( الجذور التاريخية للصلات الحضارية بين العراق القديم و اليمن القديم )
• تعود أقدم العلاقات بين شبه الجزيرة العربية و بلدان الشرق الأدنى القديم لا سيما العراق القديم إلى تلك الهجرات المستمرة التي نزحت منها إلى بلاد الرافدين و إن تاريخ تلك الهجرات موغل في القدم فبعض منها يعود إلى نهاية العصور الجليدية و نهاية العصور الحجرية القديمة و هناك إتفاق بين الباحثين على أن سكان العراق القديم الأوائل الذين حلوا في الجزء الأسفل منه قد جاءوا من شبه جزيرة العرب .
• أما فيما يخص اليمن القديم موضوع البحث فقد جاء ذكر حضارته في الكتابات القديمة منها النصوص المسمارية أو المصرية القديمة بصورة مباشرة أو غير مباشرة و بعض هذه الإشارات إقترنت بأصداء لها في الكتابات اليمنية القديمة و بقدر تعلق الأمر بعلاقات اليمن القديم بالعراق القديم فهناك نصوص مسمارية تعود إلى نحو 2500 ق.م جاء ذكر كلمة ( Sa - bu - um ) فيها التي زعم كاتبها أنه حكم هذا البلد و من العصر الأكدي ( 2371 - 2230 ق.م ) ورد ذكر أسماء من الممكن أن تكون على علاقة بسبأ مثل ( Sa - bu - um ) أو ( Sa - ba - a - a - a - a ) .
• إتصلت الدول التي قامت في اليمن القديم ببلاد سومر و بابل و آشور مثلما إتصلت بمناطق أخرى من العالم القديم و على الرغم من تأخر زمن النقوش المعينية و غيرها من النقوش العائدة إلى بداية الألف الأول قبل الميلاد إلا أن هناك حضارة قديمة نشأت في اليمن القديم تصل إلى أبعد من هذا التاريخ إذ أن تلك النقوش تحتوي على إشارات قديمة تعود إلى الألف الثاني قبل الميلاد تكشف عن إتصالات مع البابليين و الآموريين كما ذكر ( طه باقر ) قيام مملكة في بلاد معين إمتدت حدودها إلى الحجاز و إزدهرت و عاصرت الدولة الأكدية في العراق القديم بل دخلت معها في تنافس عسكري مسلح في عهد الملك الأكدي نرام سين ( 2291 - 2255 ق.م ) .
• و تدل النصوص المسمارية على وجود علاقات إقتصادية مختلفة بين الآشوريين و السبئيين خلال النصف الأول من الألف الأول قبل الميلاد كما تشير الحقائق التاريخية إلى أن الدول التي قامت في اليمن القديم لا سيما المعينية و السبئية منها إمتلكت مقار و مناطق تجارية لها وصلت حتى شمال شبه جزيرة العرب و منها الحجاز و من أهمها كانت تيماء و دادان و يرجح أن ما جاء من إشارات للسبئيين في النصوص المسمارية إنهم السبئيون المنتشرون في هذه الجهات .
• و من تلك النصوص المسمارية نص مسماري يمكن إرجاعه إلى بداية النصف الثاني من القرن الثامن قبل الميلاد إذ قام حاكم ماري و سوخي المدعو ( نينورتا - كودوري - أوصر ) بمصادرة ما حملته قوافل قادمة من سبأ و تيماء متجهة إلى مدينة خندانو التي يرجح إنها كانت عبارة عن مركز تجاري يتم فيه تفريغ البضائع و تسويقها إلى أماكن أخرى مجاورة لها قد تكون بلاد آشور ، سورية القديمة ، آسيا الصغرى ، أو البحر المتوسط و تم تعين موضع خندانو في الوقت الحاضر بقضاء القائم بمحافظة الأنبار في الجهة المقابلة لمدينة البو كمال السورية و هذا دليل واضح على وصول القوافل اليمنية إلى العراق القديم فتبيع ما لديها و تأخذ ما موجود في أسواقه و مدنه و هي عملية مهمة ينتقل عن طريقها الكثير من عادات و تقاليد و ثقافات الشعوب .
• و كشفت التنقيبات الأثرية و الكتابات المسمارية عن الكثير من الصلات و العلاقات بين العراق القديم و جنوب شبه الجزيرة العربية تعود إلى أوقات مختلفة منها الآشورية و البابلية إحتوت على أختام إسطوانية و لقى أثرية كتبت بخط المسند الخاص بالعربية الجنوبية عثر عليها في مناطق متفرقة من العراق القديم .
• جاء إسم اليمن في النصوص المسمارية التي ترجع إلى الملك البابلي نبوخذ نصر الثاني ( 562 - 604 ق.م ) إذ وردت مقترنه بإقليم ( فوط لامن ) ( Pu - tu - La - aman ) أي فوط الجنوبية و فوط تقع في اليمن و مناسبة ذكرها تعود إلى إنتصارات نبوخذ نصر الثاني على ملك مصر أحمس الثاني ( أماسيس ) ( 570 - 526 ق.م ) كما أن قسماً من جنوب غرب شبه الجزيرة العربية كان يعرف بإسم فوط كما ساهمت سيطرة الملك البابلي نبو نائيد ( 539 - 556 ق.م ) على تيماء على عمق المصالح الإقتصادية المشتركة فما تيماء إلا حلقة وصل و عقدة مواصلات بين جنوب شبه الجزيرة العربية و شمالها كل ذلك يدل على أن هناك إتصال بين العراق القديم و اليمن القديم و إن هذا الإتصال يؤدي بطبيعة الحال إلى إنتقال الموروث الحضاري بين الجانبين و من ثم لا بد من وجود أثر و تأثير في ثقافة الملابس و الأزياء و فنونها .
• و في أماكن مختلفة من العراق القديم عثر على لقى أثرية يمكن أن تعد من الدلائل المهمة على وجود علاقات قديمة بين الجانبين فهناك أختام و كسر جرار و أواني تحمل كتابات عربية جنوبية قديمة وجدت في جنوب العراق القديم و بالتحديد في مدينة أور و نفر و الوركاء و غيرها من المناطق الأخرى كما عثر بالقرب من عانة في محافظة الأنبار على ختم إسطواني يعود إلى القرن الثامن قبل الميلاد مدون بالعربية الجنوبية و في الوركاء عثر على رُقُم طينية تعود إلى القرن السابع قبل الميلاد و قد دونت جميعها بالخط المسند اليمني و إن هذه الآثار تدل على وجود جاليات عربية جنوبية قديمة تعمل على رعاية المصالح التجارية السبئية كما عثر في العراق القديم على خاتم يعود إلى القرن التاسع قبل الميلاد و عليه صورة رجل يرتدي الملابس اليمنية و فصوص من الأحجار الكريمة و اليمن مشهورة بفصوص العقيق و الجزع و لا يعرف كيف وصل إلى هنا إلا أنه يرجح وصوله عن طريق التجارة .
• مما سبق يتبين أن العلاقات بين العراق القديم و اليمن القديم موغلة بالقدم إبتدأت منذ بداية الهجرات المنطلقة من جنوب شبه جزيرة العرب إلى بلدان الهلال الخصيب و منها العراق القديم و يتوضح أن تلك العلاقات قد حدثت بصورة مباشرة أو غير مباشرة بين الطرفين فالمباشرة منها حدثت بواسطة تلك المستعمرات التجارية المنتشرة في شمال شبه جزيرة العرب و كذلك بحركة القوافل الواصلة إلى العراق القديم أو إلى المناطق الخاضعة لها إبان فترات القوة المتمثلة بالأنظمة المركزية مثل الإمبراطورية الأكدية ( 2371 - 2230 ق.م ) و سلالة أور الثالثة ( 2006 - 2113 ق.م ) و الإمبراطورية البابلية الحديثة ( 539 - 626 ق.م ) أما طرق الإتصال التي كانت بصورة غير مباشرة فقد لعبت مناطق مهمة في الخليج العربي مثل مجان و ملوخا و دلمون دور الوسيط في نقل الموروث الحضاري بين العراق القديم و اليمن القديم و خير دليل على تلك الإتصالات تلك اللقى الأثرية التي عثر عليها في مناطق العراق القديم و النصوص المسمارية التي يمكن أن تكون إشارات إلى سبأ و غيرها من الممالك اليمنية القديمة .
المصادر :
- د . طه باقر : علاقات بلاد الرافدين بجزيرة العرب ، بحث من ( كتاب دراسات و بحوث طه باقر المنشورة في مجلة سومر ) ، إعداد : حيدر قاسم التميمي ( بغداد : بيت الحكمة ، 2009 م ) .
- د . محمد بيومي مهران : دراسات في تاريخ العرب القديم ، ( الإسكندرية : دار المعرفة الجامعية ، 1977م ) .
- د . عارف أحمد إسماعيل المخلافي : العلاقات بين العراق و شبه الجزيرة العربية منذ منتصف الألف الثالث قبل الميلاد و حتى منتصف الألف الأول قبل الميلاد ( صنعاء : مركز عبادي للدراسات و النشر ، 1998م ) .
- د . بهيجة خليل إسماعيل : نصوص نينورتا - كودري - أوصر حاكم سوخي و ماري ، مجلة ( سومر ) ، العدد 42 ( بغداد : دائرة الآثار ، 1981م ) .
- د . منذر عبد الكريم البكر : دراسات في تاريخ العرب قبل الإسلام تاريخ الدول الجنوبية في اليمن ( البصرة : مطبعة جامعة البصرة ، 1980م ) .
