و النقشي و الرواية التاريخية .
( فرضيات جديدة في الأصل و المنشأ ) - دراسة إستقرائية تحليلية .
د / سامي شرف محمد غالب الشهاب .
( باحث أكاديمي )
==============================
شهد العصر الحجري الحديث ( الألف الثامن ق.م - الألف الرابع ق.م ) علاقات تجارية نشطة بين اليمن و شرق إفريقيا تم التحقق منها من خلال تجارة الأوبسيديان و الأدوات القزمية ( غالب 2010 : 19. ) كما إن التطابق في مشاهد الرسوم و الصور الصخرية التي تم العثور عليها في عدد من المناطق شرق القرن الإفريقي و المتشابهة مع نظرياتها في مناطق المرتفعات الوسطى و الجنوبية في اليمن و المؤرخة ب ( الألف الثالث - الألف الثاني قبل الميلاد ) و أسلوب الرسم الذي نفذت به دليل على خروج جماعات مهاجرة من اليمن عبرت البحر الأحمر إلى إثيوبيا في حوالي الألف الثالث - الألف الثاني ق.م و قد بينت التحريات الأثرية أن تلك الإتصالات الثقافية ذات الدوافع الإقتصادية إستمرت في العصور اللاحقة و بلغت أوج إزدهارها في النصف الثاني من الألف الثانية و بداية الألف الأول قبل الميلاد تقريباً و تعد مستوطنة صبر لحج المؤرخة بنهاية الألف الثالثة - الألف الثانية ق.م من أهم المواقع الأثرية التي أكدت تلك الإتصالات الثقافية التي تعد باكورة الإتصالات البحرية بين الممالك اليمنية القديمة و شرق إفريقيا ( غالب 2010 : 19 ؛ فوكت و ألكسندر 1999م : 44 ، 48 ؛ 42 : 2010 Potts ) .
و أخذت تلك العلاقات تتبلور بشكل أفضل بدء بالقرن التاسع ق.م و تمخض عن ذلك قيام سلطة سياسية تتبع الدولة السبئية في منطقة دعمت في المرتفعات الشمالية إستمرت حتي منتصف الألف الأول ق.م ( 216-215 : 2012 ، Gerlach ) و ظل التواصل الثقافي و الإقتصادي قائماً حتى القرن السادس الميلادي على الأقل ( 145 : 2011 . al et ، Japp ) و قد بينت الأعمال الأثرية التي قام بها معهد الآثار الألماني DIA و البعثة الأثرية الفرنسية الإثيوبية المشتركة أن الثقافة السبئية ظهرت بصماتها واضحة في المرتفعات في شمال إثيوبيا و جنوب شرق إريتريا من أوائل الألفية الأولى قبل الميلاد فصاعداً في مجال العمارة و الكتابة و الدين و النظام السياسي ثم إستمرت تلك الصلات في التطور حتى قيام الدولة الإثيوبية - اليمنية في النصف الأول من الألف الأول ق.م على أقل التقديرات ( غالب و الشهاب غ م : 2020 , 26 ) .
و يفهم من المصادر الكلاسيكية أن سكان إثيوبيا الأصليين عند قدوم المهاجرين اليمنيين إليها كانوا يعيشون حياة الجمع و الصيد و أنهم أخذوا عن المهاجرين العرب ( اليمنيين ) عند مطلع الألف الأول ق.م معارفهم التقنية - كإستخدام المحراث و إستئناس الحيوان و إستعمال الحديد و إستخدام الحجر في البناء - و معارفهم الفكرية - كالدين و اللغة - ( الشيبة د ت : 169 ) خاصة و أن أقدم النقوش المكتشفة في الحبشة كُتبت بالخط المسند و اللغة السبئية ( بافقيه 2007 :183 . ) .
و في ظل هذا التطور في نوعية المعلومات فإن القول بأن الأرض اليمنية هي واحدة من المواطن الأصلية لشجرة البن إلى جانب إثيوبيا بات أمراً واقعاً أكثر من كونه إحتمالاً إن الإنتشار الكثيف لشجرة البن في كل من اليمن و إثيوبيا يمكن أن يعزى لعدة أسباب برأينا و أهمها :
1 - أن الأصل و المنشأ واحد بين البلدين إنقسم بعد ذلك إلى موطنين بفعل الفصل القاري الذي فصل شبه الجزيرة العربية عن شرق إفريقيا في الدهر الجيولوجي الثلاثي و ما رافق ذلك من إنتشار بعض النباتات و الحيوانات على الجانبين ( جانتل 1999 : 18 ) خاصة بعد أن أثبتت الدراسات أن نحو 90 % من النباتات اليمنية ( جنوب غرب الجزيرة العربية ) و الشرق إفريقية ذات أصل واحد وجدت في نفس الوسط البيئي و في زمن واحد و التسميات العلمية لها تتبع و تنبع من وقت و مكان إكتشافها فتسمى بأسمائها المحلية أو نسبة للنطاق الجغرافي الذي وجدت فيه أو نسبة لمكتشفها حيث يحمل النبات إسمه القديم الذي عرف به لأول مرة كما هو حال العسق مثلاً لا حصراً ( الخليدي : ت ش ) .
2 - إن إختفاء البن بصفته البرية في اليمن و ظهوره بصفته المنزرعة كان بسبب التوسع الأفقي للمستوطنات البشرية في منطقة المرتفعات و الهضبة منذ الألف الخامس على الأقل الأمر الذي أدى إلى تراجع الغطاء النباتي بشكل كبير و إختفاء الكثير من النباتات بصفتها البرية و منها القات و البن و بقى من النباتات البرية إلى حد ما العسق و العلب .
و في حالة سلمنا بالرأي القائل : بأن البن إنتقلت أشجاره من إفريقيا إلى اليمن فإن ذلك برأينا في حال ثبوته قد تم من خلال الإنتقال المباشر عن طريق العلاقات التجارية النشطة بين اليمن و شرق إفريقيا و التي بدأت منذ عهود مبكرة عبر باب المندب بدء بعصور ما قبل التاريخ كان فيها تسيد للثقافة العربية الجنوبية في مرتفعات الحبشة و شرق إفريقيا حتى جاء في البربليوس أن سواحل شرق إفريقيا هي سواحل أوسانية و قد أكدت الدلائل الأثرية و الصلات اللغوية ذلك ( غالب 2010 : 17 ، 19 ؛ الشيبة د ت : 179 ؛ رحيم و حجي 2009 416 ، 426 ، 433 ؛ Uilendorff E . 28 :1955 ؛ Doe ، 198 : 100 ) و هذا بدوره دليل على سيطرة سياسية مُطلقة و تحكم في الموارد الإقتصادية المختلفة و معرفة بطبيعة المحاصيل الزراعية في تلك البلاد .
الدراسات اللغوية تشير في النقوش المسندية اليمنية القديمة إلى ألفاظ تدل على وجود البُن منها بعض الألفاظ مثل ( ب ن م - و أ ب و ن ) و التي يمكن قراءتها بأنها البُن و إن كان المشتغلين بحقل الدراسات اللغوية قد قرأوا تلك الألفاظ على أنها البان غير أن جهلنا بقواعد لغة اليمن القديم و بالكيفية التي كانت تنطق ( 337 : 2020 , Stein ) بها الألفاظ و في ظل غياب الحركات يجعل إمكانية إفتراض قراءتها على أنها البُن أمراً وارداً و لعل في تشابه تلك الألفاظ مع بعض المحكيات اليمنية الحالية ما يحتم علينا ضرورة إعادة النظر في قراءة تلك الألفاظ التي فسرت على أنها تعني شجرة البان مع إحتمال قراءتها على أنها تعني البُن من وجهة نظرنا فقد جاء على سبيل المثال اللفظ ( بنم ) في نقش عبدان الكبير و الذي يؤرخ بحوالي القرن الرابع الميلادي و هو وثيقة مهمة أرخت لأعمال حربية و معمارية و أخرى زراعية حيث جاء في السطر 36 منه حديث عن زراعة بعض الأشجار في الوادي المسمى أميتن على النحو التالي :
و لربما كان البُن واحدة من تلك الأشجار التي نمت بشكل أو بأخر على ضفاف الوديان خاصة و أن البُن العربي ذاتي التلقيح و ينمو في بيئات يتراوح إرتفاعها عن مستوى سطح البحر بين 995 م : 2460 م ( المتوكل 2003 مج 1 :554 . ) .
و وفقاً للتوصيف الجغرافي لمحافظة شبوة فإن شروط نمو البُن فيها متوفرة إلى حد كبير فالمحافظة تتركز فيها المرتفعات في الأجزاء الغربية و الجنوبية على حدود المحافظة مع محافظة أبين و معظم هذه المرتفعات يطلق عليها جبال الكور ( كور العوالق ) و هي سلاسل جبلية متصلة بسلسلة جبال العوالق السفلى الواقعة في الأجزاء الشرقية و الشمالية الشرقية من محافظة أبين و تمتد شمالاً و تحديداً في مديريات ( حطيب نصاب ) و الأجزاء الجنوبية لمديريات ( مرخة ) و أهم تلك الجبال هي جبال الصير ( 1896 م / فوق سطح البحر ) و جبال صري أهل غُسيل ( 2285 م / فوق سطح البحر ) و جبال العِر ( 1886 م / فوق سطح البحر ) و جبل أمزمل ( 1652 م / فوق سطح البحر ) و جبل المحاجر ( 1473 م / فوق سطح البحر ) و جبال المرخام ( 1412 م / فوق سطح البحر ) و جبال آل علي ( 1773 م / فوق سطح البحر ) و جبال المنارة ( 1970 م / فوق سطح البحر ) و غيرها من الجبال الموجودة في المحافظة .
و يفهم من المصادر الكلاسيكية أن سكان إثيوبيا الأصليين عند قدوم المهاجرين اليمنيين إليها كانوا يعيشون حياة الجمع و الصيد و أنهم أخذوا عن المهاجرين العرب ( اليمنيين ) عند مطلع الألف الأول ق.م معارفهم التقنية - كإستخدام المحراث و إستئناس الحيوان و إستعمال الحديد و إستخدام الحجر في البناء - و معارفهم الفكرية - كالدين و اللغة - ( الشيبة د ت : 169 ) خاصة و أن أقدم النقوش المكتشفة في الحبشة كُتبت بالخط المسند و اللغة السبئية ( بافقيه 2007 :183 . ) .
و في ظل هذا التطور في نوعية المعلومات فإن القول بأن الأرض اليمنية هي واحدة من المواطن الأصلية لشجرة البن إلى جانب إثيوبيا بات أمراً واقعاً أكثر من كونه إحتمالاً إن الإنتشار الكثيف لشجرة البن في كل من اليمن و إثيوبيا يمكن أن يعزى لعدة أسباب برأينا و أهمها :
1 - أن الأصل و المنشأ واحد بين البلدين إنقسم بعد ذلك إلى موطنين بفعل الفصل القاري الذي فصل شبه الجزيرة العربية عن شرق إفريقيا في الدهر الجيولوجي الثلاثي و ما رافق ذلك من إنتشار بعض النباتات و الحيوانات على الجانبين ( جانتل 1999 : 18 ) خاصة بعد أن أثبتت الدراسات أن نحو 90 % من النباتات اليمنية ( جنوب غرب الجزيرة العربية ) و الشرق إفريقية ذات أصل واحد وجدت في نفس الوسط البيئي و في زمن واحد و التسميات العلمية لها تتبع و تنبع من وقت و مكان إكتشافها فتسمى بأسمائها المحلية أو نسبة للنطاق الجغرافي الذي وجدت فيه أو نسبة لمكتشفها حيث يحمل النبات إسمه القديم الذي عرف به لأول مرة كما هو حال العسق مثلاً لا حصراً ( الخليدي : ت ش ) .
2 - إن إختفاء البن بصفته البرية في اليمن و ظهوره بصفته المنزرعة كان بسبب التوسع الأفقي للمستوطنات البشرية في منطقة المرتفعات و الهضبة منذ الألف الخامس على الأقل الأمر الذي أدى إلى تراجع الغطاء النباتي بشكل كبير و إختفاء الكثير من النباتات بصفتها البرية و منها القات و البن و بقى من النباتات البرية إلى حد ما العسق و العلب .
و في حالة سلمنا بالرأي القائل : بأن البن إنتقلت أشجاره من إفريقيا إلى اليمن فإن ذلك برأينا في حال ثبوته قد تم من خلال الإنتقال المباشر عن طريق العلاقات التجارية النشطة بين اليمن و شرق إفريقيا و التي بدأت منذ عهود مبكرة عبر باب المندب بدء بعصور ما قبل التاريخ كان فيها تسيد للثقافة العربية الجنوبية في مرتفعات الحبشة و شرق إفريقيا حتى جاء في البربليوس أن سواحل شرق إفريقيا هي سواحل أوسانية و قد أكدت الدلائل الأثرية و الصلات اللغوية ذلك ( غالب 2010 : 17 ، 19 ؛ الشيبة د ت : 179 ؛ رحيم و حجي 2009 416 ، 426 ، 433 ؛ Uilendorff E . 28 :1955 ؛ Doe ، 198 : 100 ) و هذا بدوره دليل على سيطرة سياسية مُطلقة و تحكم في الموارد الإقتصادية المختلفة و معرفة بطبيعة المحاصيل الزراعية في تلك البلاد .
الدراسات اللغوية تشير في النقوش المسندية اليمنية القديمة إلى ألفاظ تدل على وجود البُن منها بعض الألفاظ مثل ( ب ن م - و أ ب و ن ) و التي يمكن قراءتها بأنها البُن و إن كان المشتغلين بحقل الدراسات اللغوية قد قرأوا تلك الألفاظ على أنها البان غير أن جهلنا بقواعد لغة اليمن القديم و بالكيفية التي كانت تنطق ( 337 : 2020 , Stein ) بها الألفاظ و في ظل غياب الحركات يجعل إمكانية إفتراض قراءتها على أنها البُن أمراً وارداً و لعل في تشابه تلك الألفاظ مع بعض المحكيات اليمنية الحالية ما يحتم علينا ضرورة إعادة النظر في قراءة تلك الألفاظ التي فسرت على أنها تعني شجرة البان مع إحتمال قراءتها على أنها تعني البُن من وجهة نظرنا فقد جاء على سبيل المثال اللفظ ( بنم ) في نقش عبدان الكبير و الذي يؤرخ بحوالي القرن الرابع الميلادي و هو وثيقة مهمة أرخت لأعمال حربية و معمارية و أخرى زراعية حيث جاء في السطر 36 منه حديث عن زراعة بعض الأشجار في الوادي المسمى أميتن على النحو التالي :
ثلثت / وعشري / أألفم / بقلم / وسثت / أألفم / أعلبم / وثني / ألفن / بنم ( بافقيه 1981 : 40 ? 2000 : 198 Sima ) و قد فسر بعض المشتغلين بحقل الدراسات النقشية ( Robin and Lwona ) كلمة ( بنم bnm ) على أنها تعني شجرة البان .
الجدير بالذكر أن ( بافقية ) في قراءته لنقش عبدان لم يعلق على الكلمة و لم يعطها أي تفسير يذكر ( بافقية 1981 : 41 ، ) غير أن روبان و زميلته عند إعادة قراءة النقش رجحوا أن المقصود باللفظ بنم أشجار البان ( بافقيه 2001 :39 ؛ 127 : 1994 Lwona and Robin ،) و نعتقد أن إمكانية قراءة اللفظ على أنه يعني البُن أمراً وارداً أيضاً خاصة و أننا نتعامل مع لغة ميتة كما و أن اللفظ الوارد في النقش له ما يشابهه في المحكية اليوم و يعزز هذا الفرض ورود لفظ أكثر قُرباً من المحكية في نقشين خشبيين أحدهما النقش ( , Stein 2010 ) 213 . Sab . Script . Mon = 130 BSB . X .
إن هذه الألفاظ الغير متفق على تفسيرها برأينا على قلتها ربما المقصود بها أشجار البُن خاصة و أن النقوش لم تذكر أشياء هامشية بل وثقت لأشياء إرتبطت بحياة الناس و معاشهم مثل : العنب - و النخيل - و العلب - و الجلجل - العتر ... الخ و هي مزروعات لا تزال زراعتها قائمة حتى يومنا هذا و البُن من الأشجار التي توارثت زراعته منذ زمن بعيد بينما البان الذي يفترض البعض أنه المقصود في النقوش زراعته هامشية و غير منتشرة كالبُن و بما أن شهرة الشيء تأتي من إستخدامه فنعتقد أن زراعة البُن في اليمن القديم ربما كانت موجودة غير أن ثماره لم تشتهر مثل المحاصيل النقدية كاللُبان و المُر التي كانت عماد الإقتصاد القديم في تلك الفترة و لربما كان شراب المزر الذي وصف بأن له نشوة كان يحضر من ثمار البُن خاصة و أن مشروب البُن يسمى القهوة وكما جاء في القواميس العربية بأن القهوة من أسماء الخمر فإننا نفترض للقهوة علاقة بالقاه التي جاءت الإشارة إليه في كتاب تاج العروس :
بأن من عادات أهل اليمن في الدرس و الرياسة التناوب و ذلك بأن يجتمعوا مرة عند هذا و مرة عند ذلك فيتعاونون على هذا العمل و يسمون ذلك » قاه « ( الزبيدي د ت : 478 ، ) و في كتاب النهاية في غريب الحديث و الأثر أن رجُلاً من أهل اليمن قال يا رسول ( إنا أهل قاه و إذا كان قاه أحدنا دعا من يعينه فعملوا له فأطعمهم و سقاهم من شراب يقال له المزر فقال : أله نشوة ؟ قال : نعم قال : فلا تشربوه ) و المزر شراب يشبه البيرة في العصر الحاضر بحسب يوسف عبدالله ( عبدالله 2021 : تواصل شخصي ) .
و بما أن البُن يُزرع و يُرعي غرسه و يتعهد بالسقي و الرعاية فإن في شرح بافقية للسطر 36 من نقش عبدان ما يعزز إفتراضنا بأن ربما المقصود باللفظ بنم البُن و ليس البان حيث وصف بافقية طبيعة الأرض التي يتحدث عنها النقش بقوله : » ينتقل النقش ليتناول ما بُقل أي غرس في تلك الجرب من أشجار و في أراضيهم التي يسميها النقش ( أميتن ) و هي أرض زراعية تسقى بإنتظام من خلال الآبار غالباً و كما نتصور أنها في الغالب أراضي زراعية لا تقع على طريق السيل و لا وسيلة لسقيها بمائه و إنما تُسقى بوسائل أخرى كماء الآبار » ( بافقيه :2001 : 39 ) .
الجدير بالذكر أن ( بافقية ) في قراءته لنقش عبدان لم يعلق على الكلمة و لم يعطها أي تفسير يذكر ( بافقية 1981 : 41 ، ) غير أن روبان و زميلته عند إعادة قراءة النقش رجحوا أن المقصود باللفظ بنم أشجار البان ( بافقيه 2001 :39 ؛ 127 : 1994 Lwona and Robin ،) و نعتقد أن إمكانية قراءة اللفظ على أنه يعني البُن أمراً وارداً أيضاً خاصة و أننا نتعامل مع لغة ميتة كما و أن اللفظ الوارد في النقش له ما يشابهه في المحكية اليوم و يعزز هذا الفرض ورود لفظ أكثر قُرباً من المحكية في نقشين خشبيين أحدهما النقش ( , Stein 2010 ) 213 . Sab . Script . Mon = 130 BSB . X .
إن هذه الألفاظ الغير متفق على تفسيرها برأينا على قلتها ربما المقصود بها أشجار البُن خاصة و أن النقوش لم تذكر أشياء هامشية بل وثقت لأشياء إرتبطت بحياة الناس و معاشهم مثل : العنب - و النخيل - و العلب - و الجلجل - العتر ... الخ و هي مزروعات لا تزال زراعتها قائمة حتى يومنا هذا و البُن من الأشجار التي توارثت زراعته منذ زمن بعيد بينما البان الذي يفترض البعض أنه المقصود في النقوش زراعته هامشية و غير منتشرة كالبُن و بما أن شهرة الشيء تأتي من إستخدامه فنعتقد أن زراعة البُن في اليمن القديم ربما كانت موجودة غير أن ثماره لم تشتهر مثل المحاصيل النقدية كاللُبان و المُر التي كانت عماد الإقتصاد القديم في تلك الفترة و لربما كان شراب المزر الذي وصف بأن له نشوة كان يحضر من ثمار البُن خاصة و أن مشروب البُن يسمى القهوة وكما جاء في القواميس العربية بأن القهوة من أسماء الخمر فإننا نفترض للقهوة علاقة بالقاه التي جاءت الإشارة إليه في كتاب تاج العروس :
بأن من عادات أهل اليمن في الدرس و الرياسة التناوب و ذلك بأن يجتمعوا مرة عند هذا و مرة عند ذلك فيتعاونون على هذا العمل و يسمون ذلك » قاه « ( الزبيدي د ت : 478 ، ) و في كتاب النهاية في غريب الحديث و الأثر أن رجُلاً من أهل اليمن قال يا رسول ( إنا أهل قاه و إذا كان قاه أحدنا دعا من يعينه فعملوا له فأطعمهم و سقاهم من شراب يقال له المزر فقال : أله نشوة ؟ قال : نعم قال : فلا تشربوه ) و المزر شراب يشبه البيرة في العصر الحاضر بحسب يوسف عبدالله ( عبدالله 2021 : تواصل شخصي ) .
و بما أن البُن يُزرع و يُرعي غرسه و يتعهد بالسقي و الرعاية فإن في شرح بافقية للسطر 36 من نقش عبدان ما يعزز إفتراضنا بأن ربما المقصود باللفظ بنم البُن و ليس البان حيث وصف بافقية طبيعة الأرض التي يتحدث عنها النقش بقوله : » ينتقل النقش ليتناول ما بُقل أي غرس في تلك الجرب من أشجار و في أراضيهم التي يسميها النقش ( أميتن ) و هي أرض زراعية تسقى بإنتظام من خلال الآبار غالباً و كما نتصور أنها في الغالب أراضي زراعية لا تقع على طريق السيل و لا وسيلة لسقيها بمائه و إنما تُسقى بوسائل أخرى كماء الآبار » ( بافقيه :2001 : 39 ) .
و يفهم مما ورد أن الأشجار التي دونت في النقش زُرِعت بفعل الإنسان الذي تعهدها بالرعاية و السقي و ربما كان المقصود باللفظ بنم البُن و ليس البان و التي ربما كانت ظروف الوادي المناخية في ذلك الزمان مواتية لزراعتها و ربما نقلت ثقافة زراعتها من منطقة المرتفعات اليمنية ضمن عملية نشر صناعي تمت من خلال نقل شتلات و ثمار البُن لزراعتها في الوديان الداخلية في الأطراف الشرقية كما هو الحال في وادي نصاب ( 2002 حبتور : 189 ، ) خاصة و أن الدلائل الأثرية و الجيمورفولوجية تشير إلى أن سكان المدن و المراكز الكبيرة في أودية الأرض السهلية جزء منهم في الأصل من سكان المرتفعات الجبلية إنتقل أعداد منهم للعيش في هذه الوديان الكبيرة بفعل التحولات المناخية في أواخر الألف الثالثة ق.م و بداية الألف الثاني ق.م بسبب تنامي دورة الجفاف و تناقص الأمطار الأمر الذي إضطر جماعات من سكان المرتفعات للإنتقال للعيش على ضفاف الوديان الكبيرة في الأراضي السهلية الواقعة على إرتفاع 1000 متر عن سطح البحر في نهاية الألف الثالث و بداية الثاني ق.م فنشروا الزراعة في هذه الوديان بشكل تدريجي إرتبط بزيادة الكثافة السكانية و تطور المعارف و المهارات و كذلك التحولات المناخية و قد أسسوا مستوطناتهم على ضفاف الأودية و التي كانت النواة الأولى لقيام ممالك القوافل في الألف الثاني ق.م ( غالب 2010 : 14 - 16 ) و حتماً نقل هؤلاء المزارعون مهاراتهم و معارفهم الزراعية كما عملوا على نشر زراعة بعض المحاصيل نفترض أن البُن أحدها في مزارع تلك الوديان في أطراف الصحراء العربية و السفوح الشرقية للجبال التي تعتمد على مياة السيول المندفعة بقوة من المرتفعات الجبلية ( جانتل 1999 : 19. ) و يظهر أن الإندفاع الكبير لمياة السيول في تلك الوديان كان له دور محوري في ترسيب التربة الغرينية الخصبة فقد تعرضت المناطق الصحراوية المنخفضة خلال الهولوسين لأربع مراحل رطبة مختلفة خلال الفترة بين ( 12000 BP 7500 : BP ) ظهرت خلالها العديد من البحيرات العذبة و قد تعرضت جفاف جزئي أو كُلي خلال فترات الجفاف المؤرخة ب ( 10.300 ، 8.750 ، 7.900 BP ) إذ لم يتم التعرف على أي دليل بعد 7000 BP يسمح بالتعرف على فيضانات نهرية كشاهد على تساقطات مطرية قصيرة و عنيفة كتلك التي لا تزال معروفة حتى اليوم إذ تركت تلك الفيضانات ترسبات طمئية هائلة وجدت آثارها على أطراف الوديان أسفل الهضبة و أُرخت إرسبات الري الغرينية في تمنع بين 2200 - 2400 BP و قد بينت الدراسات أن البيئة النباتية في المناطق المنخفضة الإرتفاع في الجزيرة العربية كانت مُختلفة قليلاً عن ما هو عليه حالياً و كانت الأشجار المدارية الآتية من المناطق القريبة من خط الإستواء كثيرة بالفعل في أطراف مجاري المياة بالأرجح على هيئة أحراج غابية ( ليزين 2007 : 65 ) .
و لربما كان البُن واحدة من تلك الأشجار التي نمت بشكل أو بأخر على ضفاف الوديان خاصة و أن البُن العربي ذاتي التلقيح و ينمو في بيئات يتراوح إرتفاعها عن مستوى سطح البحر بين 995 م : 2460 م ( المتوكل 2003 مج 1 :554 . ) .
و وفقاً للتوصيف الجغرافي لمحافظة شبوة فإن شروط نمو البُن فيها متوفرة إلى حد كبير فالمحافظة تتركز فيها المرتفعات في الأجزاء الغربية و الجنوبية على حدود المحافظة مع محافظة أبين و معظم هذه المرتفعات يطلق عليها جبال الكور ( كور العوالق ) و هي سلاسل جبلية متصلة بسلسلة جبال العوالق السفلى الواقعة في الأجزاء الشرقية و الشمالية الشرقية من محافظة أبين و تمتد شمالاً و تحديداً في مديريات ( حطيب نصاب ) و الأجزاء الجنوبية لمديريات ( مرخة ) و أهم تلك الجبال هي جبال الصير ( 1896 م / فوق سطح البحر ) و جبال صري أهل غُسيل ( 2285 م / فوق سطح البحر ) و جبال العِر ( 1886 م / فوق سطح البحر ) و جبل أمزمل ( 1652 م / فوق سطح البحر ) و جبل المحاجر ( 1473 م / فوق سطح البحر ) و جبال المرخام ( 1412 م / فوق سطح البحر ) و جبال آل علي ( 1773 م / فوق سطح البحر ) و جبال المنارة ( 1970 م / فوق سطح البحر ) و غيرها من الجبال الموجودة في المحافظة .
أما المناخ فيسود المحافظة ثلاثة أنواع من المناخ ففي المناطق الشمالية يسودها مناخ صحراوي حيث يكون حاراً صيفاً بارداً جافاً شتاءً أما الأجزاء الجبلية فإنها تشهد مناخاً معتدلاً صيفاً و بارداً شتاءً و النوع الثالث في الأجزاء الساحلية حار صيفاً و دافئ شتاءً و تسقط الأمطار عموماً في فصل الصيف و من جانب آخر فإن المحافظة تحظى بتدفق كميات كبيرة من السيول القادمة من المحافظات الأخرى و تُمثل الأشجار المعمرة المتناثرة قرب الأودية و الشعاب مثل السِدّرْ و السُمُرْ و القْرضَ و بعض أشجار الطلح و الأثل و العُشر و العوسج أهم مكونات الغطاء النباتي إلى جانب بعض أنواع من الحشائش و النباتات الصغيرة التي تكثر خلال مواسم الأمطار ( https//:yemen-nic.info/gover/shabwaa/brife و عليه يبقى إحتمالية نمو أشجار البُن في شبوة أمراً قائماً خاصة و أن العلماء وجدوا أن هناك فصائل من البُن في شرق إفريقيا ينمو في ظل وجود مناخ جاف .
إن لفظ ( بنم ) في نقش عبدان فُسر وفق إفتراضات و مقارنات لغوية مع القواميس العربية الفصيحة مثل قاموس مختار الصحاح إذ جاء فيه اللفظ ( بون ) أي البان و هي ضرب من الشجر واحده ( بانة ) ( الرازي د ت : 70 ، ) لكن تبقى إحتمالية أن يكون المقصود باللفظ البُن أمر قائم في ظل الإختلاف اللغوي بين عربية أهل اليمن و بين الفصحى و كما جاء في اللسان “ ليس عندنا عربيت ، من دخل ظفار حَّمر ( الحبشي 1990 : 31 ، ) و ينسب إلى أبي عمرو بن العلاء ( ت 154 هـ ) قوله : ” ما لسان حمير و أقاصي اليمن اليوم بلساننا و لا عربيتهم بعربيتنا “ و يفهم من كلام يُنسب لأبن جنّي ( ت 392 هـ ) إيضاحاً مفاده ” أن لغة حمير و ما شابهها مختلفة تماماً عن لهجات ربيعة و مضر ” و جاء عند صاحب اللسان : ” و حمر الرجل : تكلم بكلام حمير و لهم ألفاظ و لغات تخالف لغات سائر العرب ” .
و نستند في إفتراضنا بأن المقصود باللفظ في عبدان هو البُن إلى نتائج الدراسة التي قدمها ( حبتور ) الذي قام بعمل مسح ميداني لوادي عبدان و محيطه و تبين له وجود زراعة لأشجار البُن في وادي نصاب و الذي تصب به العديد من الأودية منها عَبدان أحد روافد وادي نصاب و الذي يرتفع نحو 1100 متر عن مستوى سطح البحر و يقول حبتور : » أما البُن فعلى الرغم من قلة زراعته اليوم فإن منطقة نصاب لا تزال تحتضن عدداً قليلاً من أشجاره مما يؤكد صلاحية جوها لنموه كما أن وجوده اليوم يؤكد بأن المقصود في النقش الإشارة إلى البُن ( القهوة ) و ليس إلى البان ( Ban ) كما ذهب إلى ذلك روبان و زميلته ” ( حبتور 2002 :191 ) و يؤيد طيران ما جاء في حديث حبتور و يذهب إلى ما نذهب إليه هنا بأن البُن من الأشجار التي نمت في الأرض و البيئة اليمنية منذ عصور ما قبل الإسلام على أقل التقديرات ( طيران : ت ش ) .
الجدير بالذكر أن ثمة إشارات وردت في نقوش أخرى لشجرة أسمتها النقوش ( و أ ب و ن ) و هو يختلف تماماً عن اللفظ الوارد في نقش عبدان بنم و من تلك النقوش :
النقش RES 3958 و هو من نقوش القرن الثالث الميلادي عصر ملوك سبأ و ذي ريدان و هو من النقوش المؤرخة بسنة 144 من شهر صيد و صاحب النقش هو : ناصر يهحمد ، قيل ردمان و خولان - في منطقة ردمان التي ترتفع عن سطح البحر نحو 1900 متر و التي كانت تتبع الدولة الحضرمية حينها في عهد الملك إل عزيلط بن عم ذخر بعد أفول نجم قتبان ( بافقيه ، وآخرون 1985م : 170 - 171 ،) ففي السطر الرابع منه ( و م س ق ت ه و / و ب ق ل / ك ل / ب ق ل / و أ ع ل ب / و أ ب و ن / .. ) . و منطقة ردمان تقع إدارياً ضمن محافظة البيضاء المشهورة بالقهوة و فيها يزرع البُن أيضاً ( الحكيمي 2012 م ) .
و بُنة لفظ مشترك يطلق على شجرة البُن في اليمن و الحبشة و وجود اللفظ في الحبشة لا يعني أنه هو الأصل و منها إنتشر في اليمن بل العكس خاصة و أن الحبشة كتبت في بادي الأمر بالخط اليمني القديم و لغتها القديمة تدخل ضمن عائلة اللغات العربية الجنوبية و الشاهد على ذلك العثور على مئات النقوش اليمنية القديمة في الحبشة ( 22 : VOIGT2012 ) في كل من يحا و مطرة و أكسوم كتبت بلغة عربية جنوبية .
و قد ورد اللفظ بُنة في نقشين خشبيين ( شكل 19 - 20 ) من نقوش الزبور نشرهما الألماني بيتر أشتاين Stein هما النقش : 608. sab. script.Mon = 34 BSB. x ، جاء في السطر الأول منه اللفظ -1
ع ش ر / ب ن ت م / ب ذ ه ب ن / ذ ت / ي د ع ، و قد قام بمقارنة النقش بما أورده سيما Sima عند مناقشته لنقش عبدان و أخذ برأيه أن اللفظ بنتم المراد به أشجار البان و لكنه من خلال مقارنته للفظ مع اللغة المهرية قال أن المقصود باللفظ في المهرية هو أشجار القهوة و يتحدث
النقش في السطر الأول منه عن إرسال شحنتين من ثمار بنتم التي إفترض أشتاين إنها المورجينا ليس لدليل عنده و لكن لإعتقاده أن البان من الأشجار المفيدة ( 198 : 2000 Sima ، 153 : 2010 Stein ) بينما نعتقد نحن أنها البُن و نعتقد أنه يمكن مقارنة الحرف الناقص في النقش .Mon= 34 BSB. x
608. sab. script، بالنقش الثاني 213 . sab.script.Mon = 130 BSB.X ، فيكون معنى الكلمة
الأولى ( معشر / بنتم ) و المعشر و المعشرة آنية تصنع من الخشب على غرار الجِفنة و تحفظ فيها الحبوب و الثمار و بحسب ترجمة أشتاين للنقش يفهم منه أنه وثيقة تسليم و إستلام للبضاعة الوارد إسمها في السطر الأول و هي بنتم و قد عنون أشتاين النقش بأنه إيصال تسليم زيت فواكه .
أما النقش الثاني هو الموسوم ب : 213 .sab.script.Mon = 130 BSB.X ، و الذي عنونه أشتاين بأنه خطاب يحدد آلية التعامل مع المرؤسين و يتكون من 10 أسطر و يتحدث عن توصيل أطعمة و مواد أخرى .
و نستند في إفتراضنا بأن المقصود باللفظ في عبدان هو البُن إلى نتائج الدراسة التي قدمها ( حبتور ) الذي قام بعمل مسح ميداني لوادي عبدان و محيطه و تبين له وجود زراعة لأشجار البُن في وادي نصاب و الذي تصب به العديد من الأودية منها عَبدان أحد روافد وادي نصاب و الذي يرتفع نحو 1100 متر عن مستوى سطح البحر و يقول حبتور : » أما البُن فعلى الرغم من قلة زراعته اليوم فإن منطقة نصاب لا تزال تحتضن عدداً قليلاً من أشجاره مما يؤكد صلاحية جوها لنموه كما أن وجوده اليوم يؤكد بأن المقصود في النقش الإشارة إلى البُن ( القهوة ) و ليس إلى البان ( Ban ) كما ذهب إلى ذلك روبان و زميلته ” ( حبتور 2002 :191 ) و يؤيد طيران ما جاء في حديث حبتور و يذهب إلى ما نذهب إليه هنا بأن البُن من الأشجار التي نمت في الأرض و البيئة اليمنية منذ عصور ما قبل الإسلام على أقل التقديرات ( طيران : ت ش ) .
الجدير بالذكر أن ثمة إشارات وردت في نقوش أخرى لشجرة أسمتها النقوش ( و أ ب و ن ) و هو يختلف تماماً عن اللفظ الوارد في نقش عبدان بنم و من تلك النقوش :
النقش RES 3958 و هو من نقوش القرن الثالث الميلادي عصر ملوك سبأ و ذي ريدان و هو من النقوش المؤرخة بسنة 144 من شهر صيد و صاحب النقش هو : ناصر يهحمد ، قيل ردمان و خولان - في منطقة ردمان التي ترتفع عن سطح البحر نحو 1900 متر و التي كانت تتبع الدولة الحضرمية حينها في عهد الملك إل عزيلط بن عم ذخر بعد أفول نجم قتبان ( بافقيه ، وآخرون 1985م : 170 - 171 ،) ففي السطر الرابع منه ( و م س ق ت ه و / و ب ق ل / ك ل / ب ق ل / و أ ع ل ب / و أ ب و ن / .. ) . و منطقة ردمان تقع إدارياً ضمن محافظة البيضاء المشهورة بالقهوة و فيها يزرع البُن أيضاً ( الحكيمي 2012 م ) .
و بُنة لفظ مشترك يطلق على شجرة البُن في اليمن و الحبشة و وجود اللفظ في الحبشة لا يعني أنه هو الأصل و منها إنتشر في اليمن بل العكس خاصة و أن الحبشة كتبت في بادي الأمر بالخط اليمني القديم و لغتها القديمة تدخل ضمن عائلة اللغات العربية الجنوبية و الشاهد على ذلك العثور على مئات النقوش اليمنية القديمة في الحبشة ( 22 : VOIGT2012 ) في كل من يحا و مطرة و أكسوم كتبت بلغة عربية جنوبية .
و قد ورد اللفظ بُنة في نقشين خشبيين ( شكل 19 - 20 ) من نقوش الزبور نشرهما الألماني بيتر أشتاين Stein هما النقش : 608. sab. script.Mon = 34 BSB. x ، جاء في السطر الأول منه اللفظ -1
ع ش ر / ب ن ت م / ب ذ ه ب ن / ذ ت / ي د ع ، و قد قام بمقارنة النقش بما أورده سيما Sima عند مناقشته لنقش عبدان و أخذ برأيه أن اللفظ بنتم المراد به أشجار البان و لكنه من خلال مقارنته للفظ مع اللغة المهرية قال أن المقصود باللفظ في المهرية هو أشجار القهوة و يتحدث
النقش في السطر الأول منه عن إرسال شحنتين من ثمار بنتم التي إفترض أشتاين إنها المورجينا ليس لدليل عنده و لكن لإعتقاده أن البان من الأشجار المفيدة ( 198 : 2000 Sima ، 153 : 2010 Stein ) بينما نعتقد نحن أنها البُن و نعتقد أنه يمكن مقارنة الحرف الناقص في النقش .Mon= 34 BSB. x
608. sab. script، بالنقش الثاني 213 . sab.script.Mon = 130 BSB.X ، فيكون معنى الكلمة
الأولى ( معشر / بنتم ) و المعشر و المعشرة آنية تصنع من الخشب على غرار الجِفنة و تحفظ فيها الحبوب و الثمار و بحسب ترجمة أشتاين للنقش يفهم منه أنه وثيقة تسليم و إستلام للبضاعة الوارد إسمها في السطر الأول و هي بنتم و قد عنون أشتاين النقش بأنه إيصال تسليم زيت فواكه .
أما النقش الثاني هو الموسوم ب : 213 .sab.script.Mon = 130 BSB.X ، و الذي عنونه أشتاين بأنه خطاب يحدد آلية التعامل مع المرؤسين و يتكون من 10 أسطر و يتحدث عن توصيل أطعمة و مواد أخرى .
و يُهيب المُرسل بالمرسل إليه بأن يحجزوا له معشر بنتم الذي ورد إسمه في السطر 6 ب ن ت م و فُسر أيضاً على أنه البان و التي ربما منها يستخرج الزيت كما جاء في تعليق ناشر النقوش ( Stein 465 : 2010 . ) و قد وصفت بنتم بأنها معشر و المعشر و المعشرة كما أسلفنا آنية تصنع من جذوع الشجر و معروفة في ريف تعز و عادة ما تستخدم لنقل و خزن الحبوب .
و نظراً لكون النقوش تتحدث عن مراسلات لها طابع تجاري كما يبدو فضلاً عن كونها نقوش معينية فهذا يجعلنا نفترض أن بنتم المراد بها البُن و الذي ربما في تلك الفترة كان سلعة تجارية لها رواج .
و بالعودة إلى معجم Jonstone الخاصة باللغة المهرية ( الجبالية ) فقد تبين ورود اللفظ المهري powder coffee ( bun ، bnn ) و في موضع آخر n ) bn ( أيضاً مسحوق القهوة wder coffe ) حيث علق المؤلف بقوله ( حصلنا على حبوب البُن هناك ) . beans from coffee there got we 18 ، 27 : Jonstone1981 ، (
كذلك الحال بالنسبة لمعجم كين للغة المهرية فإن المراد باللفظ bunna القهوة ( 920 : 1990 Kane ) .
و الملاحظ أن اللفظين أ ب و ن م ، ب ن ت م اللذين وردا في النقوش المشار إليهما يتطابقان إلى حد كبير مع اللفظ المنطوق في اللهجة المحلية في تعز و إب و يقال في بعض اللهجات المحلية في اليمن عن البُن ( بُوْن ) بضم الباء و سكون الواو و للشجرة الواحدة بُنة بينما كلمة ( بَانَ ) التي فسروا ألفاظ النقوش بأنها تقصدها فهي بفتح الباء و الواو و عليه يبقى تفسير اللفظ أ ب و ن م في النقوش طبقاً لقواعد اللغة العربية الفصحى أمراً غير منطقي و قد يخرج اللفظ عن معناه الأصلي كوننا نجهل نطق الكلمة وفق قواعد لغة النقوش اليمنية القدمية الصوتية و لكن تبقى المقارنة مع الألفاظ المحكية اليوم دليل قوي على أصالة اللفظ من حيث المعنى و المبنى و نفترض بأن ما ورد في النقوش البُن أ ب و ن م لا سواه كما هو منطوق اليوم في لهجة تعز ( أبُوْن ) و الميم الأخيرة زائدة للتنكير على غرار حمرم - اابلم ( محمد 2017 : 86 ، ) حيث يلاحظ أيضاً في تعز في جمع كلمة حمير يقال أحمري ، و أأبل .
____________________________________________