الأربعاء، 25 أبريل 2018

( الجنبتيو القتبانيون اليمنيون القدماء و حضورهم و تواجدهم العريق في التجارة اليمنية و ذكرهم في النصوص المصرية القديمة )

( الجنبتيو القتبانيون اليمنيون القدماء و حضورهم و تواجدهم العريق في التجارة اليمنية و ذكرهم في النصوص المصرية القديمة )

=================================

• مملكة دولة قتبان هي مملكة يمنية قديمة قامت في اليمن بجنوب الجزيرة العربية في حوالي القرن الحادي عشر - الثاني عشر ق.م و كانت عاصمتهم تمنع و أما إله القتبانيين القومي فهو " عم " و لقد تحدثت المصادر الكلاسيكية الإغريقية و الرومانية  عن القتبانيين فذكرهم " ثيوفراست " و " سترابو " و "بليني " و غيرهم و لقتبان ذكر في النصوص المصرية القديمة سنورده في سياق الحديث المخصص عنه و تاريخ قتبان العريق إحدى أقدم شعوب اليمن القديم .

• في عهد الملك تحتمس الثالث حيث جاء في نصوص عهده ذكر رسل جنبتيو محملين بمنتجاتهم من = كندر = ( 7-5, 695, IV. Urk ( و الذي يشير إلى القتبانيين كما عثر على إسم الملك أمنحتب
الثالث على جعران صغير في اليمن
Fakhry, A., An Archaeological Journey to Yemen I, 1952, fig.95 .

• و تذكر النصوص المصرية لهذا الملك وصول بعثة تجارية من جنوب الجزيرة العربية لعقد علاقات مع الملك المصري و ترجمة النص كالتالي ( عندما عاد جلالته إلى مصر إستقبل رسل الجنبتيو يحملون منتجاتهم « هداياهم » و التي تتكون من عنتيو « البخور » و الكاي « اللبان ») و من المعروف أنه تم الكشف عن ختم يحمل إسم الملك المصري تحوتمس الثالث .

• و قد ورد في الوثائق البردية أنها بلد أجنبي بعيد عن مصر تقـع ناحية المشرق وصل بعض مـن أهلها عن طريق البحر كما وصل مجموعة من ( الجبنيتو ) يحملون معهم المُر ظهرت ملامح سكانها منذ الأسرة الخامسة في عهد الملك ساحو رع .
______________________________________________

• و قد أطلقت النصوص المصرية القديمة إسم جنبتيو على جماعة جأت إلى مصر في عصر الفرعون تحوتمس الثالث تحمل إليه هدايا من الصمغ العطري و من البخور من ذلك النوع الذي إرتبط بمناطق البحر الأحمر " بونت " و هو الذي كان المصريون يسمونه " عنتيو " و هناك دراسة عميقة لهذا الموضوع للدكتور عبدالعزيز صالح رجح فيها أن يكون هؤلاء الجنبتيو من القبائل العربية الجنوبية المعروفة بالقتبانيين الذين كانوا يسكنون جنوب الجزيرة العربية التي إشتهرت في التاريخ القديم بإنتاج البخور .

• و من وجه آخر تشابهت تسمية ( جنبتيو ) أو ( جنبتيين ) لفظاً و موقعاً و تخصصاً أيضاً مع من ذكرهم كتاب من الإغريق و الرومان بإسم " جبانيتاي " Gebbanitae في سياق كتاباتهم عن جماعات الجنوب العربي و قد أشارة الرحالة إسترابون في القرن الأول قبل الميلاد إلى تسميتهم هذه ثلاث مرات نقله عن سلفه البعيد إراتوفينيس Eratothenes الذي عاصر القرن الثالث قبل الميلاد و نقل هذا السلف بدوره عن معلوماته بشأنهم عن رحالة آخرين تقدموا عهده ثم ردد الرحالة بليني في القرن الميلادي الأول ذكر قوم جبايتاي أيضاً في سياق حديثه عن الدول العربية الجنوبية و ذكر نقلاً عن آخرين سبقوا عهده أن عاصمتهم قامت في " تمنع " التي تضمنت على حد روايته 65 معبداً و وصفها بأنها مملكة إختصت بنوع معين من البخور كان ينسب إليها في مثل تسمية Geb-banitic myrrh ضمن أنواع البخور السبعة التي إشتهرت الجنوب العربي بإنتاجها و ذكر أن كميات كبيرة من تجارة البخور الحر ( Frankincense ) كانت تمر بأرضهم و عن طريقهم فيفرضوا عليها مكوساً طائلة و أضاف إن ميناء أكيلا Akila كانت تتبعهم ( Geb-banitic myrrh ) و هي ميناء تقع قرب باب المندب و مما يستوجب التعقيب هنا أن " تمنع " عاصمة الجبانيتاي في هذه الرواية هي ذات المدينة التي عرفها التاريخ عاصمة لدولة قتبان العربية الجنوبية و التي وصف إسترابون أهمية أهلها القتبانيين بمثل ما وصف به قوم جبانيتاي من حيث إمتداد نفوذهم حتى المضايق و مدخل خليج العرب على حد قوله أي إلى الداخل و على الساحل و من حيث إحتكارهم نصيباً كبيراً من حركة قوافل متاجر البخور بين مصادر إنتاجه في ظفار و حضرموت و بين الطرق المؤدية إلى واحات نجد و الحجاز و ما ورائها من ناحية و كذا إلى ساحل البحر الأحمر المفضي إلى أسواق الهلال الخصيب من ناحية أخرى و فقدت قتبان جانباً كبيراً من هذه الأهمية في أيام بليني .

• يورد ( ثيوفر استوس ) ( حوالى 212 ق.م ) كتيبا أو كتبينا ( Ksttabaina ) ( katabani ) ( قتبان ) ضمن ممالك بلاد العرب الجنوبية الأربع و هذه التسمية تتفق مع ما ذكره سترابو عن القتبانيين و ماجاء عند بليني كما ورد إسم قتبان في النقوش اليمنية القديمة و يصف سترابون هذه المملكة بأنها تشغل أقصى الزاوية الجنوبية الغربية من بلاد العرب في المنطقة المجاورة لمضيق باب المندب الذي يشكل مدخل البحر الأحمر و على ساحلها الجنوبي يقع ميناء عدن .

• و مع التجاوز عن ظواهر الإبدال في النطق و إختلاف أداة الجمع في تسمية ( جنبتيو ) المصرية القديمة و هي واو أخيرة تشبه واو الجمع العربية عن أداة الجمع أي ae في تسمية " جبانيتاي " الإغريقية يتضح مدى التشابه اللفظي بين أصول هاتين التسميتين من ناحية كما يتضح مدى قربهما معاً في الحروف الأساسية على أقل تقدير من أصل تسمية  ( القتبانيين ) العربية و يزكي هذا ما سبق التنويه به عن نص مصري متأخر العهد نوعاً ما ذكر قوم " جنبتيو " بإسم " قنبتيو " الأمر الذي قرب نطقه خطوة أخرى إلى صيغ إسمهم العربي المألوف .
______________________________________________

• و الذي يلاحظ على كلمة " جنبتيو " هذه أنها كتبت في هذا النص بمخصص شعب أو جماعة من الناس كما كتب الإسم في الحالات الأخرى التي ورد فيها على الآثار المصرية بمخصص شعب أيضاً و مثال ذلك كتابته على معبد رمسيس الثاني في أبيدوس بينما يلاحظ أيضاً أن إسم البونتيين كتب في نفس المعبد بأداة الجمع في الهيروغليفية التي تدل على مجموعة من الناس أو الشعوب ثم بمخصص يدل على مكان فماذا يعني هذا الإختلاف ؟ هل يعني أن الجنبتيو ( القتبانيين ) كانوا يأتون إلى مصر من جنوب الجزيرة العربية فلم يكن المصريون يرونهم إلا كتجار أو رُسل متنقلين و إنهم لم يرتادوا بلادهم أو يترددوا عليها بأنفسهم إن هذا الإستنتاج ترجحه المقارنة بين كتابة إسم الجنبتيو بمخصص شعب في نص رمسيس الثاني المشار إليه في حين كتب إسم البونتيين في نفس النص بمخصص أرض أو مكان رغم إن إسم البونتيين الوارد في هذا النص كتب في صيغة الجمع بونتيو ( الواو هو أداة الجمع في المصرية مثل العربية ) التي تعني شعباً أو شعوباً أو مجموعة أو جماعة من الناس و بعبارة أخرى فإنا المصريين كتبوا كلمة بونتيو بمخصص مكان رغم أن الكلمة تعني شعب و كان بلاد الجنبتيو في جنوب الجزيرة العربية .

• و تأسيساً على هذه المقارنات المتنوعة أمكن بقول يرتقي إلى الحقيقة و هي أن الجنبتيو و الجبانيتاي و القتبانيون إسماً و شعباً واحداً مع قليل من التمايز في طريقة نطق تسميتهم بين مصدر و آخر أو من زمن إلى آخر و أن يمثلوا فريقين متمايزين من أصول مشتركة تعاصرا في بلد واحد " الجنبتيو " الذين ذكرهم نص تحوتمس الثالث في القرن الخامس عشر قبل الميلاد أو الجبانيتاي عند الكتاب الكلاسيكيين و على أية حال فمن خلاصة هذه النتائج ما يعني أن الجنبتيين الذين ذكرهم نص تحوتمس الثالث أسلاف القتبانيين كانوا قد عرفوا برغبة بعثة حاتشبسوت السابقة على عهده في التعامل مع بلادهم و أسواقهم رأساً دون وساطة .

• و غير أننا من ناحية أخرى نلاحظ أنه في العصر الدولة المصرية الحديثة أيضاً وردت أسماء على الآثار المصرية مرتبطة بإسم بونت و قريبه في الوقت نفسه من بعض الأسماء ذات الأصل العربي الجنوبي و من ذلك الإسم " خبستيو " الذي ورد في نصوص حتشبسوت كمرادف للبونتيين و ذلك في العبارة التي يخاطب فيها الإله آمون الملكة حتشبسوت موضحاً فضله في تيسير الطريق أمام بعثتها التجارية إلى بونت أما البونتيون سكان بونت الذين لم يعرفهم أهل مصر هؤلاء الخبستيو المنتمون لأرض الإله فيرى الباحثين أن كلمة خبستيو الواردة في هذا النص شبيهة بكلمة حبش أو حبشات و هو إسم قبائل ذات أصل عربي جنوبي كانت تسكن منطقة المهرة في جنوب بلاد العرب و إنها هاجرت إلى الساحل الإفريقي للبحر الأحمر و إستقرت في الحبشة حيث أعطت هذه البلاد إسمها .

• إن كتابة كلمة أخرى هي كلمة خبستيو التي سبق ذكرها تفيدنا في هذه الناحية فإن أقدم كتابة لها و هي الواردة في رسوم حتشبسوت في الدير البحري كتبت بمخصص شعب و وصفتهم النصوص بأنهم البونتيون و كتب هذ الوصف بمخصص شعب أيضاً رغم أن المصريين كتبوا أحياناً هذا الإسم كما سبق أن ذكرنا بمخصص مكان حتى و لو كان في صيغة الجمع التي تدل على جماعة من الناس أو على شعب و قد سبق أن ذكرنا أيضاً أن هناك آراء كثيرة ترى في إسم الخبستيو هؤلاء القبائل العربية الجنوبية المعروفة بإسم الحبشات التي هاجرت إلى الساحل الإفريقي للبحر الأحمر و إستقرت في الحبشة و أعطت إسمها للبلاد و على هذا فإن الخبستيو هؤلاء يكونون من سكان الجزيرة العربية أصلاً و الوصف الذي أطلقه النص المصري المذكور على الخبستيو بإنهم " المنتمون لأرض الإله فالمقصود بأرض الإله في النصوص المصرية ( و خاصة في عهد الدولة الوسطى و الحديثة ) المناطق الشرقية التي كانت الجزيرة العربية جزءاً منها بل هي الجزيرة العربية نفسها كما يرى الدكتور عبدالعزيز صالح و إذا لا حظنا أن النص نفسه ( الذ وصف الخبستيو بأنهم المنتمون لأرض الإله ) قد وصفهم بأنهم " البونتيون الذين يجهلون أهل مصر " و يعني ذلك أن الخبستيو هؤلاء كانوا من المهاجرين القادمين من جنوب الجزيرة العربية و الحديثي الإستقرار ( في الوقت الذي شاهدهم فيه المصريون إبان عصر حتشبسوت أي في القرن الخامس عشر قبل الميلاد ) على الساحل الإفريقي للبحر الأحمر فلم يكونوا يعرفون المصريين بعد و لم يكونوا قد إستقروا بعد في أوطانهم الجديدة فكتب المصريون إسمهم كما كتبوا إسم الجنبتيو بمخصص يدل على شعب بل كتبوا وصفهم كبونتيين ربما يعني ذلك إنهم من بين سكان بونت ) بمخصص يدل على شعب أيضاً .
______________________________________________

• هذه الأسماء التي ذكرنها ( جنبتيو = قتبانيون ) و ( خبستيو = حبشات ) وردت في الآثار المصرية القديمة مما يشير بشكل قوي بأنها أقوام عربية جنوبية قديمة من الجزيرة العربية من اليمن هاجرت إلى مصر وادي النيل للتجارة أو للإستيطان المؤقت و الرجوع من ثم إلى مهدهم الأول اليمن في فترة لا حقة و الأساس من ذلك الوجود و الحضور هناك هو المتاجرة باللبان البخور المقدس و المر و الأصماغ و العطور الأخرى في مصر وادي النيل التي كانت تجلب هذه البخور و الُلبان و المُر و المواد العطرية و الأصماغ الأخرى في الغالب من أرض اليمن العريقة .
______________________________________________

• يذكر رائد علم المصريات العالم الآثري الدكتور المصري الشهير عبدالعزيز صالح في مؤلفه تاريخ شبه الجزيرة العربية في عصورها القديمة يقول فيه : " عثورنا على نص مصري قديم يسجل وصول وفد من بحار ( جنبتيين ) بمتاجرهم من اللادن و الكندر و المُر و البخور إلى مصر في العام 32 من عهد الفرعون تحوتمس الثالث ( أي في حوالي عام 1458 ق.م ) و كان " الجنبتيون "  أو " الجبانيتاي " كما ذكرهم بعض المؤرخين الإغريق و الرومان فيما بعد عشائر نشطة من العرب القتبانيين في جنوب شبه الجزيرة العربية و حدث قبل وصول هذا الوفد إلى مصر أن أعتزم رجال البحرية المصرية في عام 1482 ق.م خلال عهد الملكة حاتشبسوت التي سبقت الفرعون تحوتمس الثالث في الحكم أن يصلوا بأسطولهم التجاري إلى مدرجات الكندر في الجنوب العربي ليتعلموا مع تجارها مباشرة و يوفروا بذلك تكاليف الوساطة و الوسطاء بينهما و قد إعتبروا هذه المدرجات من أرض الله التي وقفها على تزويد معابدهم بأطايب البخور و أملوا خيراً في أن يهديهم ربهم إلى طرق البحر و البر المؤدية إليها .

• و إن ما قام به الجنبتيون أسلاف القتبانيين من تعامل تجاري مع مصر في ذلك الزمن البعيد كانت تقوم بمثله طوائف عربية أخرى لم تعرف بعد أسماؤها القديمة .

• و كان أفضل أنواع البخور و مشتقاته هو ما كانت تستورده مباشرة أو عن طريق الوسطاء من مدرجات الجنوب العربي بالذات و لهذا عادت تجارته على أصحابه بأرباح وفيرة .
______________________________________________

• المصادر :
د. عبدالعزيز صالح : شبه الجزيرة العربية في المصادر المصرية القديمة .
د. عبدالعزيز صالح : تاريخ شبه الجزيرة العربية في عصورها القديمة .
د. سليم حسن : موسوعة مصر القديمة .
د. أحمد فخري : دراسات في تاريخ الشرق القديم .
د. عبد المنعم عبد الحليم سيد : الجزيرة العربية و سكانها و مناطقها في النقوش القديمة في مصر .
د. جواد علي : المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام .
د. كريستيان روبان : الجزيرة العربية في العصور القديمة .
______________________________________________

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق