الخميس، 11 مارس 2021

( تدفق الهجرات القديمة من شبه الجزيرة العربية إلى ليبيا و السودان دوافعها و تأثيراتها )

( تدفق الهجرات القديمة من شبه الجزيرة العربية إلى ليبيا و السودان دوافعها و تأثيراتها )

■ د . محمد علي عيسى أبو القاسم .
أستاذ الآثار و الحضارات القديمة .
قسم التاريخ / كلية الآداب / جامعة الفاتح طرابلس . ■

================================

• يرى الكثير من العلماء بأن شبه الجزيرة العربية كانت المسرح الأول لنشوء الزراعة و إستئناس الحيوانات و رغم أن الزراعة و الحيوانات عُرفت في بلاد الرافدين و منطقة وادي النيل منذ بداية التاريخ فإن هذه المناطق لم تعرف النباتات الزراعية و الحيوانات بحالتها البرية و الطبيعية و يرى العالم الألماني ( شوينفرت ) أن الحضارة متمثلة في الزراعة و إستئناس الحيوانات أول ما عُرفت في منطقة شبه الجزيرة العربية ثم إنتشرت منها إلى سومر و بابل و آشور و منطقة وادي النيل .

المصدر : 
- ول ديرانت : قصة الحضارة ( ترجمة محمد بدران ) الجزء الثاني ، الإدارة الثقافية في جامعة الدول العربية ، القاهرة ، 1965م ، ص 43 .

• و بالفعل فقد أكدت الإكتشافات الأثرية أن أقدم ظاهرة للإستيطان كانت بشبه الجزيرة العربية كما يظهر من المكتشفات التي عُثر عليها بالعديد من المناطق مثل : كلوة بالسعودية و في بعض مناطق البحرين و الكويت و حضرموت و مناطق أخرى من جنوب شبه الجزيرة العربية و تعود هذه المكتشفات للفترة ما بين 12 - 8 آلاف سنة قبل الميلاد و هي الفترة التي بدأ فيها إنسان تلك المناطق يتعرف إلى زراعة بعض الحبوب مثل : القمح و الشعير و الذرة و إلى إستئناس بعض الحيوانات مثل : الضان و البقر و الماعز .

و يرى بعض الباحثين أن أصحاب الحضارة النطوفية التي تم التعرف عليها في منطقة الشام في حدود 13 ألف سنة قبل الميلاد إحدى تلك الهجرات .

المصدر :
- جواد علي : المفصل الجزء الأول ، ص 434 .
- محمد المختار العرباوي : البربر عرب قدامى ، المجلس القومي للثقافة العربية ، الرباط ، 1993م ، ص 124 ، 135 .

• و كان من بين تلك الهجرات أصحاب الثقافة العاتيرية في منطقة المغرب القديم و يرى معظم الباحثين أن أصحاب هذه الثقافة لم يأتوا من أوروبا كما يرى البعض بل جاءوا من الشرق إما من منطقة شبه الجزيرة العربية أو من منطقة الشام و ذلك لتشابه أدوات هذه الثقافة مع الأدوات التي تم الكشف عنها في فلسطين .

المصدر :
- محمد بيومي مهران : المغرب القديم ، ص 13 .

• هذا من جهة و من جهة أخرى ليس من المعقول قدوم أصحاب هذه الثقافة من أوروبا لأن الملاحة البحرية لم تبدأ بعد في تلك الأثناء حيث كانت تنقلات البشر في ذلك الوقت عن طريق البر فقط و من خلال المعابر البرية المعروفة و التي لم تتغير منذ ذلك الوقت و حتى الآن .

المصدر :
- J. Desanges , Les protoberberes , in histoire generale de L Afrique , R.2 jeube afrique - Stock - Unesco , 1980 , p. 457 .

• و في حدود الألف الثالثة عشر قبل الميلاد ظهر بمنطقة المغرب القديم الثقافة الوهرانية و يرى كل من ( ماكبرني ) و ( تكسيير ) أنهم جاءوا من شمال السودان و قد تركوا موطنهم هناك تحت ضغط الشعوب المهاجرة التي حلت بالمنطقة .

المصدر :
- جيان ديزنج : البربر الأصليون ( تاريخ إفريقيا العام ) ، الجزء الثاني ، اليونسكو ، باريس ، 1983م ، ص 432 .

• و قد تأكدنا من صحة هذه الفرضية من خلال نتائج الحفريات التي أجريت بالمنطقة و من خلال التحاليل التي أجريت على بعض المواد العضوية التي عثر عليها في الحفريات السالفة الذكر عن طريق الكربون المشع 14 و توصل العلماء إلى أن هذه المواد التي خلفها إنسان تلك الفترة في منطقة وادي النيل يزيد عمرها عن 14 ألف سنة و من خلال الدراسات الأثرية المختلفة التي أجريت على الثقافات التي حدثت في العصر الحجري القديم الأعلى بمناطق وادي النيل و المغرب القديم تبين أن الأدوات الحجرية التي عثر عليها في منطقة المغرب القديم و التي يطلق عليها إصطلاحاً إسم الثقافة الوهرانية و من خلال تحليل بعض المواد العضوية التي عثر عليها في منطقتي وادي النيل و المغرب القديم تبين أن الأخيرة تتأخر زمنياً عن الأولى و بناء على ذلك توصل العلماء إلى إثبات صحة الفرضية التي جاء بها كل من ( ماكبرني ) و ( تكسيير ) عن الأصل الشرقي لأصحاب الثقافة الوهرانية و عليه فإن أصحاب الثقافة التي قامت في منطقة وادي النيل خلال العصر الحجري القديم الأعلى هم السلف المباشر لأصحاب الثقافة الوهرانية بمنطقة المغرب القديم .

المصدر :
- محمد بيومي مهران : المغرب القديم ، ص 24 .
________________________________________

• و في حدود الألف السابعة قبل الميلاد ظهرت الثقافة القفصية بالمغرب القديم و يؤكد معظم الباحثين أن أصحاب هذه الثقافة جاءوا من الشرق مثلهم مثل أصحاب الثقافة العاتيرية و الوهرانية و يرى ( كامبس ) بأن المجموعات القفصية يمكن أن ترجع في أصلها إلى الشرق و خاصة إلى مجموعات الحضارة النطوفية بفلسطين .

المصدر :
- ه ج. هوغو : الصحراء ما قبل التاريخ ، تاريخ إفريقيا العام ( المجلد الأول ) جين أفريك / اليونسكو ، 1980م ، ص 591 - 592 . 

- رشدي سعيد : الإطار الزمني للمراحل المطرية و الجمودية بإفريقيا ، تاريخ إفريقيا العام ، الجزء الأول ، جين أفريك / اليونسكو ، 1980م ، ص 382 .

• و يؤكد هذا الرأي أيضاً ( ل. بالو ) الذي يرى بأن الأدوات القفصية المصنوعة من الحجر و المعروفة بإسم الصناعات الحجرية الدقيقة ذات الحواف المعقوفة ينبغي البحث عن أصلها بالإتجاه نحو الشرق إبتداء من الجبل الأخضر ثم مصر فالشرق الأدنى القديم .

المصدر : 
- فابريتشو موري : تادرارت أكاكوس الفن الصخري و ثقافات الصحراء قبل التاريخ ، طرابلس ، 1988م ، ص 33 .

• و قد أعطى ( جيان ديزنج ) الدليل بأن أصحاب هذه الثقافة لم يأتوا من أوروبا لأنهم كما سبقت الإشارة وصلوا المنطقة إلا أنه لم يتم العثور حتى الآن على أي آثار مادية تدل على أنها وصلت المناطق الساحلية و لذلك يؤكد إستناداً على آراء الكثير من الباحثين بأن هذه المجموعات ذات أصل شرقي حيث يعتقد بأنها قدمت من شمال السودان تحت ضغط الموجات الكثيرة من المهاجرين و عند وصولهم إلى منطقة المغرب القديم إتخذوا مواطنهم في الجبال و لذلك يعتبرهم هؤلاء الباحثون بأنهم إحدى العناصر الأنثروبولوجية لسكان الجبال .

المصدر : 
- H. J. Hugot , prehistoire du Sahrara , ( t.l ) jeune Afriwue  - Stock - Unesco , 1980 , P. 637 .

• و يكفي دليلاً أن على تلك الصفة الجبلية أن ما يطلق عليه نساء البربر إلى اليوم مازلن يتخذن الوشم و زخرفة أوانيهن على نفس الزخارف و الأشكال الهندسية التي تزين قشور بيض النعام خلال فترة الثقافة القفصية .

المصدر :
- ه .ج هوغو : الصحراء في ما قبل التاريخ ، ص 610 .

• أما في العصر الحجري الحديث و ما بعده فإن الهجرات التي إنطلقت من شبه الجزيرة العربية تكاد تكون معروفة معرفة تامة و قد أكدها الكثير من الباحثين و قد دلت الآثار التي كشف عنها في منطقة ما بين النهرين على أن أولى الهجرات التي إنطلقت من شبه الجزيرة العربية إلى منطقة ما بين النهرين كانت حوالي الألف الخامسة قبل الميلاد .

المصدر :
- محمد المختار العرباوي : البربر ، ص 135 .

• إن هذه الإكتشافات لا تنفي حدوث مثل هذه الهجرات نحو هذه المنطقة قبل هذا التاريخ بزمن طويل و الجدير بالذكر أن الأكاديين و العموريين و الكنعانيين و الآراميين هم جزء بسيط من تلك الهجرات التي إنطلقت من شبه الجزيرة العربية و لقد أشار عالم الآثار المصرية ( غوستاف جيكي ) في كتابة تاريخ المدينة المصرية أن سكان منطقة وادي النيل في ما قبل الأسرات جاءوا إليها من شبه الجزيرة العربية في حدود الألف الرابعة قبل الميلاد و قد أشار بأن الأسرة المصرية الأولى كانت من هؤلاء القادمين .

المصدر :
- أحمد سوسة : العرب و اليهود في التاريخ القديم ، منشورات وزارة الثقافة العراقية ، بغداد ، 1981م ، ص 188 - 189 .
________________________________________

• و قد أكد عالم الآثار المصري أحمد فخري بأن هذه الجماعات التي قدمت من شبه الجزيرة العربية في حدود الألف الرابعة قبل الميلاد كانت ثقافتها أرقى من ثقافة سكان منطقة وادي النيل في ذلك الوقت و تؤكد الإكتشافات الحديثة بأن عصر التعدين خاصة تعدين النحاس و الحديد و فنون التحنيط لم يبدأ في منطقة وادي النيل إلا مع وصول الهجرات الجديدة القادمة من شبه الجزيرة العربية .

لم تقتصر الهجرات التي إنطلقت من شبه الجزيرة العربية على منطقة ما بين النهرين و وادي النيل فقط بل إنطلقت أيضاً نحو شرق إفريقيا حيث أكدوا بأن الهجرات التي وصلت الصحراء الكبرى و شمال إفريقيا قادمة من الشرق سواء من منطقة جنوب غربي آسيا أو من شبه الجزيرة العربية .

المصدر :
- G. Camps , Les Berberes Memoire et edentete , Edition errance , paris , 1995 , P. 42 - 45 .

• و من تلك الهجرات التي إنطلقت من شبه الجزيرة العربية كانت الهجرات التي وصلت إلى الصحراء الكبرى في دفعات منذ الألف السادسة قبل الميلاد و لقد إتخذت الهجرات طريقين مختلفين حيث فضلت بعض هذه المجموعات أن تتخذ طريقها عبر شبه جزيرة سيناء إلى أن وصلت شرقي دلتا النيل و نظراً لصعوبة إرتياد تلك المنطقة بالإتجاه نحو الغرب مباشرة بسبب مستنقعاتها و أحراشها .

المصدر :
- ج. كي زيربو : الفن الإفريقي في ما قبل التاريخ ، تاريخ إفريقيا العام ( المجلد الأول ) جين أفريك / اليونسكو ، 1980م ، ص 692 .
________________________________________

• لذا إضطرت للإتجاه نحو صحراء شرقي النيل و منها جنوباً إلى مصر العليا و شمال السودان و من هذه المناطق إتجه هؤلاء المهاجرون نحو الغرب حتى إستقروا بالمنطقة المعروفة الآن بالصحراء الكبرى أما المجموعات الأخرى فقد إنطلقت من جنوب شبه الجزيرة العربية نحو شرق إفريقيا عن طريق باب المندب حيث يضيق البحر الأحمر عند طرفه الجنوبي و مما سهل مهمة إنتقال هذه المجموعات نحو شرق إفريقيا وجود بعض الجزر مثل جزيرة ( البريم ) مما جعل جنوب شبه الجزيرة العربية قريباً جداً من شرق إفريقيا و قد أشار (ش. فيلد ) بأن هذه الهجرات كانت خلال العصر الحجري الحديث و نرى أنها في حدود نهاية الألف الخامسة قبل الميلاد و كان ذلك مع بداية إستعمال الإنسان للبحر في تنقلاته و بعد وصول هذه الهجرات إلى شرق إفريقيا تحركت غرباً إلى السودان الشمالي و النوبة و منها نحو المنطقة المعروفة الآن بالصحراء الكبرى و التي كانت في ذلك الوقت غزيرة الأمطار كثيرة الخيرات على عكس ما هي عليه الآن و يرى بعض العلماء بأن هذه العناصر البشرية ( تنتمي إلى ما يطلق عليه عائلة اللغات الحامية المختلطة أحياناً بعائلة السامية و ترجع أصلاً إلى منطقة عُمان و اليمن و الصومال و شرقي إفريقيا ) و يرى البعض الآخر ( أنهم ينتمون إلى ما يطلق عليه مجموعة الشعوب الحامية التي جاءت عن طريق شبه جزيرة سيناء أو عن طريق القرن الإفريقي من موطنها الأصلي الذي يظن أنه كان في اليمن أو عُمان ) .

المصدر :
- رشيد الناضوري : المغرب ، ص 137 .

• و لقد حملت تلك الهجرات معها إلى موطنها الجديد تقاليدها الحضارية و لهجتها و فنونها المختلفة و خبراتها المتعددة و التي من بينها إستئناس الحيوانات و الرعي و الزراعة و يفسر العلماء تباين لون البشرة لدى سكان الصحراء الكبرى بين السمرة الشديدة و الشقرة عكس سكان الشمال إلا أن الأفواج السكانية التي قدمت من الشرق كانت جماعتين مختلفتين إتخذت الأولى طريقاً ساحلياً و لذلك إتخذت مناطق الشمال كمقر إقامة لها و لذلك حافظت على سماتها الأصلية أما الثانية فقد إتخذت طريقها نحو الجنوب مارة بإفريقيا الشرقية ثم نحو منطقة الصحراء الكبرى و لذلك إمتزجت بالعنصر الزنجي و قد أيدت المكتشفات الأثرية المتمثلة في الأدوات و الهياكل العظمية و الرسومات الصخرية صحة هذه الفرضية .

المصدر :
- G. Camps,  Les Berberes , P. 62 - 63 .

• و بالتزامن مع إرتفاع مستوى سطح البحر في فترة الهولوسين الأوسط الرطبة ( 9000 - 6000 سنة ) فقد تم توثيقها بشكل جيد في أنحاء كثيرة من اليمن و جنوب الجزيرة العربية ففي اليمن فقد أكدتها سجلات المناخ معززة ببيئة البحيرات القديمة في مرتفعات اليمن ( تربة جهران ) في إقليم ذمار فضلاً عن النشاطات 
البُحيرية ( Lacustrine ) في صحراء اليمن الداخلية " رملة السبعتين " فضلاً عن جريان نهر الجوف / حضرموت ليصب في المحيط الهندي و ذلك قبل حوالي 7000 سنة و جميعها يمكن مقارنتها مع بحيرة " مندوفان " في الربع الخالي في جنوب العربية السعودية التي يعود تاريخها بين 9600 - 8000 سنة التي ترتبط من الناحية الأثرية بفترة العصر الحجري الحديث المطير في شبه الجزيرة العربية ( Peninsula Arabian the of Pluvial Neolithic ) الذي يؤرخ بين 10000 - 8000 سنة .

المصدر :
- 102:1997 al et Wilkinson .
- 1998 al et Lezine .
- 1.Fig: 1992 al et Cleuziou .
- 1978 ;1976 McClur .
________________________________________

• يشير عثمان سعدي إلى إكتشاف أربع جماجم بشرية " الأولى في الجزائر و الثانية في ليبيا و الثالثة في اليمن و الرابعة في فلسطين و وُجد بين هذه الجماجم الأربع تطابق تام " و هذا يشير إلى أن الهجرة القديمة من الشرق إلى الغرب كانت هكذا : من اليمن إلى فلسطين فمصر فليبيا فتونس فالجزائر فالمغرب فموريتانيا فجزر الكناري و هذا بدوره يرتب الصلة بين كل أصحاب تلك الحضارات المتشابهة و يوثقها .

المصدر :
- د . عثمان سعدي : عروبة الجزائر عبر التاريخ ، 1982م .
________________________________________

* الخلاصة :

الكثير و العديد من المؤشرات و آراء لكبار علماء الآثار و التاريخ تذكر بوجود هجرات قديمة عتيقة تمت من الجزيرة العربية و تحديداً من جنوبها اليمن و كذلك من بلاد الشام إلى مناطق شمال شرق إفريقيا إلى السودان و ليبيا منذ فترة العصر الحجري الوسيط و الحديث و قد تكلمنا سابقاً في بوست منفصل حول نشأة الثقافات الباكرة للعصر الحجري الوسيط و الحديث الذي تم في جنوب الجزيرة العربية اليمن و منها إنتشرت إلى المناطق الأخرى منذ 50 - 45 ألف سنة ق.م و أن اليمن في رأي كبار علماء الأركيلوجية و الأنثروبولوجية المنصه الأقدم و الأولى مع شرق إفريقيا في الهجرات البشرية إلى أصقاع العالم .
________________________________________






 


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق