الأربعاء، 25 أبريل 2018

( الرسوم و النقوش الصخرية لعصور ما قبل التاريخ في منطقة الباحة و دلالاتها التاريخية و الحضارية منذ 20 ألف سنة قبل الميلاد )

( الرسوم و النقوش الصخرية لعصور ما قبل التاريخ في منطقة الباحة و دلالاتها التاريخية و الحضارية منذ 20 ألف سنة قبل الميلاد )

" د . أحمد سعيد قشاش الغامدي أستاذ و عميد كلية الآداب و الباحث في علم الآثار بجامعة الباحة "
________________________________________

* توضيح : الباحة اليوم تقع جنوب السعودية و هي تقع من ضمن أراضي " تيمن " اليمن التاريخية القديمة .

 خلال الحقب التاريخية الطويلة تعاقب على الجزيرة العربية أحداث جولوجية عنيفة و أحوال مناخية عظيمة تصادمت بقارات و إنفصلت عن أخرى ثارت فيها البراكين و تدفقت منها الصهارات الملتهبة غمرت البحار بعض أجزائها و إنحسرت عن أخرى تحركت إلى القطب الجنوبي فغطى الجليد معظم أراضيها لملايين السنين و زحفت شمالا إلى خط الإستواء فنعمت بالدفئ و الرطوبة و إنهمرت فيها الأمطار و جرت الأنهار و تخللتها البحيرات إكتست بالغابات الكثيفة و المروج الخضراء و رتعت فيها الحيوانات الضخمة كما تعاقب عليها عصور أخرى من الجدب و الجفاف و مع بداية الزمن الجيولوجي الرابع تحديداً أي من نحو مليوني سنة مضت أخذت الجزيرة العربية شكلها و موقعها الحالي و كان من أبرز أحداث هذا الزمن تعرض نصف الكرة الشمالي لزحف جليدي أمتد جنوباً حتى دائرة عرض 40 ْ و إستمر ذلك الجليد في مد و جذر خلال هذه الحقبة الزمنية فيما يعرف بدورة وُرم ( wurm ) الجليدية التي تتكرر مرة كل ( 12000 ) سنة تقريباً و في العصر الحجري الأعلى و المتأخر ( أي في الزمن 35000 – 6000 ق.م ) كان الجليد يغطي أوربا كافة و حوض البحر الأبيض المتوسط و كانت مصر و بلاد الشام و ما حاذاهما من المناطق شديدة البرودة و خالية في معظمها من السكان على حين كان جنوب الجزيرة العربية ( اليمن القديم ) ينعم بمناخ رطب دافئ تغزر فيه الأمطار و تكثر فيه البحيرات و الأنهار و كان هنالك غطاء نباتي كثيف و كانت الثمار البرية و القمح و الشعير و الدُخن و الذرة جميعها تنبت بشكل طبيعي دون أن تزرع و كانت الحيوانات تسرح في جبال هذه المنطقة و سهولها بأعداد كبيرة و أنواع مختلفة نتيجة الغطاء النباتي الكثيف و الأحوال المناخية المناسبة .

و يؤكد علماء الأرض و المناخ أن الجزيرة العربية توشك أن تعود مروجاً و أنهاراً كما كانت في الدورات الجليدية الماضية و ذلك لإقتراب عصر جليدي جديد حيث بدأت الثلوج و العواصف الثلجية تزحف من المناطق القطبية الشمالية نحو الجنوب و لولا الإحتباس الحراري بسبب الأنشطة البشرية لرأينا جزيرة العرب في هذه الأيام مروجاً و أنهاراً .

بدأ العصر الحجري القديم مع ظهور الإنسان على سطح هذه الأرض و إستمر حتى مئة ألف سنة قبل الميلاد و كان الإنسان في هذا العصر يعيش متنقلاً من مكان لآخر يبحث عن الصيد و يجمع الثمار البرية و يصنع أدواته من العظام و الحجارة و في هذا العصر عرف الإنسان كيف يشعل النار و يطهو طعامه و أما العصر الحجري الحديث فقد بدأ منذ مئة ألف سنة قبل الميلاد و إستمر إلى نحو 6000 - 4000 سنة قبل الميلاد أيضاً و في أواخر هذا العصر إستقر الإنسان و بدأ يستأنس الحيوان و يعمل في الزراعة .

و إستناداً إلى التنقيبات و المواقع الأثرية التي تم كشفها في أماكن من منطقة الباحة و عسير و جبال اليمن فقد تم العثور على مواقع أثرية كانت مسرحاً لنشاط الإنسان في هذه المنطقة قبل أكثر من مليون و نص سنة مضت عندما كان الإنسان يمارس الصيد و يجمع القوت بإستخدام أدوات حجرية بسيطة ساعدته على جمع قوته و الدفاع عن نفسه إلى جانب إستخدام الأدوات المصنوعة من عظام الحيوانات و الأخشاب التي كانت تستخدم على شكل مقابض تثبت فيها بعض الأدوات الحجرية و كانت من أقدر المواد على البقاء إذ تمكن العلماء بواسطة فحصها بالنظائر المشعة و أشعة الكربون 14 من التعرف على المراحل التي مرت بها الصناعات الحجرية خلال مختلف العصور بدءاً بالعصر الحجري القديم حتى العصر الحجري الحديث .
________________________________________

و تلك المواقع تقع جغرافياً في سلسلة جبال السَّراة اليمانية التي كانت بكهوفها الواسعة و مغاراتها العجيبة مهد الحياة الإنسانية الأولى و موطناً مثالياً لجأ إليه أوائل البشر على وجه هذه الأرض إذ لم تبدأ حياتهم على ضفاف الأودية و مياة الأنهار التي تجري في السهول و المنخفضات و إنما قامت على سفوح الجبال إذ كانت له الكهوف و المغاور في تلك الجبال بمنزلة البيت الذي يأوي إليه هرباً من قسوة الطبيعة من حر و برد و أعاصير و صواعق و ثلوج و من خطر المفترسات الضارية التي كانت تهدد حياته حيث كانت وسائل حياتهم محدودة و بدائية و كانوا يعيشون على هذه الجبال حياة غير مستقرة ينتقلون من مكان إلى آخر بحثاً عن الغذاء من صيد الحيوان و جمع البذور و الثمار .

و قد أمتن الله تعالى على عباده بأن جعل لهم من الجبال أكناناً أي مغاور و كهوفاً يأوون إليها قبل أن يكتشفوا صنعة الخيام أو بناء البيوت فقال عز من قائل : (( وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِمَّا خَلَقَ ظِلاَلاً وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبَالِ أَكْنَانًا )) النحل/ 81 .

و قد ثبت علمياً و تاريخياً و وثائقياً أن الجزيرة العربية بوجه عام هي مهد الإنسان الأول على هذا الكوكب و أن وجوده عليها بقي مستمراً دونما إنقطاع خلال عشرات الآلاف من السنين و هذا ما أكده مؤخراً جميع علماء إنسان ما قبل التاريخ يقول العالم البروفسور ( كون ) أستاذ التاريخ القديم و الآثار في جامعة بنسلفانيا : (( أن الصحراء العربية التي كانت جنة من الخصب على الأرض قبل أن يصيبها التصحر في العصر الدفيء الأخير إنما هي مهد الإنسان و المكان الذي إنطلقت منه كل الأقوام التي سكنت كل القارات و إن هذا الإنسان أقام في تلك البقعة أكثر من 30 ألف سنة متعاقبة دون إنقطاع و هذه المدة الطويلة لم تتحق لأية إقامة بشرية في أية بقعة أخرى من العالم و قد وُجد الإنسان العاقل في غابات المنطقة المكتظة و المندثرة حالياً ومراعيها الخصيبة الزائلة خير مكان يقطنه و يتطور فيه خلال الأزمنة التي كانت الحياة فيها متعذرة في أماكن أخرى بسبب الجموديات و الثلج )) المرجع : العرب و الساميون د. أحمد داوود ص 50 - 52 .

