الأربعاء، 25 أبريل 2018

( اللبان الحضرمي الذهب المنسي و عمود الحضارة اليمنية )

( اللبان الحضرمي الذهب المنسي و عمود الحضارة اليمنية )







_________________________________________

• لكل زمان ضرورياته و مقتنياته و سلعه التجارية تمر من جواره فلا تأبه له و يمر آخر و يعرض عنه بينما قامت على هذا المنتج حروب طويلة و محاولة إستعمار دول و حضارات بلاد منتجه الأول و له شقت قنوات و بحار بين دول من أجل إحضاره و الإتجار به و شق طريق البر وسط الصحراء و من أجله تعلم الإنسان اليمني الأول شق طريق البحر و إختراع السفن و ركبها و شق عباب البحر و عرف طريقه كأول إنسان يركب البحر كان هذا المنتج السلعة الأولى في العالم كما هو حال النفط اليوم فما هو هذا المنتج ؟

إنه " اللبان الحضرمي " ذلك الذي لا تكاد سوق يمنية تخلو منه و يفترش به بائعوه أرصفة الأسواق في كل الأسواق في المدن اليمنية فما هو هذا اللبان ؟! هو ذلك السائل الذي يخرج من شجرة باتت تعرف بشجرة اللبان في بلاد الشحر من حضرموت اليمنية ثم يترك أياماً فوق الشجر ليجف و يتصلب ثم يتم جنيه كمادة طبيعية علاجية و بخور و يستخدم في أغراض متعددة في التطبيب و التحنيط و التبخير وغيرها .

عرفت اليمن قديماً بهذه السلعة العالمية و عرف اليمنيون القدماء بالإتجار بها منذ أكثر من 6 ستة ألف سنة قبل الميلاد  و جاب العالم للإتجار بها و بنى حضاراته المختلفة من هذه السلعة كونها كانت تدر على اليمن الأموال الطائلة التي مكنتها من بناء حضارات متعددة و باتت الدولة العالمية الأولى في التجارة و الإقتصاد العالمي .

 كما أن تجارة البخور و اللبان التي عرفها اليمنيون قبل الأمم جعلت منه السلعة الأولى عالمياً حتى ليسمى بالذهب الأسود و هو يقارن بالتجارة النفطية اليوم مما حدا بالكتابات الإغريقية اليونانية و الرومانية أن تصف حياة الترف و الرخاء و البذخ التي يعيشها اليمنيون القدماء حيث قالوا إن اليمنيين يسقفون بيوتهم بأعمدة من ذهب و فضة و كذلك شبابيكهم و أسرّتهم كتب عنها المؤرخون اليونانيون و الرومان الكتب المختلفة من ذلك مثلاً ما كتبه المؤرخ هيرودوت الذي يلقب بشيخ المؤرخين و عاش فيما بين 490 - 424 ق.م و يقول : " و بلاد العرب في نهاية المعمورة الجنوبية و فيها و حدها يوجد اللبان و المُر و الدارصيني و اللاذن و يكابد العرب الشدائد في جني هذه النباتات ما عدا المر فهم لأجل جني النبات يحرقون تحت أشجاره نوعاً من الصمغ يسمى ( Styrax ) " ميعة " و هو الصمغ الذي يأتي به الفينيقيون إلى بلاد الإغريق ليشردوا أسراباً كثيرة من الحيات الطائرة المختلفة التي تحرس الأشجار و تتجه تلك الحيات بجموعها شطر مصر و لا تبرح مكانها إلا بواسطة دخان " الميعة " الذي تأتي من بلاد العرب الجنوبية اليمن .

و يقول المؤرخ اليوناني ( Theophrastas ) " ثيوبراستاسو" : " تنبت أشجار اللبان و المُر و الدارصيني في بلاد سبأ و حضرموت و قتبان ( أقطار في جنوب بلاد العرب ) و يقال إن الجبال هناك مرتفعة و مغطاة بالنباتات و الثلوج و تنفجر منها أنهار تجري إلى الأودية و السهول و يقص الذين جابوا البحر أنهم بعد أن أقلعوا من خليج هرون قذف بهم البحر بمراكبهم إلى ناحية الجبال فنزلوا إلى الشواطئ يبحثون عن الماء فعثروا على أشجار اللبان و المُر فجنوا منها مقادير عظيمة و نقلوها إلى سفنهم و أقلعوا إلى بلادهم دون أن يشعر بهم الحراس من أهل سبأ لأنهم أصحاب هذه الجبال يقسمون مناطقها بين أفرادهم و هم رجال صدق أشداء لا يثبت فيهم الجور و لا ينامون على ضيم و لا يعتدي منهم أحد على غيره " .

و إنبثق عن تلك السلعة أن أقام اليمنيون طريقاً تجارية تسمى بطريق القوافل القديمة ( طريق اللبان ) تبدأ من ميناء قنا في شبوة و تمر وسط بلاد سبأ و وسط الجزيرة العربية و حتى غزة و آسيا الوسطى مروراً بالعراق سومر و بابل و بين الدول و الحضارات القديمة ( المصرية و الفينيقية و اليونانية الإغريقية و البابلية و الأشورية و الأكادية و النبطية و الفارسية و الهندية و الصينية و الرومانية و الحبشية ) و من غزة إلى مصر و شمال إفريقيا و بلاد اليونان جعلت اليمن أغنى بلاد العالم القديم  و قد دون القرآن الكريم هذه المحطات و الطرق في قوله تعالى : { وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَ بَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا قُرًى ظَاهِرَةً وَ قَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ سِيرُوا فِيهَا لَيَالِيَ وَ أَيَّاماً آمِنِينَ } سبأ 18.

و كان من آثار هذه التجارة أن دون التجار اليمنيون النقوش المسندية في كل البلاد التي يصلونها و من ذلك مثلاً : النقوش المكتشفة باللغة اليمنية و خاصة المعينية و الحضرمية و السبئية في " دادان " العلا و سيناء المصرية و تل العمارنة و في جزيرة ديلوس اليونانية و كذلك إلى أقصى المغرب و مضيق جبل طارق فيما عرف فيما بعد باللغة و الخط الأمازيغيين .
_________________________________________

• حروب و إستعمار بسبب تجارة اللبان :

أراد اليونانيون التوسع و السيطرة على بلاد اللبان اليمن و طريق البخور فجرد الإسكندر المقدوني حملة عسكرية في عام 225 قبل الميلاد للإستيلاء على اليمن لكنه لم يفلح فعمل على قصقصة المحطات التجارية اليمنية بإستيلائه على معان الأردن و بصرى و الشام و منها مدينة القدس خصوصاً و فلسطين عموماً .

ورث الرومان اليونانيين في الإمبراطورية و ركزوا على الإستيلاء على تجارة اللبان و تجريد اليمنيين من إمتياز تلك التجارة و بعد إستيلاء الرومان البطالمة على دولة الأنباط و مركز البتراء التجاري في القرن الأول قبل الميلاد حوصرت التجارة اليمنية و أدى إلى بلوغ التجارة المصرية الرومانية ذروتها و صولاً إلى سيطرة على جانبي باب المندب عن طريق حليفهم الحبشة 281 م .

ففي العام 25 قبل الميلاد أوعز إمبراطور الرومان أغسطس إلى واليه على مصر إيليوس جاليوس بتجريد حملة عسكرية قوامها عشرة آلاف جندي و ألف و خمسمائة نبطي بينهم وزير الدولة النبطية صالح الذي كان دليل الحملة إلى بلاد سبأ و خمسمائة يهودي لضم اليمن إلى الإمبراطورية الرومانية و شل التجارة اليمنية و الهيمنة على ملاحة البحر الأحمر و إستغرقت الحملة في طريقها أكثر من ستة أشهر أبحرت من الميناء النبطي " نيجرا " على البحر الأحمر .

و عمل الوزير الدليل على تتويه الحملة لأصالته اليمنية حتى قضت الحملة و تشتت في الطرق الوعرة و الصحاري القفار و زادت الأوبئة و الهجمات العربية المباغتة على كسر الحملة و عدم تحقيق أهدافها و رافق هذه الحملة المؤرخ و الرحالة اليوناني سترابون و كان من بعض ما كتبه عن هذه الحملة و وصف مارب عاصمة سبأ : " هذه المدينة كانت عجيبة مذهلة سقوف أبنيتها مكسوة بالذهب و مزينة بالعاج و الحجارة الكريمة كما تحوي على القصور المزخرفة بالأحجار الثمينة " .

و كتب مؤرخ أخر و إسمه بلينوس نقلاً عن قائد الحملة الفاشلة ( جاليوس ) : " فاقت السبأي الجميع ثروة بما كان يتوافر في أرضها من أدغال ذات عطور و مناجم ذهب و مياة للري و هي تنتج العسل و الشمع بكثرة فلو تحريت هذه الأقطار تماماً لعلمت بأنها أغنى بلاد الأرض قاطبة بما يتوارد إليها من كنوز دولة الرومان و دولة الفرس " .

و بعد فشل الحملة الرومانية أدركت روما إستحالة إخضاع بلاد اليمن بالقوة فعملت على إيعاز الإستيلاء لحليفتها الحبشة التي لاقت هوى في نفسها حيث كانت عيون الحبشة على الطرق التجارية الدولية القديمة ( طريق اللبان البري و الطريق الساحلي و الطريق البحري ) و بسط نفوذها في السيطرة على طريق القوافل الساحلي الذي يمتد من مينائي موزع و المخا باليمن و حتى بصرى الشام لتوسيع ثروتهم و بسط سلطانهم و تأمين الشواطئ الحبشية من ناحية اليمن و إدخالها في نطاق دولة أكسوم الحبشية بمساعدة بيزنطية أيضاً لقطع الطريق على الفرس حتى لا يمتدوا إلى اليمن .

و من جراء الفتن الداخلية التي كانت في اليمن ضعفت الدولة الحميرية " تغلب الأحباش على تلك الديار سنة 375 بعد الميلاد و عرف ملوكهم باسم ملوك أكسوم و حمير و ريدان و الحبشة و سبأ و سلح و تهامة لكن سبأ ( حمير ) إتحدت مع جميع العناصر القومية في اليمن و طردت الأحباش من ديارها تحت قيادة الملك كرب و كان قد تهودت ذريته حوالي 400 بعد الميلاد و إستمر حكم هذه الأسرة الحميرية المتهودة إلى عهد ذي نواس الذي إنهزم أمام الحبشة سنة 525 بعد الميلاد .
_________________________________________

• قنوات إتصال بحرية و طرق برية :

أدركت الحضارة الفرعونية أهمية هذه السلعة من حوالي 5000 عام قبل الميلاد حينما إستخدمتها في البخور و التحنيط و التطبيب و لغلاء ثمنها فأرادت أن تقوم بجلب هذه السلعة و المتاجرة بها بنفسها بعيداً عن إحتكار التجار اليمنيين القدماء لها حيث قام الملك الفرعوني ساحو راع حوالي 2550 قبل الميلاد بشق قناة مائية تربط النيل بالبحر الأحمر لتمر السفن عليها إلى بلاد اليمن لجلب تلك السلعة إلا أن عدم خبرتهم في الملاحة و حركة الرياح أفشلت المشروع مما أدى إلى ردم القناة .

و بعد ألف عام من تلك المحاولة قامت الملكة الفرعونية حتشبسوت في 1490 قبل الميلاد بشق القناة مجدداً و أرسلت عدداً من سفنها أخذت طريقها إلى بلاد البونت ( هكذا كانت تسمى اليمن الساحلية الشرقية ) بحسب نقش مسندي وجد في معبد مصر و يفيد النقش أن تلك الرحلة عادت موفقة و محملة بخيرات تلك البلاد كالبخور و العطور و الأخشاب الثمينة و بعض أنواع الأشجار التي زرعت في حديقة المعبد .

على الجانب البري فإن الخط التجاري الرئيسي العالمي في تلك الحقب الزمنية الغابرة و هو طريق اللبان أو طريق البخور كما عرف عنه كان يتجه من الجنوب إلى الشمال و ليس العكس و إنبثق عن تلك الصفة أن قامت طريق تجارية تسمى بطريق القوافل القديمة ( طريق اللبان ) بين الدول و الحضارات العالمية القديمة ( الفرعونية و الفينيقية و الإغريقية و البابلية و الأشورية و الأكادية و النبطية و الفارسية و الرومانية ) يبدأ من ميناء قنا في شبوة على البحر العربي مروراً بمأرب و الجوف و مكة و العلا وصولاً إلى البتراء و غزة و القدس و الشام و بُصرى ثم العراق و حتى وسط آسيا الوسطى و داخلياً كانت هناك طرق شريانية فرعية تربط الطرق الداخلية بطريق البخور وسط اليمن في مدينة مأرب عاصمة سبأ .

حيث كانت هناك الطرق الغربية التي تمر من مينائي المخا و ذو باب يمر من المعافر و مدينة الجوءة وصولاً إلى الجند الذي كان ملتقى القوافل من الغرب و الجنوب من ميناء عدن ثم إلى ظفار حمير و من ظفار إلى مارب و كانت الجند من أهم أسواق العرب قديماً و تشابه مع سوق عكاظ بالنشاط الثقافي و التجاري .
_________________________________________

• إستخدامات تلك السلعة في الممالك القديمة و مقدار النفقة :

بحسب التسجيلات التاريخية للمؤرخين فإن سلعة اللبان تدخل في إستعمالات متعددة و خاصة للطبقات الراقية كطبقة الملوك و الكهان و الوزراء و غيرهم في البخور و التطييب و في التحنيط و الصمغ و التطبيب إذ تستخدم كعلاجات متعددة الأغراض و منها ما كان يعتقد قديماً في طرد الشرور و الأشباح و غيرها .

و قد كتب المؤرخ اليوناني بلينيوس عن مقدار الأموال التي كانت تذهب من القصور اليونانية للنفقة على هذه السلعة و تصب في صالح خزانة الدولة اليمنية بالقول : " كسبت بلاد العرب نعت سعيدة لأنها فياضة بحاصلات يستعذبها أهل الترف و يباهون في إقتنائها جهازاً لموتاهم هكذا إنصرف المترفون إلى حرق هذه الحاصلات أمام أجساد أعزائهم الراحلين إلى دار الفناء بعد أن كان إستعمالها قبلاً ينحصر في مراسم العبادة لآلهتم و لكن بحر العرب أحرى بكنية السعادة فهو مصدر اللؤلؤ و تبتز الهند و قبائل سارا و عرب الجزيرة من أموال إمبراطوريتنا مبلغ مائة مليون ( سترسه – النقد الفضي أو البرونزي الروماني ) كل حول ( كل عام ) و هذا على أقل حساب و تلك ثروة طائلة نبذرها على أهواء مترفينا ونسائنا " .

 و سجل القرآن الكريم جانباً من وصف تلك الحياة من الرخاء و الأمن في القرآن الكريم أعظم مصادر الدنيا تدويناً و صدقاً و شهادة في قوله تعالى : { لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَن يَمِينٍ وَ شِمَالٍ كُلُوا مِن رِّزْقِ رَبِّكُمْ وَ اشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ } (سبأ : 15 ) .
_________________________________________

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق