد بونت وهو كما وصفه بدقة يبدأ من السويس الى وادي الحمامات ، حيث كانوا يسلكون النيل في هذه المنطقة ، ثم يسلكون بعد ذلك طريق وادي الحمامات حتى يصلوا الى ميوس هرموس. ولقد كانت هناك بعض الجماعات الآسيوية التي استقرت في وادي الحمامات وتركت آثارها، حيث تم العثور على نقش عربي جنوبي على الصخور الموجودة بالقرب من قصر البنات في منطقة وادي المواخير الواقع عند منتصف وادي الحمامات (11)، وهذا يدل على دور وادي الحمامات كممر للصلات والمؤثرات الحضارية القادمة الى مصر عن طريق البحر الأحمر، علاوة على أن وجود ذلك النقش دليل على المؤثرات الحضارية القادمة من الساحل الآسيوي عن طريق البحر الأحمر الى مصر .


ولكننا نرى من ناحيتنا أن بلاد بونت تقع في جنوب الجزيرة العربية وبالتحديد في منطقة "ظفار" وسوف نوضح ذلك لعدة أسباب :


أولا : وجود مدينة "شصر" التي تقع شمال ثمريت حيث توجد منطقة "أوبار" التي مازالت أنقاضها مدفونة تحت الرمال ، والتي كشف عنها حديثا وذلك عن طريق الأقمار الصناعية التي كشفت عن المسارات القديمة لقوافل الجمال ، التي كانت تنقل البخور منذ القدم ، وقد أظهرت صور الأقمار الصناعية الفرنسية والأمريكية مسارات طويلة تصل الى أكثر من كيلومتر لقوافل الجمال القديمة التي اندثرت تحت الرمال ، وكانت كل هذه المسارات تصل الى نقطة واحدة هي مدينة "شصر" وقد ساعد أيضا على اكتشاف تلك المنطقة الخرائط القديمة للجغرافي الاغريقي بطليموس . شكل رقم ( 1) واكتشاف هذه المدينة في ذلك المكان يعضد رأينا في أن بلاد "بونت " كانت تجاور منطقة "شصر" حيث أنه من المعتقد أن أوبار هي "إرم" التي ورد ذكرها في القرآن الكريم "إرم ذا ت العماد" (12). وقد وردت أخبار عن عاد ونبيهم هود في القران الكريم ، كيف عصوا نبيهم ، وكيف استكبروا في الأرض فعاقبهم الله أشد العقاب ، إذ أرسل عليهم ريحا صرصرا وصواعق دمرت مساكنهم وقضت عليهم وأصبحوا عبرة لمن اعتبر. وفي ذكر عاد (13)، يذكر المؤرخون العرب انه كان رجلا جبارا عاتيا عظيم الحلقة وهو عاد بن عوص بن ارم بن سام بن نوح وينسبون الى ابنه شداد ابن عاد إنشاء مدينة "إرم " واختلفوا في تحديد موقع ، هذه المدينه ، ويذهب بعض المؤرخين العرب(14) الى القول بان مساكن عاد كانت تقوم في "الأحقاف " من اليمن ، بين اليمن وعمان الى حضوموت والشصر وذلك استنادا الى قوله تعالى "واذكر أخا عاد إذ أنذر قومه بالأحقاف وقد خلت النذر من بين يديه ومن خلفه الا تعبدوا إلا الله إني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم "(15). ولكن القران الكريم لم يحدد موقع "الأحقاف " بالنسبة الى شبه الجزيرة العربية وانما حدده المفسرون : بما أن لفظة الأحقاف تعني الرمال فقد اندفع معظم المؤرخين يلتمسون مواضعهم في الصحراء (16).


ولكننا عندما ننظر الى اللوحة الأساسية التي اعتمدنا عليها في تحديد موقع بلاد بونت (شكل2) وهي رسوم بلاد بونت في معبد الملكة حتشبسوت في الدير البحري نرى في المنظر الذي يصور عودة الحملة الى مصر السفن المحملة وحقائب البخور مرصوصة على ظهر السفن وأشجار البخور في قدورها مزهرة والقردة والنسانيس تتسلق أمراس السفن وغير ذلك والنقش المصاحب لذلك المنظر يقول العودة الى الوطن ، ويلي هذا تقدم حاملي الهدايا والبخور أمام أسمى الملكة داخل خرطوشين فوق علامة «السماتاوي» وهي كلمة مصرية تعني توحيد الأرضين (المقصود بها أرضا الشمال والجنوب بمصر) ويتبقى بعد ذلك من الرسم صفان، الصف الأول مكتوب أمامه عظيم عظماء ( أي رئيس ) ارم وفي نهاية الكلمة الهيروغليفية نجد الرسم المخصص عبارة عن علامة الجبال ، أي أنها منطقة تحيط بها الجبال .


أما في الصف الثاني فنجد مقدمي الهدايا من بلاد "بونت " يتقدمهم زعيمهم مكتوب أمامه عظيم عظماء بونت (شكل 3).


وفي نهاية الاسم أو الكلمة ، كتب المخصص الذي يأتي في نهاية الكلمة ليحدد معناها، عبارة عن علامة الجبال ، مما يدل على أن بلاد بونت تقع في منطقة جبلية أو تحيط بها الجبال وتكون بجوار "إرم ".


ثانيا: تصوير ملامح أهل بلاد بونت بالملامح الآسيوية ، هذا دليل قاطع على أنهم من أهل جنوب الجزيرة العربية بملامحهم الآسيوية : وكذلك تصوير اللحية ، التي يمتاز بها أهل هذه المنطقة وما يزالون يحافظون عليها الى وقتنا الحاضر. وقد استطاع فنان تلك الحملة أن يدون أدق التفاصيل فمثلا صور أهل بلاد بونت وهم يضعون الخنجر في وسطهم أمام الخصر، وهذا الخنجر هو الخنجر المستقيم المعروف بالخنجر اليمني (شكل 4): فاللحية والخنجر مازال أهل تلك المنطقة يحافظون عليهما رغم مضي آلاف السنين ، وهي عادة توارثوها عن الأجداد، وهي سمة من سمات أهل هذه البلاد في الحفاظ على العادات والتقاليد القديمة ، فنرى في الوقت الحاضر أهل عمان باللحية ويضعون الخنجر في المناسبات الرسمية ، وليس كما أدعى البعض أن الفنان المصري تأثر ببيئته ونسج من خياله ملامح أهل تلك المنطقة وهذا يخالف ما نعلمه عن مدى صدق الفنان المصري الذي يصور أدق التفاصيل ، وانه لا يخط شيئا إلا وله أساس من الصحة .


وعلاوة على ذلك ، فقد صور لنا الفنان المصري تفاصيل الهدايا والتي كان من ضمنها الجرة، وهذه الجرة معروفة لدى أهل عمان اليوم حيث يخزنون فيها الشحوم والدهون ويطلق عليها باللهجة "الجبالية " في المنطقة الجنوبية اسم (وثبت ). ويضاف الى ذلك دليل آخر أيضا هو نوع من الأطعمة التي كانت ضمن الهدايا المقدمة الى المصريين وهو ما يطلق عليه حاليا اسم "العصيدة ".


ثالثا : المساكن : فقد صورت مساكن أهل بونت على شكل أكواخ نصف دائرية مقامة فوق أعمدة مما جعل «هرتسوج Herzog (17) يتخذها دليلا لتحديد موقع بلاد بونت بمناطق النيل الأزرق والنيل الأبيض ؛ أما الأستاذ الدكتور عبدالمنعم عبدالحليم فيرى أنها في الصومال، وخاصة أن أشكال هذه الأكواخ تتشابه الى حد كبير مع أكواخ سكان شمال الصومال في الوقت الحاضر (18).


في حين أننا نرى أن هذه الأكواخ مازال البعض منها يستعمل الى وقتنا الحاضر في المناطق


الجبلية الجنوبية لعمان (في ظفار)، ومنها ما هو ثابت ويطلق عليه باللهجة الجبالية في المنطقة الجنوبية اسم استريت ، ومنها ما هو متنقل ويطلق عليه اسم خيدار (شكل 5).


علاوة على ذلك فإن الأشجار التي صورت أمام أكواخ أهل "بونت " على جدران معبد الملكة حتشبسوت بالدير البحري، فإن البعض يرى انها اشجار نخيل الدوم (19) وليست نخيل البلح ، وقد أيدهم في ذلك «كتشن» Kitchen (20)، ولكن الدكتور عبدالمنعم عبدالحليم يرى أنها نخيل البلح ، ويعتمد في رأيه على تفرع جذع الشجرة الى ثلاث شعب من أسفل أي قرب الأرض. ولكننا نرى من فاحيتنا أنها ليست نخيل الدوم ولا نخيل البلح ، وانما هي شجر النارجيل "جوز الهند" الذي لانزال نواه الى الآن في منطقة خور روري على ساحل بحر العـرب (أنظر شكل 6)


رابعا : الأسماك : أما بالنسبة للاسماك التي صورها المصري القديم ، والتي تدل على براعته ودقة ملاحظته في إخراج صورة طبق الأصل من الأسماك الموجودة في البحر العربي، ووصل من درجة اتقانه الى تصوير أربعين نوعا من الأسماك والحيوانات البحرية ، ومن بين هذه الأسماك حوالي خمس سمكات من الأسماك النهرية ، مما دفع العلماء الى الاستنتاج أن المكان الذي رست فيه سفن الملكة حتشبسوت ، كان في موقع تختلط فيه مياه البحر بمياه نهر صغير، وأخذ العلماء في البحث عن وجود ذلك النهر الذي يصب في البحر العربي فوجدوا أن هناك مصب نهر معروف باسم "جل وين " على ساحل الصومال وهو معروف في العصور الكلاسيكية باسم «نهر الفيل » ولكننا من ناحيتنا نرى تفسيرا آخر لوجود بعض الأسماك النهرية بين الأسماك البحرية ، عند شاطيء جنوب الجزيرة العربية وبالأخص عند ساحل ظفار؛ حيث أنه يلاحظ اختلاف درجة حرارة المياه السطحية عند ساحل ظفار وذلك خلال فترة الصيف تبعا للقرب أو البعد من خط الساحل ، وبما أن كثافة المياه تتأثر بدرجة حرارتها، وهذا يؤدي بدوره الى انخفاض درجة الملوحة في هذا المجال ، وهذا بالتالي يؤدي الى وجود بعض الأسماك المختلفة عن الأسماك البحرية والتي تتشابه مع الأسماك النهرية (21).


خامسا : أما بالنسبة لتمثيل الزرافة في مناظر رحلة بونت والذي دفع الكثير من العلماء وعلى رأسهم هارييت الى الاعتقاد، بانها لابد وان تكون في بلد افريقي، فاننا حينما نرى المنظر المصور في مقبرة الوزير رخميرع (الأمير الوراثي) في عهد الملك تحوتمس الثالث (22) وهو يتسلم الجزية المختلفة الأنواع التي أحضرت للملك من كل الأقطار الأجنبية ، وقد قسم المنظر الى خمسة صفوف ، كل صف يشمل بلدا بعينه كالتالي : بلاد بونت - الكفتيو - النوبة - الرتنو - ثم صور الأسرى(شكل 7).


ففي الصف الأول : نرى الوفود القادمة من بلاد بونت حاملة معها هداياها، وهي تقريبا مثل الهدايا التي نراها ممثلة على معبد الملكة حتشبسوت ، ونرى المصريين ينقلون شتلات من نبات الكندر (اللبان ) كما فعلت الملكة حتشبسوت من قبل ؟ ولكن يبدو أن زراعته لم تنجح في مصر، ومع ذلك لم يهمل كلية ، فقد عثر على نبات من هذه الفصيلة في مقبرة رخميرع (23)،


والملاحظه الهامه في هذه المجال 1ن هذا المنظر كان يخلو تماما من تصوير حيوان الزراق ضمن أنواع الهدايا الأخرى.


أما الصف الثالث : والذي يمثل وفود بلاد النوبة فيشتمل على المحاصيل التي تنتجها تلك البلاد أما الحيوانات الحية التي جاء بها الوفد فهي تشمل فهدا ونسناسا وزرافة .


وعلى ذلك يمكننا أن نفسر وجود الزرافة في رحلة بلاد بونت والمصورة على جدران معبد الدير البحري للملكة حتشبسوت بأنهم أخذوها معهم من بلاد النوبة في أثناء رحلتهم ، حيث أنه من غير المعقول أن رحلة طويلة كهذه لم يقطعها المصري مباشرة ، وانما كان يتوقف في بعض البلاد، وكان يحمل معه بعضا من الأشياء الغريبة التي كان يجدها في تلك البلاد التي كان يتوقف فيها، ثم يعود بها الى مصر ضمن الأشياء التي حملها من بلاد بونت . ولذلك نرى زرافة واحدة فقط ممثلة ضمن رسومات بلاد بونت ونراها وهي تأكل من الأشجار ، وهذا دليل على أن المصري وجدها في إحدى البلاد الواقعة على ساحل البحر الأحمر والتي كان يستريح فيها، ثم أخذ منها ذلك الحيوان (الزرافة ) الغريب بالنسبة له ، ونقل معه هذه الزرافة الى بلاد بونت .


ومما يسترعي النظر أننا نلاحظ من خلال المنظر أنه كانت تربط مصر ببلاد بونت وبلاد الكفتيو (كريت ) علاقات طيبة وتجارية على وجه خاص ؛ ولم تكن ضمن البلاد التي فتحوها بحد السيف (أي بالحرب)، وكان لزاما على أهلها أن يقدموا الجزية طوعا أو كرها مثل بلاد النوبة والأقطار الآسيوية ، ونرى هذا واضحا من مناظر الأسرى الممثلين في الصف الخامس بكافة أجناسهم حيث أنه لم يتضمن المنظر صور أسرى لا من بلاد بونت ولا من بلاد كريت .


والكندر في الحقيقة ليس إلا اللبان المألوف لنا وأجود أنواعه في التبخير وهو ذلك النوع الذي يطلق عليه في اللغة العربية الدارجة اسم اللبان الذكر، وكلمة اللبان هي ذات أصل عربي قديم وردت في نقوش الخط المسند،وقد انتقلت هذه الكلمة القديمة الى اللغة اليونانية فصارت Libanos وان كان اسمه في بعض اللغات الأوروبية مختلفا عن هذه الكلمة فهو في الانجليزية يسمى Frankincense أما كلمة كندر فهي حضرمية الأصل .


وتوجد في ظفار أربعة أنواع من الكندر تختلف باختلاف المناطق ومدى ارتفاعها وابتعادها عن الساحل أجودها اللبان " الحوجري " الذي تنمو أشجاره في الأجزاء الشرقية من المنطقة ويليه في الجودة النوع الثاني المعروف باسم «النجدي» وتنمو أشجا ره في منطقة "نجد" الواقعة الى الشمال من مرتفعات ظفار الوسطى، أما النوع الثالث فهو الذي تنمو أشجاره قرب ساحل ظفار ويسمى "شعبي" وهو أقل الأنواع جودة يليه النوع الذي ينمو على جبال القراء الممتدة وراء الساحل ويسمى "شزرى" وهو نوع جيد. ثم النوع الرابع الذي ينمو فوق المرتفعات وراء


الجبال ويسمى "نجدي" وهو نوع جيد أيضا (24). ويلاحظ أن الظروف الطبيعية تضافرت في منطقة ظفار لتجعل من كندر ظفار نوعا ممتازا مما أدى الى رواجه الكبير في أسواق العالم القديم، فالكندر يجود إذا نمت أشجاره فوق مناطق مرتفعة شحيحة المطر ولكن في بيئة ملبدة بالسحب، وهذه الظروف تتوافر في ظفار لأن الرياح الموسمية الجنوبية الغربية المحملة بالرطوبة من جراء مرورها فوق البحر عندما تصل الى خط الساحل تتسبب في تكوين ضباب وطبقات من السحب المتراكمة على منحدرات جيل القراء فتتوفر بذلك الظروف الثلاثة الملائمة لنمو أشجار الكندر الجيد، وهي الارتفاع والجفاف النسبي والجو الملبد بالسحب والضباب . ومن الملاحظ أيضا أن طريقة جمع محصول الكندر في الصومال هي نفس الطريقة المتبعة في ظفار تقريبا وهي شق الشجرة في شهر فبراير وتستمر عملية الشق طوال شهري مارس وابريل (25) ويتم طوال هذه المدة جمع المحصول . ويلاحظ أن الأسماء التي تطلق على عملية استخراج الكندر من الأشجار وكذلك أسماء الأدوات المستخدمة فيها عربية الأصل ، مما يدل على الارتباط بين سكان منطقتي نمو الكندر في شمال الصومال وفي جنوب شبه الجزيرة العربية ، فمثلا يسمي الصوماليون عملية شق الأشجار "زرعا" ويسمون الاناء الذي يجمعون فيه العصارة المتجمدة "زمبيل " (26) ويلاحظ أيضا أن الأداة التي كانت تستخدم في شق الاشجار لها اسم واحد في كل من الصومال وظفار هو "المنقف " وهي كلمة حضرمية الأصل ، والمنتف عبارة عن أداة ذات يد خشبية ورأس حديدي مستدير الشكل ويلاحظ أيضا أن مناطق انتاج الكندر قديما هي نفس مناطق انتاجه حاليا.


وقد تحدث الكثير من الكتاب الكلاسيكيين (27) عن مناطق انتاج الكندر، ونلاحظ أنهم ميزوا بين كندر الصومال وبين كندر الجزيرة العربية ، وقد أطقوا على كندر الصومال اسم كندر الشاطيء البعيد، بينما أطلقوا على كندر ظفار اسم الكندر السخاليتي ، نسبة الى الاسم الذي أطلقه هؤلاء الكتاب على خليج القمر، في جنوب ظفار، وهو سخالية سينوس ، وهذا الاسم يرجع في الأصل الى اسم عربي جنوني قديم كان يطلق في نقوش "المسند" على منطقة ظفار وهو (سأكل ) أو (سأكلن ) ويلاحظ أن بقايا هذا الاسم ظلت حتى اليوم في منطقة "الشحر" ومن الملاحظ أن حرف السين في اللغات القديمة يتحول على ألسنة الناس بمرور الزمن الى حرف الشين ، وكذلك حرف اللام يتحول الى حرف الراء ويحدث العكس أيضا (28). وان كانت منطقة الشحر تقع الى الغرب من خليج القمر. ولاشك أيضا أن تسمية كندر الشاطىء البعيد هي الأخرى تسمية عربية جنوبية قديمة ، ومن الواضح أن هذه التسمية كانت من وجهة نظر سكان الجزيرة العربية لكي يفرقوا بين كندر الصومال وبين كندر بلادهم ؟ وكان جزء كبير من لبان الصومال يجلب الى موانيء الجزيرة العربية وخاصة ميناء «المخا» حيث يعاد تصديره الى البلاد الواقعة شمال البحر الأحمر وخاصة مصر وذلك في العصر اليوناني الروماني.


وقد وصف الكتاب الكلاسيكيون أيضا المواني، التي كان الكندر يصدر منها في جنوب شبه الجزيرة العربية في منطقة ظفار وحضرموت ومن الواضح أنه كانت هناك ثلاثة موانيء رئيسية لتصدير اللبان وهي من الشرق الى الغرب : ميناء أطلق الكلاسكيون عليه اسم «موسكا» ومكانه الآن خور روري وهو موقع يسمى في نقوش المسند «سمهرم » أو «سمرم» ثم ميناء «سيجاروس » ومكانه الحالي «رأس فرتك» وأخيرا ميناء "كانا" وهو محور عن الاسم العربي القديم «قنا» ومكانه الآن «بئر علي» (29) اما الطريقه التي كان ينقل بها المحصول ، فكانت تتم بنقله بالقوافل من مناطق نمو أشجاره في الداخل الى ساحل البحر حيث يتم تجميعا في ميناءي "موسكا" و "سيجاروس " ومن هذين الميناءين كان محصول الكندر ينقل بالبحر نحو الغرب الى ميناء «قنا» إما في قوارب أو فوق أطواف خشبية تحملها قرب منفوخة ، وكان هذا النقل يتم خلال فصل الشتاء، ومن الواضح أن سبب هذا التوقيت هو الاستفادة من الرياح الموسمية الشمالية الشرقية التي تدفع هذه القوارب والأطراف من الشرق الى الغرب ومازال هذا التوقيت متبعا حتى يومنا هذا. وبعد وصول الكندر الى ميناء «قنا» كان نقله إما أن يستمر بحرا أو برا بالقوافل الى «شبوه »، العاصمة القديما لدولة حضرموت ثم «تمنع» (هجر كحلان الحالية في وادي بيجان) عاصمة دولة «قتبان » القديمة ومنها الى سائر عواصم الدول العربية القديمة مثل مأرب عاصمة دولة سبا ومعين عاصمة دولة معين القديمة . ومن ثم نرى أن تجارة الكندر كانت تمر بعواصم الدول العربية القديمة . والحقيقة أن كل دولة من هذه الدول كان تحرص اشد الحرص على مرور هذه التجارة الثمينة في أراضيها كما كان من مصلحتها تامينها وضمان استمرارها؟ وكان الميناء الرئيسي لتصدير اللبان هو ميناء خور ووري؟ فشيد ملوكها القلاع والحصون في هذه المناطق لهذا الفرض ، ودليل ذلك العثور على اسم أحد هؤلاء الملوك المسمى في نقوش المسند «إبل - عز» محفورا على أطلال قلعة قديمة في ميناء خور روري. وقد عاش هذا الملك في القرن الأول الميلادي وكان معروفا لدى الكتاب الكلاسيكيين باسم «إليازوس » وقد وصفوه بأنه «ملك بلاد البخور».


ويمكننا أن نستخلص من هذا البحث أن بلاد "بونت " أو «بنت » هي بلاد ظفار الواقعة في جنوب عمان ، وأن الاسم الذي أطلقه المصريون عليها هو نفس الاسم الذي كان يطلقه عليها أهل بلاد اليمن وهو "بنت " والذي يعني باللهجة الجبالية المكان الموحش أو المرعب (شنك بنت عيرت ). ونأمل من الله سبحانه وتعالى أن نكون قد وفقنا في ذلك البحث .

الهوامش


1- K.Kitchen, “Punt and How to Get There" in Orientalia 40, 1971, p 1888


2- R.Herzog, “Punt” in Abhandlungen des Deutschen Archaologischen Instituts Kairo 6, 1968, p 29.


3- J. Krall, Studien Zur Geschichte des AltenAegypten IV, "Das Land Punit" Wien, 1890.


4- R. Herzog, Op. Cit , P. 30.


5- Heper, Arabian and African Frankincense Trees in JEA 55, 1969, p.69.


6- د. عبدالمنعم عبدالحليم: محاولة لتحديد موقع بلاد بونت، مطبوعات جمعية الاثار بالاسكندرية، دراسات اثرية وتاريخية العدد الخامس


14-ابن خلدون : مقدمة - تحقيق د. علي عبدالواحد راني - القاهرة 1957 ~ المجلد 2، ص 35.


15- القرآن الكريم : سورة الأحقاف 46، آية 21.


16 - الهمداني : صفة جزيرة العرب - القاهرة )195 - ص 80: المسعودي : مروج الذهب ومعادن الجوهر - القاهرة 1958 - الجزء 2، ص 40 السيد عبدالعزير سالم : دراسات في تاريخ العرب قبل الاسلام - الإسكندرية 1967- ص 54.


17- Herzog, Punt, Ab. 6, p. 66.


18- د. عبدالمنعم عبدالحليم : المرجع السابق ص 29.


19- Herzog, Op. cit., p. 66.


20- Kitchen, Op. cit., p. 186.


21- Cf. Marine Science and Fisheries Centre, Results of R/V Rastrelliger Acoustic and Travel Survey 1989/1990 for Marine Fisheries Resources of the Sultanate of Oman- Muscat 1991, p. 6-7.


22-د. سليم حسن: مصر القديمة، ج4 القاهرة 1948، ص 572- 583.


23- Cf. Davies, Painting from the Tomb of Rekh-mi-Re at Thebes, New York 1935, pl. 1.


24- عبدالقادر الغساني: أرض اللبان في سلطنة عمان - مجلة حصاد ندوة الدراسات العمانية - المجلد الأول 1980- ص 177- 187.


25- عبدالقادر الغساني، المرجع السابق ص 191.


26- Strabo, Geography, Book XVI; Periplus, Maris Erythraei, p/148 – 149; Pliny, Natural History, Book XII, 54.


27- د. عبد المنعم عبدالحليم : المرجع السابق ص 146 - 147.


28 -وندل فليبس : عمان المجهول - طبعة 1977- ص 197، عبدالقادر الغساني: المرجع السابق - ص 223.


29- د. عبدالمنعم عبدالحليم : المرجع السابق - ص 148.

معنى إسم اليمن .

حقيقةً هناك تقسيمان قبل زمن النبي إبراهيم (ع) و بعد إبراهيم عليه السلام فقبل إبراهيم المركز كان ببكة أي موقع جنة آدم والتي نحاول تحديدها بجمع معلومات عن الأنهار المقدسة بالسراة إلى جانب تقسيم العرب القدماء والذي وصلنا اليوم فوجود الشاقة اليمانية ( عليب ) إلى جانب الشاقة الشامية ( حلية ) حدد المركز و التقسيم بالنسبة لبكة فما هو جنوب الشاقة اليمانية هو يمن و ما هو شمال الشاقة الشامية فهو شام و ما بين الواديان هو مركز العالم ( بكة ) بقيت دلائل هذا التقسيم على لسان العرب فمثلاً العقيق اليماني الذي يتزين به الرجال بخواتيمهم اليوم أصله مدينة العقيق بالسعودية فقبل نشأة السعودية كانت ولا زالت مدينة العقيق تقع جنوب الشاقة اليمانية لذا فهي يمانية فعرف عقيقها باليماني حتى اليوم رغم إنها بالسعودية و كذلك الحال مع الكعبة المشرفة فهي تقع شمال الشاقة الشامية لذا هي شامية و لذلك هناك بعض الأقاويل بالتراث تدل على أن العرب كانت تدعوا الكعبة المشرفة بالكعبة الشامية و أنت الآن تعرف السبب في قولهم ذلك و لكن الحال تغير بعد بعث إبراهيم عليه السلام تحول حينها المركز إلى مكة لقوله تعالى { وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ }( الحج/27 ) . { لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ }( الحج/28 ) .  وصار الحج لمكة من يومها إلى الآن فنقل العرب التقسيمات إلى المركز الجديد فصار من بعد عهد إبراهيم كل ما هو جنوب مكة يمن و كل ما هو شمالها شام و جعلوا واديان يمتدان من مكة أحدهم باسم الوادي اليماني و الآخر الوادي الشامي  وصار هناك أحياء بمكة شامية و آخرى يمانية و هذا يدلنا على أن الحج قبل إبراهيم كان لبكة لأنها هي مركز العالم حيث البيت المعمور و هو محج الملائكة و بعد إبراهيم وضع الله مركز جديد للعالم و هي المسجد الحرام بمكة وهي الآن محج الناس جميعاً .