و تشير معظم الدلائل الأثرية و المصادر التاريخية و العربية المرتبطة بالكتب السماوية أن الأمم الأولى من قدماء العرب العاربة قد إنتقلوا من حياة الكهوف و الصيد و جمع الثمار البرية إلى الزراعة و تربية الماشية و التجمعات السكانية و بناء المنازل على ضفاف الأودية و البحيرات و ذلك منذ الألف العاشر إلى الثامن قبل الميلاد فهم بذلك أول من أسس أقدم المراكز الحضارية في العالم يقول ديورانت مؤلف كتاب ( قصة الحضارة - ج1 ص 241 ) : (( و لقد لفت شوينفرت أنظار العلماء إلى تلك الحقيقة الطريفة العظيمة الخطر و هي أن الشعير و الذرة الرفيعة و القمح و إستئناس الماشية و الماعز و الضأن و إن ظهرت كلها في مصر و بلاد ما بين النهرين من أقدم العهود المدونة إلا أنها لم توجد في حالتها البرية الطبيعية في مصر بل في بلاد اليمن و بلاد العرب القديمة و يستدل من هذا على أن الحضارة و هي هنا زراعة الحبوب و إستخدام الحيوانات المستأنسة قد ظهرت في العهود القديمة غير المدونة في بلاد العرب الجنوبية ثم انتشرت منها في صورة \ "مثلث ثقافي \ " إلى ما بين النهرين \ "سومر ، و بابل و أشور \ " و إلى مصر )) .

و لا شك إن منطقة الباحة التي تقع ضمن إقليم جنوب غرب الجزيرة العربية بجغرافيتها التي تشمل السلاسل الجبلية و سفوحها الغربية ( الأصدار ) و سهول تهامة و السفوح الشرقية هي من أقدم مواطن البشر على وجه هذه الأرض و ذلك يعود إلى تمتع هذه المنطقة كغيرها من مناطق جنوب غرب الجزيرة العربية بأنماط جغرافية و مناخية معتدلة أغرت إنسان ما قبل التاريخ بأن يتخذ من جبال هذه المنطقة و هضابها و كهوفها مأوى ظل يلجأ إليه من أقدم الأزمنة .

و إلى عهد قريب كان الرعاة و ما زالوا يلجئون إلى تلك الكهوف ذاتها في مواسم معينة من السنة و ذلك لحماية أنفسهم و أغنامهم و يسمون تلك الكهوف الحِلال جمع حِلَّة من الحلول و في جزيرة سقطرى اليمنية رأيت معظم سكانها ما زالوا يسكنون الكهوف و يعيشون على الرعي و جمع الثمار البرية كعادة أسلافهم منذ آلاف السنين .

وقد خلف ساكنو الكهوف و المغاور في هذه الجبال رسوماً و نقوشاً تصور موضوعات شتى و تمثل لهم أهمية قصوى فالأشكال البشرية و الحيوانات مثل الوعول و الأبقار و الماعز و الأسود و الذئاب و حيوانات أخرى غيرها بعضها منقرض و كذلك مناظر الصيد كل ذلك كان جزءا من الحياة المألوفة لدى أولئك الناس و لذلك عبروا عنها بالرسم على الصخور فضلاً عن عدد كبير من الكتابات و الرموز الغامضة نقشتت على واجهات الصخور في أماكن كثيرة لا يكاد يحصيها العد .

و تعد مناظر الصيد من أهم و أكثر الرسوم شيوعاً في الرسوم الصخرية لعصور ما قبل التاريخ في هذه المنطقة و هي تمثل وسيلة هامة للإتصال و التفاهم بين أولئك البشر في تلك العصور و تظهر بعض تلك الرسوم نزعة للتطور من الصور ذات الملامح البشرية و الحيوانية الواضحة إلى أشكال عودية تشبه كثيراً حروف النصوص العربية القديمة ( المسند الجنوبي ) .
________________________________________

و تنتشر شواهد و أماكن تلك الرسوم و النقوش في مواقع مختلفة من منطقة الباحة سوف أورد نماذج لعدد من تلك المواقع :

أولاً : رسوم جبل شدا الأعلى :
يتكون هذا الجبل العملاق و مثله جبل شدا الأسفل من الصخور النارية الجرانيتية التي إرتفعت و أنكشفت منذ قديم الزمان نتيجة للحركات الأرضية البانية للجبال و التي تعود إلى حقب ما قبل الكمبري و هو أقدم العصور الجيولوجية في تاريخ نشأة الأرض و من أبرز العناصر الطبيعية في هذين الجبلين مغارات عجيبة و كهوف واسعة تكونت بفعل عوامل التعرية خلال ملايين السنين و أخرى تكونت بفعل تسلل الغازات من الصهير الناري عند التبلور في الجزء الخارجي من ذلك الصهير فتركت مكانها تجاويف كروية أو مستطيلة أو بيضاوية الشكل تختلف أحجامها من صخرة إلى أخرى و هي كثيرة جداً في هذين الجبلين و لا سيما جبل شدا الأسفل و كهوف أخرى تكونت بفعل تساقط الجلاميد الضخمة فوق صخور أخرى فتكون بينهما فراغات كهفية واسعة و هذه الكهوف من المواطن الطبيعية المحصنة التي إستوطنها الإنسان منذ بدء الخليقة و ما زالت موطناً مثالياً للناس من أهل هذين الجبلين و هي إرث حضاري و ثقافي عظيم يجب الحفاظ عليه و الإستفادة منه و قد زرت عدداً من تلك الكهوف و المغارات في أثناء بحثي عن النبات و ألفاظه في هذين الجبلين الغنيين بالتنوع الحيوي فوجدت في العديد منها كنوزاً لا تقدر بثمن وجدت على جدرانها رسوماً ملونة غاية في الندرة و الأهمية إذ هي من أقدم الرسوم الصخرية التي عُثر عليها في كهوف العالم و ذلك إن بعضها يعود إلى العصر الحجري الأخير في الحقبة ما بين ( 20000 – 6000 ) سنة قبل الميلاد و ذلك إستناداً إلى تطابقها مع رسوم مشابهة لفن الكهوف في مواقع أخرى خارج الجزيرة العربية و من أمثلة ذلك رسوم كهف لاسكو بجنوب فرنسا و رسوم كهوف جبال تاسيلي التي تقع بين الحدود الليبية و الجزائرية شمال الصحراء الكبرى و في هذا التاريخ كانت منطقة الباحة و لا سيما سهول تهامة و السفوح الجبلية المنخفضة إذ القمم العالية في ذلك الزمن كانت شديدة البرودة أو تكسوها الثلوج في بعض فصول السنة أقول : كانت المنطقة بعامة تنعم كما أسلفت بمناخ رطب معتدل مطير جرت فيه الجداول و الأنهار و تكونت البحيرات و ذلك ساعد على ظهور غطاء نباتي كثيف و إنتشار كبير للحيوانات العاشبة و المفترسة من كل الأنواع .

و فيما يلي عرض لنماذج مختارة من تلك الرسوم :

1 - رسوم كهف هُريته ( غار الكَتْب )

تقع هذه الرسوم داخل كهف في صخرة عظيمة ملقاة على سفح جميل سهل الإنحدار يسمى هُريتة مليء بالكهوف الواسعة و يقع إلى الشمال الغربي من جبل شدا الأعلى على إرتفاع 900م . و نظراً إلى تلك الرسوم سمعت الرعاة من أهل ذلك المكان يسمونه ( غار الكَتْب ) و هذه الرسوم هي عبارة عن أشكال حيوانية و آدمية رسمت بصبغ أحمر من مادة الهيماتيت المأخوذة من أكسيدات الحديد الطبيعية و هي تشبه الدم أو من العصارة الحمراء لشجرة الخزم ( دم الأخوين ) التي تنبت بأعداد طيبة في هذا الجبل و تقع بوابة الكهف نحو الجهة الغربية و هو محمي من أشعة الشمس إلا في ساعة الغروب فإنها تصل إلى عمق الغار و لا سيما الجهة الجنوبية من مدخل الكهف و قد نُفذ الرسم على مساحة كبيرة من جدار الكهف و هو لعدد من الأنواع البقرية المنقرضة و هي شبيهة بالأبقار المبقعة لها وجوه تشبه وجوه المعزى و قرون تشبه قرون المها ( الوضيحي ) و لكن منحنية قليلاً إلى الوراء و لها أذيال طويلة غير مخصلة و يظهر الرسم تفاصيل دقيقة لتلك الأبقار تميز الذكور عن الإناث و يمكن ربط رسوم هذه الأبقار بالأحوال المناخية المطيرة التي كانت سائدة في ذلك العصر إذ الأبقار لا تعيش في الغالب إلا على موارد مائية دائمة على ضفاف الأودية أو البحيرات و يحيط بهذه الأبقار رسوم بشرية في وضع يوحي بأنها في وضع راقص فإلى أعلى الرسم من جهته اليسرى يظهر رجل يرتدي سيفاً على خاصرته و ذراعاه مرفوعتان إلى الأعلى و إلى جواره إمرأة و طفل أو طفلة و ترتدي تلك المرأة لباساً مزركشاً يشبه بعض الألبسة الحديثة له فتحتان طوليتان بأعلى الصدر، تميلان نحو الترقوة و هذا الشكل يبين أن هذه الملابس مفصلة و مخاطة من الجلد أو الصوف أو نحوهما و إن هؤلاء البشر قد عرفوا الخيط و الإبرة منذ أمد بعيد و تظهر المرأة من خلال الذراعين المرفوعتين و الجذع المائل أو المنحني و كذا الطفل أو الطفلة أنهما في رقصة تبدو أكثر تفاعلاً وحركية من الرجل و إلى الأسفل من هذا عدد من الرجال لنفس الرسام و لكن بلون مغاير و هؤلاء الرجال يظهرون في وضع راقص أيضاً و يرتدون سيوفاً على خصورهم و يظهر شعر الرأس في جميع هذه الرسوم ثائراً في خصلتين قائمتين مع ميل نحو صفحتي الوجه و فارق في الوسط و شاهدت ما يشبه هذه اللوحة للرسام نفسه تحت التَّحِي الأسفل من جبل شدا الأعلى في سفح شعب يدعى الحُمِيمة سيأتي الحديث عنه و على يمين هذه اللوحة في كهف هريتة نفسه يوجد رسوم أخرى و لكن تباين اللون و طريقة الرسم توحي بأنها رسمت في فترة زمنية مختلفة و هي مجموعة من الرسوم تمثل عدداً من الحيوانات منها حيوان يشبه البقرة و آخر يشبه الكلب أو الذئب و عدد من النعام و ربما أوحت رسوم النعام هذه ببيئة مناخية متأخرة بدأ يسود فيها الجفاف و يقف إلى جوارها رجل طويل القامة واضح الساقين يداه مرفوعتان و يعلق في خصره سيفًا و إلى أسفل هذه المجموعة حيوان غريب برتقالي اللون لم تتضح ملامحه و لكن هذه المجموعة الآخيرة قد أثرت فيها أشعة الشمس فبدت أقل وضوحاً من المجموعة السابقة
و يظهر أن الغرض من هذه المناظر الراقصة حول تلك الحيوانات إظهار بعض الطقوس الدينية أو التعبدية المرتبطة بالصيد و القرابين و التي ما تُصور غالباً في مجموعات و هي ظاهرة إستمرت إلى جاهلية ما قبل الإسلام و قد ذكر المؤرخون أن العرب في جاهليتهم كانوا يطوفون حول الذبيحة التي يقدمونها قرباناً للآلة و أن ممارسة الشعائر و الطقوس الدينية كالدوران حول الأصنام و القرابين كانت تؤدي و الأيادي مرفوعة و يعتقد كثير من الباحثين في علم الأجناس أن إنسان ما قبل التاريخ قد برع في رسم الحيوانات التي يريد صيدها كالأبقار و الوعول و الخيول و الجمال المتوحشة و ذلك إعتقاداً بأنه سوف يمتلك روحها و يسيطر عليها من خلال تلك الرسوم و بعضهم يرى أنهم إستخدموا هذه الرسوم لبعث الشجاعة لدى الصيادين و طرد الخوف من نفوسهم .

2 - رسوم شعب وادي الجوف :

تقع هذه الرسوم داخل كهف في شعب جميل به عدد كبير من الكهوف و المغاور على إرتفاع 1300م و يعلو وادي الجوف بنحو 50 م و هو واد ضيق رطب كثيف النبات ينحدر من أعلى قمة لجبل شدا الأعلى و تجري فيه المياة معظم أيام السنة و قد شكل ملجأ و ملاذا لبعض الأنواع النباتية النادرة التي كانت واسعة الإنتشار في العصور المطيرة و إنحصر وجودها الآن في بطون الأودية الدافئة و الرطبة كاللَّبَخ و الصَّوْمل و الظُّلاَّم و الحُمر و لا غرو أن يختار إنسان ما قبل التاريخ العيش في الكهوف القريبة من هذا الوادي و رسوم هذا الكهف ملونة بصبغ أحمر و تعود إلى الحقبة الزمنية للرسم السابق و هي لقطيع من الماشية يشبه بعضه الماعز و آخر يشبه الضأن و ظهر الجميع بألية طويلة كالذيل و لعلها لنوع كان بهذه الصفة لم يعد له وجود و لم تقترن هذه الرسوم بأشكال بشرية و نفذت بوضيعة الرسم الجانبي و بالخطوط الخارجية للجسم و حاول الرسام أن يُظهر بعض التفاصيل المميزة حيث رسم القرون بصورة تميز بين النوعين و ظهرت الضروع لبعض تلك الماشية بصورة بارزة للتأكيد على أنها إناث و إلى جوار هذه رسوم لعدد من رؤوس تلك الماشية فقط و لكن تظهر فيها القرون بصورة واضحة تميز بها نوع الضأن عن الماعز و إلى جانب ذلك رسم لرأسين يبدو أنهما لنوعين من الثيران أحدهما ذو قرون متجهة إلى الأمام و مقوسة نحو الداخل و الآخر ذو قرون مستقيمة و يحتمل أن هذه الرؤوس المنفصلة عن أجسادها ترمز إلى ثنائية الموت و الحياة أو إلى نوع القرابين المقدمة في طقوس العبادة .

3 - رسوم شعب الحُمِيمة :

يقع هذا الشعب شمال شدا الأعلى على إرتفاع 1200م و يشرف على وادي الجوف من جهته الشمالية و عثرت في هذا الشعب على ثلاث كهوف تحتوي على رسوم مختلفة أحدها سبقت الإشارة إليه و هو لنفس الرسام الذي نفذ رسوم كهف هُريته لكن الرسم هنا قد أثرت فيه عوامل الطبيعة بشدة فطمست أكثر معالمه و ما بقي منه يظهر بصورة باهته و لكن نهج الرسم و سماته تدل بوضوح على أنها للرسام نفسه و يقع الرسم الثاني في كهف لا يبعد كثيراً عن الكهف الأخير و قد نُفذ الرسم بطريقة مغايرة للرسوم السابقة إذ إعتمد الرسام أسلوب الكشط في الصخر أو الحك لإبراز الشكل المطلوب عن أصل الصخر و ربما كان ذلك من إستعمال مادة ذات قوام بارز و مغاير كالشيدة مثلاً و تقع الرسوم في تجويف غائر على شفير كهف واسع جميل و هي عبارة عن لوحة يظهر فيها قطيع من الغزلان و أنواع من السباع كالأسد و النمر الذي ما زال يتخذ من بعض كهوف هذا الجبل ملاذاً أخيراً له و يظهر أمام الأسد فريسة قد أجهز عليها يريد إلتهامها و من خلفه جمل يسير بحركة سريعة يوحي بذلك ذيله المرتفع و قوائمه الممتدة و المتباعدة و يمتطي ظهر هذا الجمل رجل إحدى يديه تحمل رُمحاً في حالة إستعداد للرمي و يده الأخرى تمسك بخطام الجمل و إلى جوار هذا الكهف كهف آخر صغير في جوفه رسم لرجل يمتطي ظهر جمله في هيئة تماثل الصورة الأخيرة و هو الكهف الثالث المشار إليه و يبدو أن هذه الرسوم ليست قديمة جداً فظهور الجمل فيها يعني أنها تعود إلى العصر البرونزي أو الحديدي أي قبل 2500 – 1500 سنة قبل الميلاد و هو الزمن الذي تم فيه إستئناس الجمل ما يعني وجود فارق زمني كبير بين هذه الرسوم و الرسوم السابقة .
________________________________________

ثانياً : رسوم جبل شدا الأسفل :
يُعد هذا الجبل امتدادا لجبل شدا الأعلى من ناحيته الجنوبية، ويحوي عددا لا يحصى من الكهوف والمغارات الطبيعية، قل أن يوجد لها نظير في أرجاء هذه الأرض. ويكتنـز عدد من تلك الكهوف رسومًا وكتابات أثرية نادرة، وقفت على بعض منها في قرية الفرع والأشراف والهُرير والدِّهنة وغيرها، وتمثل الأشكال البقرية نسبة كبيرة من تلك الرسوم، وسأورد أمثلة لذلك، مع تعليق مختصر، وأترك للباحثين وأصحاب الاختصاص مهمة الوقوف على الباقي من تلك الرسوم، وكشف دلالاتها العلمية وأبعادها التاريخية والحضارية . ومن أمثلة ذلك، ما يلي :

1 - رسوم قرية الفَرْع :

رسوم تحت قمة ندبة

يوجد في وسط هذه القرية وأطرافها عدد كبير من الرسوم، وأهمها رسوم كهف الأضاة، وهو كهف مكشوف يقع وسط القرية، وتوشك رسومه على الزوال بفعل عمليات الأكسدة والتعرية الطبيعية عبر الزمن الطويل. وهي رسوم تجريدية أو ملونة بشكلها الطبيعي، تصور مجموعة من الفصيلة البقرية، مقترن بها أشكال بشرية أنثوية في منظر طقوسي راقص . ويظهر أنه كان للبقر خاصة نوع من التقديس في في تلك الحقبة الزمنية ( 20000 – 6000 ) سنة قبل الميلاد. يدل على ذلك كثرة الرسومات التي تصور أشكالا آدمية تؤدي طقوسا دينية حول البقر .

2 - رسم كهف الهُرير :

يقع هذا الكهف في قرية الهُرير على يسار الطريق الوعر المؤدي إلى قرية الأشراف بأعلى الجبل، وفي داخل هذه الكهف كتابة نادرة في أربعة أسطر عمودية، رسمت فيها الحروف من الأعلى إلى الأسفل، بلون أحمر غامق، وهي كتابة ثمودية قديمة من أصل سبئي، يعود تاريخها تقديرًا إلى ألف وخمسمائة سنة قبل الميلاد . وهي لا تزال بحالة جيدة نظرا لوجودها في عمق الكهف حيث لا تصل إليها أشعة الشمس، ولا الرطوبة .

3 - رسوم كهف وادي الشُّوْق :

تقع هذه الرسوم داخل كهف بأعلى وادي الشُّوْق المنحدرة مياهه من السفوح والشعاب الجنوبية لجبل شدا الأسفل، على ارتفاع 300م . وهو كهف واسع مظلم، يحتوي في داخله على لوحات حافلة برسوم ملونة لأنواع من المخلوقات، منها أبقار مع مواليدها، وعدد كبير من الثيران، وأنواع من الماعز له ذيول طويلة، تنتهي بخصلة من الشعر، وغزلان، وخيول وحُمر، وبعض المفترسات، وتحتوي كذلك على أشكال بشرية باهتة في وضع راقص، وعلى بعض المخلوقات الغريبة، وعلى أشكال هندسية في هيئة مربعات ومستطيلات ومثلثات، وعلى رسومات أخرى غير مفهومة .
________________________________________

ثالثاً : رسوم شعب قَمِيشة بجبل أثرب :
رسوم نادرة تقع في جوف كهف بأعلى شعب قَميشة، إلى الشرق من وادي الخيطان الشهير، على ارتفاع 1200م ويسميه أهل ذلك الجبل ( غار الكَتْب ) كما يُسمى كهف هريتة السابق . وهي عبارة عن رسوم بشرية ملونة، مقنعة برؤوس حيوانية، ويبرز من بين الساقين ما يشبه الذيل، وربما يرمز ذلك إلى العضو الذكري، رسم بشكل مبالغ فيه؛ لأنه رمز الذكورة المخصبة من العقائد الوثنية القديمة . ويظهر واحد من تلك الأشكال يجر إليه وعلا أو غزالا بحبل، أو يصوب إليه رمحه . وهذا النوع من الرسوم البشرية الملونة، ذات الرؤوس الحيوانية المقنعة، تعد من أندر الرسوم الصخرية في العالم، وهو نمط من الرسوم موغل في القدم يعود تاريخه أيضًا إلى نحو (20000 – 6000 ) سنة قبل الميلاد. ويرى بعض العلماء أن مثل هذه الرسوم هي لمخلوقات وهمية أو أسطورية تتكون من حيوانات أو أشكال هجينة بجسم آدمي ورأس حيواني . وبعضهم يرى أن هذه الرؤوس الحيوانية ما هي إلا أقنعة يتنكر فيها الصيادون لخداع الحيوانات التي يصطادونها .
________________________________________

رابعاً : رسوم وادي خياصة في بالجرشي :
يوجد في هذا الموقع عدد من الصخور المتجاورة، يظهر عليها رسوم لحيونات عاشبة كالوعل والثور والحمار، ورسم لآدمي مقنع، له ذيل، كما في رسم كهف قَمِيْشة بجبل أثرب . إضافة إلى بعض الرموز غير المفهومة . وهي مرسومة أو منقوشة على الصخر بأسلوب الكشط أو الحك بأداة صلبة، وتعود للفترة ما بين (3000 - 4000) سنة قبل الميلاد . ومن هذا الزمن بدأت فترة الجفاف الحالية، ولكنه كان أقل شدة مما هو عليه الآن، كما أن الغطاء النباتي والحيواني كان أكثر كثافة وتنوعًا .
________________________________________

خامساً : نقوش سبئية - ثمودية من مواقع مختلفة :
مرت الرسوم الصخرية في هذه المنطقة خاصة والجزيرة العربية بعامة بتسلسل تاريخي طويل ، تطورت فيه الكتابة العربية من الرسوم الحيوانية والبشرية كوسيلة للاتصال والتفاهم إلى الحروف الأبجدية المتمثلة في صورة ما يعرف بالخط المسند السبئى أو الثمودي ، وهو خط عرب جنوب الجزيرة العربية الذي يعد أقدم الخطوط العربية قبل الإسلام، وقد بدأ في الظهور والتميز عن الأشكال الحيوانية والآدمية العودية، كما يقدر بعض العلماء، منذ العصر الحجري المتأخر أو البرونزي القديم في الفترة ما بين 3000 – 2500 سنة قبل الميلاد . واستُخدم الخط الثمودي على نطاق واسع في أنحاء الجزيرة العربية على شكل عبارات قصيرة ثمثل ذكريات وأدعية وخواطر شخصية وأسماء أعلام وأماكن، وغالبًا ما يتم العثور على هذه النقوش بالقرب من مواقع الكهوف الصخرية، وعلى طرق القوافل، وضفاف الأودية، ومناهل المياه . وعبارة ( الخط الثمودي ) تسمية اصطلاحية لهذا النوع من الكتابة العربية القديمة، ولا تعني بحال أن سكان هذه المنطقة أو من قام بكتابة هذه النقوش هم من قبيلة ثمود المذكورة في القرآن الكريم ومصادر التراث العربي . ومما لا شك فيه أن الخط اللاتيني أو الأوروبي المعاصر، والمنتشر اليوم على نطاق عالمي واسع مأخوذ من الخط العربي القديم الذي انتقل إلى شمال الجزيرة مع القوافل التجارية والهجرات البشرية . أخذه اليونان من العرب الذي هاجروا من هذه المناطق إلى الشمال واستوطنوا حوض البحر الأبيض المتوسط، وذلك في حدود سنة 1200 قبل الميلاد، والأدلة على أن الخط اللاتيني مأخوذ من الخط العربي القديم كثيرة، لا يمكن دفعها، ولا يتسع المقام هنا لذكرها . وذلك بعض من أعظم إسهامات الفكر العربي قبل الإسلام، فضلا عن إسهامات الحضارة العربية بعد الإسلام، في النهوض بالحضارة الأوروبية والإنسانية المعاصرة .

هناك تعليق واحد: