الأربعاء، 25 أبريل 2018

( في أصول حضارة اليمن القديمة ) " دراسة تحليلية نقدية "

( في أصول حضارة اليمن القديمة )
" دراسة تحليلية نقدية "

=====================================

• المعلومات والأدلة الأثرية والجيمورفولوجية والمناخية تشير إلى أن اليمن كانت منطقة ملائمة للزراعة والاستقرار في فترة العصر البرونزي ، فقد عثر مؤخراً على بقايا أنظمة للزراعة والري والمساكن والأدوات المنزلية كالفخار والرحى في مناطق خولان والحدأ (de Maigret 1984, 1990) وتهامة (Tosi 1985) وقانيا ووعلان ووادي الجوبة وبدبدة ( Ghaleb 1990, 1992) ووادي بيحان ( Bowen 1958) ومارب (Brunner 1983) أوضحت نتائج التحقيقات والدراسات التي أجريت عليها أنها تنتمي لثقافات العصر البرونزي وهي ثقافات حضرية لمجتمعات مارسوا إنتاج الطعام وصناعة الفخار والتعدين ، وأنها تمتلك خصائص ومميزات تعكس أصالتها المحلية ومراحل نموها المختلفة ، رغم أنه كان نمواً بطيئاً ، لكنه كان طبيعياً ومتواصلاً .
______________________________________________

• و لأن المعلومات والأدلة التي زودتنا بها تلك المكتشفات تفيد في التعرف على مميزات وخصائص ثقافات العصر البرونزي في اليمن وتدعم رأينا أن المعلومات والاستنتاجات التي بنيت عليها نظريات الفجوة في الثقافات القديمة في اليمن ناقصة وغير أساسية ، لذلك ينبغي علينا عرض نتائجها في الآتي :

في وادي الجوبة
تشير نتائج الدراسات الأثرية والجيمورفولوجية التي أجريت في وادي الجوبة إلى أن جزءاً كبيراً من طبقات الإرساب الطمئي في الوادي تتكون من التربة الناعمة والرملية والحصوية ، وهي لإرسابات صلبة مستوياتها التحتية (السفلى) كانت قد ترسبت طبيعياً خلال العصور الجيولوجية "بليستوسين" و "هولوسين" (Overstreet, Grolier, Toplyn 1988) ، تعلوا الإرسابات الطبيعية إرسابات العصر الهولوسيني الحديث التي تكون طبقات التربة الزراعية المختلفة ، وتفصل بين الإرساب الطبيعي وإرساب التربة الزراعية طبقة رمادية أو سوداء كانت قد تكونت خلال الفترة الرطبة خلال العصر الوسيط والحديث من عصر الهولوسين ، وقد أعطت نتائج تحليل عينات راديو كربون المشع تواريخ لهذه الطبقة تعود إلى الألف السابع والألف الخامس قبل الميلاد (Ghaleb 1990; Overstreet, Grolier, Toplyn 1988) .
______________________________________________

• مناقشات واستنتاجات
من واقع استعراضنا للنظريات التي تناولت ظاهرة الثقافات المتطورة التي كانت سائدة في الألف الأول قبل الميلاد في اليمن ، وجدنا أنها وقعت في الخطأ عندما أعتقد أن تلك الثقافات لها أصول أجنبية وكذلك في تفسيرها لغياب ثقافات العصور البرونزية في مناطق الأراضي السهلية في اليمن ، بأنه كان "فجوة"  في الثقافات اليمنية القديمة امتدت من الألف الرابع حتى الألف الأول قبل الميلاد . وجاء رفضنا التسليم بهذه النظريات تأكيداً للرأي بأن النمو الثقافي في اليمن في الفترة التي سبقت الألف الأول قبل الميلاد – رغم أنه كان بطيئاً – كان طبيعياً ومنتظماً ، وأن الخصائص المميزة لتلك الثقافات التي أبرزتها الدراسات الأثرية الحديثة هي خصائص محلية ، وأن تفسير عدم تمكن البعثات الأثرية أو الأثريين الذين أنجزوا أعمال المسح والتنقيب الأثري في الماضي ، من العثور على مستوطنات ومواد أثرية تنسب لفترة العصور البرونزية بأن هناك فجوة ثقافية امتدت لتشمل هذه الفترة . وكان لغياب الإستراتيجية الواضحة للعمل الأثري في الماضي أثر في تحديد أهداف البحث الأثري وتوسيعه .

• وكانت الدراسات الأثرية والجيمورفولوجية الجديدة قد كشفت لنا عن معلومات ومواد أثرية ومستوطنات سكنية ، تخبرنا نتائج التحقيقات والتحليلات التي أجريت عليها أن مناخ شبه الجزيرة العربية بدأ منذ الألف السادس قبل الميلاد يميل تدريجياً نحو الجفاف ، وأنه أستمر إلى ما بعد الألف الثالث قبل الميلاد ( Ghaleb 1990: 27-31; Grolier 1988: 350; Zarins et. Al. 1979: 10; Brice 1978: 51-55; MacClure 1976, 1978, 1984) . ومن الجائز أن يكون هذا التغير المناخي قد انعكس بدوره على حياة الناس والحيوان والنبات ، فالمعلومات المنشورة تشير إلى أن الإنسان لجأ في حوالي الألف الرابع قبل الميلاد وربما الألف الخامس قبل الميلاد إلى الاستقرار وإنتاج الطعام في مناطق المرتفعات الجبلية (Ghaleb 1990; de Maiget 1990) . وتوضح المعلومات والدلائل الأثرية والجيمورفولوجية التي جاءت من هذه المناطق في المرتفعات الجبلية أن السكان خلال هذه الفترة عاشوا في قرى زراعية على ضفاف الوديان الرئيسية والفرعية التي كانت ملائمة للعيش وتتوفر بها المصادر الاقتصادية الأساسية . وكان السكان في هذه القرى يمارسون الزراعة وتربية الحيوانات وفق نظام اقتصادي – اجتماعي دقيق ، كشفت عنه الدراسات وتحليلات طبعات النباتات على الفخار وعينات عظام الحيوانات (Fedele 1984, 1990; Costantini 1990; Ghaleb 1990) ، كما أوضحت نتائج هذه الدراسات والتحليلات أن الزراعة في تلك المناطق كانت تعتمد على الأمطار الموسمية ، وأنه كان هناك موسمان للزراعة في السنة ، مارس السكان خلال الموسمين زراعة الشعير والذرة السكرية والحنطة والدخن والشوفان ، وربما أيضاً مارسوا زراعة النخيل وفاكهة الشطب (Costantini 1984, 1990) . وقد عثر على بقايا أقنية الري البدائية والحقول الزراعية في عدد من مناطق المرتفعات الجبلية تؤرخ بحوالي الألف الرابع – الألف الثالث قبل الميلاد (Ghaleb 1990) .
______________________________________________

• مما تقدم نستطيع القول أن المعلومات والأدوات والمواد الأثرية والجيمورفولوجية التي كشفت عنها مؤخراً الدراسات العلمية وتضمنتها هذه الدراسة التحليلية النقدية ، جاءت لتؤكد صحة الرأي أن "الفجوة" لم تكن ثقافية بل هي فجوة في المعرفة الأثرية بثقافات العصر البرونزي في اليمن ، وأن هذه الفجوة في المعرفة الأثرية كانت قد نتجت عن إهمال الأثريين المهتمين بآثار الشرق الأدنى القديم إدخال اليمن ضمن إستراتيجية أبحاثهم الأثرية ، فقد كانوا ينظرون إليها على أنها منطقة صحراوية وجبلية وعرة ، وبالتالي فهي منطقة غير مهمة ، بالإضافة إلى عدم معرفة المؤسسات الرسمية في اليمن لأهمية البحث الأثري في الكشف عن ثقافات الماضي بحثاً عن أصول الحاضر فيها . وكان هذا التجاهل قد سبب نقصاً في السجل الأثري الذي يحتوي على أهم المعلومات والأدلة الأثرية عن ثقافات اليمن في فترة العصر البرونزي التي بلغت أوج ازدهارها في فترة العصر الحديدي (الألف الثاني – الألف الأول قبل الميلاد) .
______________________________________________

• و يرجح أن ذلك الازدهار الذي بلغته تلك الثقافات كان مرده تنشيط التجارة الخارجية الذي أرتبط بفاعلية النظم الزراعية واقنية الري المتطورة والتعدين وقيام دويلات المدن التي أرست قواعد النظم السياسية والدينية والاقتصادية والاجتماعية ، والتي جاءت كنتيجة لتطور المراكز الإدارية والاقتصادية والسياسية التي نمت منذ منتصف الألف الثاني قبل الميلاد في أودية الأرض السهلية القريبة من الحدود الغربية لرملة السبعتين (Ghaleb 1990) ، وأن الثقافات التي ازدهرت في هذه المدن والمراكز الكبيرة هي ثقافات محلية تعود عناصرها الأساسية لثقافات العصر البرونزي في اليمن . كما أن مستوطني المدن والمراكز الكبيرة في أودية الأرض السهلية هم يمنيون كانوا يعيشون في مناطق المرتفعات الجبلية قبل انتقال أعداد منهم للعيش في هذه الوديان الكبيرة ، وكان التحول المناخي قد دفعهم إلى الهبوط من بيئتهم الجبلية إلى الاستقرار في أودية الأرض السهلية في حوالي نهاية الألف الثالث /بداية الألف الثاني قبل الميلاد (Ghaleb 1990; Brunner 1983) .
______________________________________________

• و لذا فمن المهم أن نوضح هذا الرأي الذي تدعمه نتائج الدراسات الأثرية والجيمورفولوجية الحديثة في اليمن . فقد تحقق لنا من هذه الدراسة التحليلية للمعلومات والأدلة الأثرية والجيمورفولوجية أعلاه من ناحية ظاهرة نمط المستوطنات وتراصف طبقات التربة الزراعية أو المواد الأثرية أن هناك احتمال قوي أن يكون السكان الذين عاشوا خلال المراحل الأخيرة من العصر الحجري الحديث في مناطق المرتفعات الجبلية قد مارسوا الزراعة كنشاط اقتصادي بدائي إلى جانب الجمع والصيد التي ظلوا يمارسونها كنمط اقتصادي تخصصي إلى أن استكملوا معارفهم بالزراعة وتحولوا إلى ممارستها كنمط اقتصادي أساسي . فقد بينت نتائج تحليلات عينات التربة وطبعات النباتات على الفخار وراديو كربون المشع وأنماط التخطيط الهندسي للمساكن أن مناطق المرتفعات الجبلية كانت قد شهدت نشاطات استيطانية وزراعية وصناعة الفخار والتعدين في حوالي الألف الرابع قبل الميلاد ؛ وأن سكان تلك المناطق مارسوا نشاطات تخصصية في إطار النمط الاقتصادي البدائي (الجمع والصيد) ، وأنه في حوالي الألف الخامس قبل الميلاد عرف سكان هذه المناطق الزراعة وزادت ميولهم نحو ممارسة إنتاج الطعام فكثفوا من نشاطهم الزراعي وتحولوا تدريجياً إلى ممارستها كنمط اقتصادي إنتاجي حل محل النمط الاقتصادي البدائي السابق (الجمع والصيد) .
______________________________________________

• و أنه من مناطق المرتفعات الجبلية كان انتشار المعرفة بالزراعة تدريجياً نحو الأراضي المنخفضة إلى أن وصلت الوديان الكبيرة في الأراضي السهلية التي تقع على ارتفاع ألف متر من مستوى سطح البحر ، وكان وصول فكرة الزراعة إلى تلك الوديان الكبيرة في حوالي نهاية الألف الثالث/بداية الألف الثاني قبل الميلاد . وكان هذا الانتشار التدريجي للزراعة قد ارتبط بالارتفاع المستمر في الكثافة السكانية ، والمعرفة المتقدمة بالزراعة والمستوى الحسن الذي حققه السكان في إنتاج أدواتهم ، وكذلك التحول المناخي ، فقد تغيرت موجات المطر وأخذت في الاختفاء المتدرج منذ حوالي الألف الثالث قبل الميلاد . ومن هنا دفعتهم تلك الأسباب إلى الهبوط من بيئتهم الجبلية والاستقرار في تلك الوديان ، لهذا كانوا أجداد سكان المدن والقرى الكبيرة التي نشأت في الألفين الثاني والأول قبل الميلاد في تلك الوديان الكبيرة ، والذين أطلقوا على أنفسهم أسماء السبئيين والقتبانيين والمعينيين والحضرميين والأوسانيين ، ووردت إشارات لهم في التوراة والنقوش الأشورية القديمة ، وفي المصادر الكلاسيكية اليونانية والرومانية ، وفي القرآن .
______________________________________________

• نحن هنا لا ننفي وجود إسهام ثقافي أجنبي ، وهو ما تشير إليه بعض تلك المصادر التاريخية والأثرية المذكورة أعلاه ، وإن وجد فهوا إسهام غير مباشر حدث بحكم الاتصالات المستمرة لليمنيين القدماء مع مجتمعات مدن الشرق الأدنى القديم واليونان ، لكنه لم يرتقى إلى مستوى الإسهام الفعلي في تشكيل الأنماط الثقافية التي ازدهرت في الألف الأول قبل الميلاد في اليمن أو في تحديد اتجاهاتها وتطورها . وأن تلك الصلات كانت فقط عاملاً من عوامل التقارب بين الثقافات التي ظهرت في اليمن في الألف الأول قبل الميلاد والثقافات المعاصرة لها في بلدان الشرق الأدنى القديم وبلاد اليونان .
______________________________________________

المصدر :
د. عبده عثمان غالب : مقالة في مجلة التاريخ والآثار ، العددان الثاني والثالث 1993-1994 . ومنذ ذلك الوقت توالت الأعمال والاكتشافات الأثرية في اليمن ، وجميعها تؤكد صحة المعلومات العلمية والأدلة الأثرية التي وردت في المقالة لدحض تلك الفرضيات. ولأهمية تلك المعلومات والأدلة الأثرية ، والطريقة التي اتبعت في عرضها نعيد نشرها للاستفادة من المعلومات والأدلة الواردة فيها والمنهج العلمي الأثري الذي استخدم في عرضها .

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق