الأحد، 6 فبراير 2022

( تاريخ البُن اليمني قراءة في الدليل الأثري و النقشي و الرواية التاريخية )

تاريخ البُن اليمني قراءة في الدليل الأثري
و النقشي و الرواية التاريخية .

( فرضيات جديدة في الأصل و المنشأ ) - دراسة إستقرائية تحليلية .

د / سامي شرف محمد غالب الشهاب .
( باحث أكاديمي )

==============================

شهد العصر الحجري الحديث ( الألف الثامن ق.م - الألف الرابع ق.م ) علاقات تجارية نشطة بين اليمن و شرق إفريقيا تم التحقق منها من خلال تجارة الأوبسيديان و الأدوات القزمية ( غالب 2010 : 19. ) كما إن التطابق في مشاهد الرسوم و الصور الصخرية التي تم العثور عليها في عدد من المناطق شرق القرن الإفريقي و المتشابهة مع نظرياتها في مناطق المرتفعات الوسطى و الجنوبية في اليمن و المؤرخة ب ( الألف الثالث - الألف الثاني قبل الميلاد ) و أسلوب الرسم الذي نفذت به دليل على خروج جماعات مهاجرة من اليمن عبرت البحر الأحمر  إلى إثيوبيا في حوالي الألف الثالث - الألف الثاني ق.م و قد بينت التحريات الأثرية أن تلك الإتصالات الثقافية ذات الدوافع الإقتصادية إستمرت في العصور اللاحقة و بلغت أوج إزدهارها في النصف الثاني من الألف الثانية و بداية الألف الأول قبل الميلاد تقريباً و تعد مستوطنة صبر لحج المؤرخة بنهاية الألف الثالثة - الألف الثانية ق.م من أهم المواقع الأثرية التي أكدت تلك الإتصالات الثقافية التي تعد باكورة الإتصالات البحرية بين الممالك اليمنية القديمة و شرق إفريقيا ( غالب 2010 : 19 ؛ فوكت و ألكسندر 1999م : 44 ، 48 ؛ 42 : 2010 Potts ) .

و أخذت تلك العلاقات تتبلور بشكل أفضل بدء بالقرن التاسع ق.م و تمخض عن ذلك قيام سلطة سياسية تتبع الدولة السبئية في منطقة دعمت في المرتفعات الشمالية إستمرت حتي منتصف الألف الأول ق.م ( 216-215 : 2012 ، Gerlach ) و ظل التواصل الثقافي و الإقتصادي قائماً حتى القرن السادس الميلادي على الأقل ( 145 : 2011 . al et ، Japp ) و قد بينت الأعمال الأثرية التي قام بها معهد الآثار الألماني  DIA و البعثة الأثرية الفرنسية الإثيوبية المشتركة أن الثقافة السبئية ظهرت بصماتها واضحة في المرتفعات في شمال إثيوبيا و جنوب شرق إريتريا من أوائل الألفية الأولى قبل الميلاد فصاعداً في مجال العمارة و الكتابة و الدين و النظام السياسي ثم إستمرت تلك الصلات في التطور حتى قيام الدولة الإثيوبية - اليمنية في النصف الأول من الألف الأول ق.م على أقل التقديرات ( غالب و الشهاب غ م : 2020 , 26 ) .

و يفهم من المصادر الكلاسيكية أن سكان إثيوبيا الأصليين عند قدوم المهاجرين اليمنيين إليها كانوا يعيشون حياة الجمع و الصيد و أنهم أخذوا عن المهاجرين العرب ( اليمنيين ) عند مطلع الألف الأول ق.م معارفهم التقنية - كإستخدام المحراث و إستئناس الحيوان و إستعمال الحديد و إستخدام الحجر في البناء - و معارفهم الفكرية - كالدين و اللغة - ( الشيبة د ت : 169 ) خاصة و أن أقدم النقوش المكتشفة في الحبشة كُتبت بالخط المسند و اللغة السبئية ( بافقيه 2007 :183 . ) .

و في ظل هذا التطور في نوعية المعلومات فإن القول بأن الأرض اليمنية هي واحدة من المواطن الأصلية لشجرة البن إلى جانب إثيوبيا بات أمراً واقعاً أكثر من كونه إحتمالاً إن الإنتشار الكثيف لشجرة البن في كل من اليمن و إثيوبيا يمكن أن يعزى لعدة أسباب برأينا و أهمها :

1 - أن الأصل و المنشأ واحد بين البلدين إنقسم بعد ذلك إلى موطنين بفعل الفصل القاري الذي فصل شبه الجزيرة العربية عن شرق إفريقيا في الدهر الجيولوجي الثلاثي و ما رافق ذلك من إنتشار بعض النباتات و الحيوانات على الجانبين ( جانتل 1999 : 18 ) خاصة بعد أن أثبتت الدراسات أن نحو 90 % من النباتات اليمنية ( جنوب غرب الجزيرة العربية ) و الشرق إفريقية ذات أصل واحد وجدت في نفس الوسط البيئي و في زمن واحد و التسميات العلمية لها تتبع و تنبع من وقت و مكان إكتشافها فتسمى بأسمائها المحلية أو نسبة للنطاق الجغرافي الذي وجدت فيه أو نسبة لمكتشفها حيث يحمل النبات إسمه القديم الذي عرف به لأول مرة كما هو حال العسق مثلاً لا حصراً ( الخليدي : ت ش ) .

2 - إن إختفاء البن بصفته البرية في اليمن و ظهوره بصفته المنزرعة كان بسبب التوسع الأفقي للمستوطنات البشرية في منطقة المرتفعات و الهضبة منذ الألف الخامس على الأقل الأمر الذي أدى إلى تراجع الغطاء النباتي بشكل كبير و إختفاء الكثير من النباتات بصفتها البرية و منها القات و البن و بقى من النباتات البرية إلى حد ما العسق و العلب .

و في حالة سلمنا بالرأي القائل : بأن البن إنتقلت أشجاره من إفريقيا إلى اليمن فإن ذلك برأينا في حال ثبوته قد تم من خلال الإنتقال المباشر عن طريق العلاقات التجارية النشطة بين اليمن و شرق إفريقيا و التي بدأت منذ عهود مبكرة عبر باب المندب بدء بعصور ما قبل التاريخ كان فيها تسيد للثقافة العربية الجنوبية  في مرتفعات الحبشة و شرق إفريقيا حتى جاء في البربليوس أن سواحل شرق إفريقيا هي سواحل أوسانية و قد أكدت الدلائل الأثرية و الصلات اللغوية ذلك ( غالب 2010 : 17 ، 19 ؛ الشيبة د ت : 179 ؛ رحيم و حجي 2009  416 ، 426 ، 433 ؛ Uilendorff E . 28 :1955 ؛ Doe ، 198 : 100 ) و هذا بدوره دليل على سيطرة سياسية مُطلقة و تحكم في الموارد الإقتصادية المختلفة و معرفة بطبيعة المحاصيل الزراعية في تلك البلاد .

الدراسات اللغوية تشير في النقوش المسندية اليمنية القديمة إلى ألفاظ تدل على وجود البُن منها بعض الألفاظ مثل ( ب ن م - و أ ب و ن ) و التي يمكن قراءتها بأنها البُن و إن كان المشتغلين بحقل الدراسات اللغوية قد قرأوا تلك الألفاظ على أنها البان غير أن جهلنا بقواعد لغة اليمن القديم و بالكيفية التي كانت تنطق ( 337 : 2020 , Stein ) بها الألفاظ و في ظل غياب الحركات يجعل إمكانية إفتراض قراءتها على أنها البُن أمراً وارداً و لعل في تشابه تلك الألفاظ مع بعض المحكيات اليمنية الحالية ما يحتم علينا ضرورة إعادة النظر في قراءة تلك الألفاظ التي فسرت على أنها تعني شجرة البان مع إحتمال قراءتها على أنها تعني البُن من وجهة نظرنا فقد جاء على سبيل المثال اللفظ ( بنم ) في نقش عبدان الكبير و الذي يؤرخ بحوالي القرن الرابع الميلادي و هو وثيقة مهمة أرخت لأعمال حربية و معمارية و أخرى زراعية حيث جاء في السطر 36 منه حديث عن زراعة بعض الأشجار في الوادي المسمى أميتن على النحو التالي :

ثلثت / وعشري / أألفم / بقلم / وسثت / أألفم / أعلبم / وثني / ألفن / بنم ( بافقيه 1981 : 40 ? 2000 : 198 Sima ) و قد فسر بعض المشتغلين بحقل الدراسات النقشية ( Robin and Lwona ) كلمة ( بنم bnm ) على أنها تعني شجرة البان .

الجدير بالذكر أن ( بافقية ) في قراءته لنقش عبدان لم يعلق على الكلمة و لم يعطها أي تفسير يذكر ( بافقية 1981 : 41 ، ) غير أن روبان و زميلته عند إعادة قراءة النقش رجحوا أن المقصود باللفظ بنم أشجار البان ( بافقيه 2001 :39 ؛ 127 : 1994 Lwona and Robin ،) و نعتقد أن إمكانية قراءة اللفظ على أنه يعني البُن أمراً وارداً أيضاً خاصة و أننا نتعامل مع لغة ميتة كما و أن اللفظ الوارد في النقش له ما يشابهه في المحكية اليوم و يعزز هذا الفرض ورود لفظ أكثر قُرباً من المحكية في نقشين خشبيين أحدهما النقش ( , Stein 2010 ) 213 . Sab . Script . Mon = 130 BSB . X .

إن هذه الألفاظ الغير متفق على تفسيرها برأينا على قلتها ربما المقصود بها أشجار البُن خاصة و أن النقوش لم تذكر أشياء هامشية بل وثقت لأشياء إرتبطت بحياة الناس و معاشهم مثل : العنب - و النخيل - و العلب - و الجلجل - العتر ... الخ و هي مزروعات لا تزال زراعتها قائمة حتى يومنا هذا و البُن من الأشجار التي توارثت زراعته منذ زمن بعيد بينما البان الذي يفترض البعض أنه المقصود في النقوش زراعته هامشية و غير منتشرة كالبُن و بما أن شهرة الشيء تأتي من إستخدامه فنعتقد أن زراعة البُن في اليمن القديم ربما كانت موجودة غير أن ثماره لم تشتهر مثل المحاصيل النقدية كاللُبان و المُر التي كانت عماد الإقتصاد القديم في تلك الفترة و لربما كان شراب المزر الذي وصف بأن له نشوة كان يحضر من ثمار البُن خاصة و أن مشروب البُن يسمى القهوة وكما جاء في القواميس العربية بأن القهوة من أسماء الخمر فإننا نفترض للقهوة علاقة بالقاه التي جاءت الإشارة إليه في كتاب تاج العروس :
بأن من عادات أهل اليمن في الدرس و الرياسة التناوب و ذلك بأن يجتمعوا مرة عند هذا و مرة عند ذلك فيتعاونون على هذا العمل و يسمون ذلك » قاه « ( الزبيدي د ت : 478 ، ) و في كتاب النهاية في غريب الحديث و الأثر أن رجُلاً من أهل اليمن قال يا رسول ( إنا أهل قاه و إذا كان قاه أحدنا دعا من يعينه فعملوا له فأطعمهم و سقاهم من شراب يقال له المزر فقال : أله نشوة ؟ قال : نعم قال : فلا تشربوه ) و المزر شراب يشبه البيرة في العصر الحاضر بحسب يوسف عبدالله ( عبدالله 2021 : تواصل شخصي ) .

و بما أن البُن يُزرع و يُرعي غرسه و يتعهد بالسقي و الرعاية فإن في شرح بافقية للسطر 36 من نقش عبدان ما يعزز إفتراضنا بأن ربما المقصود باللفظ بنم البُن و ليس البان حيث وصف بافقية طبيعة الأرض التي يتحدث عنها النقش بقوله : » ينتقل النقش ليتناول ما بُقل أي غرس في تلك الجرب من أشجار و في أراضيهم التي يسميها النقش ( أميتن ) و هي أرض زراعية تسقى بإنتظام من خلال الآبار غالباً و كما نتصور أنها في الغالب أراضي زراعية لا تقع على طريق السيل و لا وسيلة لسقيها بمائه و إنما تُسقى بوسائل أخرى كماء الآبار » ( بافقيه :2001 : 39 ) .

و يفهم مما ورد أن الأشجار التي دونت في النقش زُرِعت بفعل الإنسان الذي تعهدها بالرعاية و السقي و ربما كان المقصود باللفظ بنم البُن و ليس البان و التي ربما كانت ظروف الوادي المناخية في ذلك الزمان مواتية لزراعتها و ربما نقلت ثقافة زراعتها من منطقة المرتفعات اليمنية ضمن عملية نشر صناعي تمت من خلال نقل شتلات و ثمار البُن لزراعتها في الوديان الداخلية في الأطراف الشرقية كما هو الحال في وادي نصاب ( 2002 حبتور : 189 ، ) خاصة و أن الدلائل الأثرية و الجيمورفولوجية تشير إلى أن سكان المدن و المراكز الكبيرة في أودية الأرض السهلية جزء منهم في الأصل من سكان المرتفعات الجبلية إنتقل أعداد منهم للعيش في هذه الوديان الكبيرة بفعل التحولات المناخية في أواخر الألف الثالثة ق.م و بداية الألف الثاني ق.م بسبب تنامي دورة الجفاف و تناقص الأمطار الأمر الذي إضطر جماعات من سكان المرتفعات للإنتقال للعيش على ضفاف الوديان الكبيرة في الأراضي السهلية الواقعة على إرتفاع 1000 متر عن سطح البحر في نهاية الألف الثالث و بداية الثاني ق.م فنشروا الزراعة في هذه الوديان بشكل تدريجي إرتبط بزيادة الكثافة السكانية و تطور المعارف و المهارات و كذلك التحولات المناخية و قد أسسوا مستوطناتهم على ضفاف الأودية و التي كانت النواة الأولى لقيام ممالك القوافل في الألف الثاني ق.م ( غالب 2010 : 14 - 16 ) و حتماً نقل هؤلاء المزارعون مهاراتهم و معارفهم الزراعية كما عملوا على نشر زراعة بعض المحاصيل نفترض أن البُن أحدها في مزارع تلك الوديان في أطراف الصحراء العربية و السفوح الشرقية للجبال التي تعتمد على مياة السيول المندفعة بقوة من المرتفعات الجبلية ( جانتل 1999 : 19. ) و يظهر أن الإندفاع الكبير لمياة السيول في تلك الوديان كان له دور محوري في ترسيب التربة الغرينية الخصبة فقد تعرضت المناطق الصحراوية المنخفضة خلال الهولوسين لأربع مراحل رطبة مختلفة خلال الفترة بين ( 12000 BP 7500 : BP ) ظهرت خلالها العديد من البحيرات العذبة و قد تعرضت جفاف جزئي أو كُلي خلال فترات الجفاف المؤرخة ب ( 10.300 ، 8.750 ، 7.900 BP ) إذ لم يتم التعرف على أي دليل بعد 7000 BP يسمح بالتعرف على فيضانات نهرية كشاهد على تساقطات مطرية قصيرة و عنيفة كتلك التي لا تزال معروفة حتى اليوم إذ تركت تلك الفيضانات ترسبات طمئية هائلة وجدت آثارها على أطراف الوديان أسفل الهضبة و أُرخت إرسبات الري الغرينية في تمنع بين 2200 - 2400 BP و قد بينت الدراسات أن البيئة النباتية في المناطق المنخفضة الإرتفاع في الجزيرة العربية كانت مُختلفة قليلاً عن ما هو عليه حالياً و كانت الأشجار المدارية الآتية من المناطق القريبة من خط الإستواء كثيرة بالفعل في أطراف مجاري المياة بالأرجح على هيئة أحراج غابية ( ليزين 2007 : 65 ) .

و لربما كان البُن واحدة من تلك الأشجار التي نمت بشكل أو بأخر على ضفاف الوديان خاصة و أن البُن العربي ذاتي التلقيح و ينمو في بيئات يتراوح إرتفاعها عن مستوى سطح البحر بين 995 م : 2460 م ( المتوكل 2003 مج 1 :554 . ) .

و وفقاً للتوصيف الجغرافي لمحافظة شبوة فإن شروط نمو البُن فيها متوفرة إلى حد كبير فالمحافظة تتركز فيها المرتفعات في الأجزاء الغربية و الجنوبية على حدود المحافظة مع محافظة أبين و معظم هذه المرتفعات يطلق عليها جبال الكور ( كور العوالق ) و هي سلاسل جبلية متصلة بسلسلة جبال العوالق السفلى الواقعة في الأجزاء الشرقية و الشمالية الشرقية من محافظة أبين و تمتد شمالاً و تحديداً في مديريات ( حطيب نصاب ) و الأجزاء الجنوبية لمديريات ( مرخة ) و أهم تلك الجبال هي جبال الصير ( 1896 م / فوق سطح البحر ) و جبال صري أهل غُسيل ( 2285 م / فوق سطح البحر ) و جبال العِر ( 1886 م / فوق سطح البحر ) و جبل أمزمل ( 1652 م / فوق سطح البحر ) و جبل المحاجر ( 1473 م / فوق سطح البحر ) و جبال المرخام ( 1412 م / فوق سطح البحر ) و جبال آل علي ( 1773 م / فوق سطح البحر ) و جبال المنارة ( 1970 م / فوق سطح البحر ) و غيرها من الجبال الموجودة في المحافظة .

أما المناخ فيسود المحافظة ثلاثة أنواع من المناخ ففي المناطق الشمالية يسودها مناخ صحراوي حيث يكون حاراً صيفاً بارداً جافاً شتاءً أما الأجزاء الجبلية فإنها تشهد مناخاً معتدلاً صيفاً و بارداً شتاءً و النوع الثالث في الأجزاء الساحلية حار صيفاً و دافئ شتاءً و تسقط الأمطار عموماً في فصل الصيف و من جانب آخر فإن المحافظة تحظى بتدفق كميات كبيرة من السيول القادمة من المحافظات الأخرى و تُمثل الأشجار المعمرة المتناثرة قرب الأودية و الشعاب مثل السِدّرْ و السُمُرْ و القْرضَ و بعض أشجار الطلح و الأثل و العُشر و العوسج أهم مكونات الغطاء النباتي إلى جانب بعض أنواع من الحشائش و النباتات الصغيرة التي تكثر خلال مواسم الأمطار ( https//:yemen-nic.info/gover/shabwaa/brife و عليه يبقى إحتمالية نمو أشجار البُن في شبوة أمراً قائماً خاصة و أن العلماء وجدوا أن هناك فصائل من البُن في شرق إفريقيا ينمو في ظل وجود مناخ جاف .

إن لفظ ( بنم ) في نقش عبدان فُسر وفق إفتراضات و مقارنات لغوية مع القواميس العربية الفصيحة مثل قاموس مختار الصحاح إذ جاء فيه اللفظ ( بون ) أي البان و هي ضرب من الشجر واحده ( بانة ) ( الرازي د ت : 70 ، ) لكن تبقى إحتمالية أن يكون المقصود باللفظ البُن أمر قائم في ظل الإختلاف اللغوي بين عربية أهل اليمن و بين الفصحى و كما جاء في اللسان “ ليس عندنا عربيت ، من دخل ظفار حَّمر ( الحبشي 1990 : 31 ، ) و ينسب إلى أبي عمرو بن العلاء ( ت 154 هـ ) قوله : ” ما لسان حمير و أقاصي اليمن اليوم بلساننا و لا عربيتهم بعربيتنا “ و يفهم من كلام يُنسب لأبن جنّي ( ت 392 هـ ) إيضاحاً مفاده ” أن لغة حمير و ما شابهها مختلفة تماماً عن لهجات ربيعة و مضر ” و جاء عند صاحب اللسان : ” و حمر الرجل : تكلم بكلام حمير و لهم ألفاظ و لغات تخالف لغات سائر العرب ” .

و نستند في إفتراضنا بأن المقصود باللفظ في عبدان هو البُن إلى نتائج الدراسة التي قدمها ( حبتور ) الذي قام بعمل مسح ميداني لوادي عبدان و محيطه و تبين له وجود زراعة لأشجار البُن في وادي نصاب و الذي تصب به العديد من الأودية منها عَبدان أحد روافد وادي نصاب و الذي يرتفع نحو 1100 متر عن مستوى سطح البحر و يقول حبتور : » أما البُن فعلى الرغم من قلة زراعته اليوم فإن منطقة نصاب لا تزال تحتضن عدداً قليلاً من أشجاره مما يؤكد صلاحية جوها لنموه كما أن وجوده اليوم يؤكد بأن المقصود في النقش الإشارة إلى البُن ( القهوة ) و ليس إلى البان ( Ban ) كما ذهب إلى ذلك روبان و زميلته ” ( حبتور 2002 :191 ) و يؤيد طيران ما جاء في حديث حبتور و يذهب إلى ما نذهب إليه هنا بأن البُن من الأشجار التي نمت في الأرض و البيئة اليمنية منذ عصور ما قبل الإسلام على أقل التقديرات ( طيران : ت ش ) .

الجدير بالذكر أن ثمة إشارات وردت في نقوش أخرى لشجرة أسمتها النقوش ( و أ ب و ن ) و هو يختلف تماماً عن اللفظ الوارد في نقش عبدان بنم و من تلك النقوش :

النقش RES 3958 و هو من نقوش القرن الثالث الميلادي عصر ملوك سبأ و ذي ريدان و هو من النقوش المؤرخة بسنة 144 من شهر صيد و صاحب النقش هو : ناصر يهحمد ، قيل ردمان و خولان - في منطقة ردمان التي ترتفع عن سطح البحر نحو 1900 متر و التي كانت تتبع الدولة الحضرمية حينها في عهد الملك إل عزيلط بن عم ذخر بعد أفول نجم قتبان ( بافقيه ، وآخرون 1985م : 170 - 171 ،) ففي السطر الرابع منه ( و م س ق ت ه و / و ب ق ل / ك ل / ب ق ل / و أ ع ل ب / و أ ب و ن / .. ) . و منطقة ردمان تقع إدارياً ضمن محافظة البيضاء المشهورة بالقهوة و فيها يزرع البُن  أيضاً ( الحكيمي 2012 م ) .

و بُنة لفظ مشترك يطلق على شجرة البُن في اليمن و الحبشة و وجود اللفظ في الحبشة لا يعني أنه هو الأصل و منها إنتشر في اليمن بل العكس خاصة و أن الحبشة كتبت في بادي الأمر بالخط اليمني القديم و لغتها القديمة تدخل ضمن عائلة اللغات العربية الجنوبية و الشاهد على ذلك العثور على مئات النقوش اليمنية القديمة في الحبشة ( 22 : VOIGT2012 ) في كل من يحا و مطرة و أكسوم كتبت بلغة عربية جنوبية .

و قد ورد اللفظ بُنة في نقشين خشبيين ( شكل 19 - 20 ) من نقوش الزبور نشرهما الألماني بيتر أشتاين Stein هما النقش : 608. sab. script.Mon = 34 BSB. x ، جاء في السطر الأول منه اللفظ -1
ع ش ر / ب ن ت م / ب ذ ه ب ن / ذ ت / ي د ع ، و قد قام بمقارنة النقش بما أورده سيما Sima عند مناقشته لنقش عبدان و أخذ برأيه أن اللفظ بنتم المراد به أشجار البان و لكنه من خلال مقارنته للفظ مع اللغة المهرية قال أن المقصود باللفظ في المهرية هو أشجار القهوة و يتحدث
النقش في السطر الأول منه عن إرسال شحنتين من ثمار بنتم التي إفترض أشتاين إنها المورجينا ليس لدليل عنده و لكن لإعتقاده أن البان من الأشجار المفيدة ( 198 : 2000 Sima ، 153 : 2010 Stein ) بينما نعتقد نحن أنها البُن و نعتقد أنه يمكن مقارنة الحرف الناقص في النقش .Mon= 34 BSB. x
608. sab. script، بالنقش الثاني 213 . sab.script.Mon = 130 BSB.X ، فيكون معنى الكلمة
الأولى ( معشر / بنتم ) و المعشر و المعشرة آنية تصنع من الخشب على غرار الجِفنة و تحفظ فيها الحبوب و الثمار و بحسب ترجمة أشتاين للنقش يفهم منه أنه وثيقة تسليم و إستلام للبضاعة الوارد إسمها في السطر الأول و هي بنتم و قد عنون أشتاين النقش بأنه إيصال تسليم زيت فواكه .

أما النقش الثاني هو الموسوم ب : 213 .sab.script.Mon = 130 BSB.X ، و الذي عنونه أشتاين بأنه خطاب يحدد آلية التعامل مع المرؤسين و يتكون من 10 أسطر و يتحدث عن توصيل أطعمة و مواد أخرى .

و يُهيب المُرسل بالمرسل إليه بأن يحجزوا له معشر بنتم الذي ورد إسمه في السطر 6 ب ن ت م و فُسر أيضاً على أنه البان و التي ربما منها يستخرج الزيت كما جاء في تعليق ناشر النقوش ( Stein 465 : 2010 . ) و قد وصفت بنتم بأنها معشر و المعشر و المعشرة كما أسلفنا آنية تصنع من جذوع الشجر و معروفة في ريف تعز و عادة ما تستخدم لنقل و خزن الحبوب .

و نظراً لكون النقوش تتحدث عن مراسلات لها طابع تجاري كما يبدو فضلاً عن كونها نقوش معينية فهذا يجعلنا نفترض أن بنتم المراد بها البُن و الذي ربما في تلك الفترة كان سلعة تجارية لها رواج .

و بالعودة إلى معجم Jonstone الخاصة باللغة المهرية ( الجبالية ) فقد تبين ورود اللفظ المهري  powder coffee ( bun ، bnn ) و في موضع آخر n ) bn ( أيضاً مسحوق القهوة wder coffe ) حيث علق المؤلف بقوله ( حصلنا على حبوب البُن هناك ) . beans from coffee there got we 18 ، 27 : Jonstone1981 ، (
كذلك الحال بالنسبة لمعجم كين للغة المهرية فإن المراد باللفظ bunna القهوة ( 920 : 1990 Kane ) .

و الملاحظ أن اللفظين أ ب و ن م ، ب ن ت م اللذين وردا في النقوش المشار إليهما يتطابقان إلى حد كبير مع اللفظ المنطوق في اللهجة المحلية في تعز و إب و يقال في بعض اللهجات المحلية في اليمن عن البُن ( بُوْن ) بضم الباء و سكون الواو و للشجرة الواحدة بُنة بينما كلمة ( بَانَ ) التي فسروا ألفاظ النقوش بأنها تقصدها فهي بفتح الباء و الواو و عليه يبقى تفسير اللفظ أ ب و ن م في النقوش طبقاً لقواعد اللغة العربية الفصحى أمراً غير منطقي و قد يخرج اللفظ عن معناه الأصلي كوننا نجهل نطق الكلمة وفق قواعد لغة النقوش اليمنية القدمية الصوتية و لكن تبقى المقارنة مع الألفاظ المحكية اليوم دليل قوي على أصالة اللفظ من حيث المعنى و المبنى و نفترض بأن ما ورد في النقوش البُن أ ب و ن م لا سواه كما هو منطوق اليوم في لهجة تعز ( أبُوْن ) و الميم الأخيرة زائدة للتنكير على غرار حمرم - اابلم ( محمد 2017 : 86 ، ) حيث يلاحظ أيضاً في تعز في جمع كلمة حمير يقال أحمري ، و أأبل .
____________________________________________












الثلاثاء، 1 فبراير 2022

( مقالة لبحث علمي محكم حول جذور نبته شجرة البُن " القهوة " و تتبع صفاتها و جذورها الجينية و الوراثية و فصائلها و فروعها من مهدها الأول و الأعرق و الأقدم من اليمن )

( مقالة لبحث علمي محكم حول جذور نبته شجرة البُن " القهوة " و تتبع صفاتها و جذورها الجينية و الوراثية و فصائلها و فروعها من مهدها الأول و الأعرق و الأقدم من اليمن )

" منشورة في مجلة Springer Nature نيتشر العلمية المحكمة عالمياً "

الكشف عن التنوع الجيني الفريد لنبات البُن العربي المزروع في مركز التدجين الرئيسي : ( اليمن ) .

==============================


• تحصل 12.5 مليون أسرة حول العالم على دخل من زراعة البن ( Browning 2018 ) بحيث يتم إنتاج القهوة بشكل أساسي عن طريق نوعين : قهوة أرابيكا التي تنتج قهوة أرابيكا و قهوة كانيفورا ينتج بيير إكس إيه فروينر القهوة المعروفة بإسم كونيلون عند إنتاجها في البرازيل و روبوستا في أي مكان آخر في العالم يواجه إنتاج قهوة أرابيكا تحديات متعددة مثل تغير المناخ في حين ثبت أن جميع أصناف البن المزروعة ( Coffea arabica L ) نشأت في اليمن بعد إدخال بعض بذور البن إلى إثيوبيا من اليمن المجاورة إلا أن التنوع الجيني الحقيقي للبن في اليمن و أهميته لعالم القهوة لم يسبق له مثيل تم إستكشافها و قد لاحظنا خمس مجموعات وراثية محلية تتكون المجموعة الأولى التي أطلقنا عليها إسم الكتلة الإثيوبية فقط ( EO ) حصرياً من الإنضمام الإثيوبي تم فصل هذه المجموعة بشكل واضح عن اليمن و مجموعات الأصناف المزروعة و بالتالي تأكيد المسافة الجينية بين المدخلات الإثيوبية البرية و أنواع البن المزروعة في جميع أنحاء العالم التي تأتي من مصدرها الأقدم من اليمن إلى العالم كانت المجموعة الثانية والتي أطلقنا عليها إسم الكتلة SL-17 عبارة عن مجموعة صغيرة من المزروعة في جميع أنحاء العالم تأتي أولاً من اليمن و منها إلى إثيوبيا و هناك الكتلة اليمنية الخاصة ( YE ) حصرياً من الإنضمام اليمني .

• و هناك مجموعة تكتل اليمن الجديد و هو مكتشف لبذور بُن حديثة و لا يوجد لها أي بصمة أصناف و أنواع وراثية جينية أخرى حول العالم و تدل على منشأها اليمني المحلي و هذه دلالة على أقدمية البن في اليمن و أنها مصدر و منشأ هذه النبته الشجرة في العالم و منها إنتقل لمناطق أخرى .

• على الرغم من الإستهلاك الموثق لهذا النوع من القهوة كمشروب منذ القرن السادس الميلادي على الأقل في اليمن و مساهمته في إقتصاد العديد من البلدان فمن اللافت للنظر أنه لم تكن هناك بيانات واقعية تؤكد الوضع الأصلي في إثيوبيا حتى القرن العشرين ( ماير ، 1965 ) و لكن ثبت أول زراعة موثقة لأرابيكا البن العربي كانت في اليمن منذ حوالي القرن الخامس عشر حيث تم نشر نوعين وراثيين رئيسيين ( بوربون و تبيكا ) ، مما أدى إلى ظهور معظم أصناف أرابيكا التجارية المزروعة في جميع أنحاء العالم من المهد اليمن ( أنتوني وآخرون ، 2002 ؛ سكالابرين و آخرون ، 2020 ؛ كريشنان وآخرون ، 2021 ؛ مونتانيون و آخرون ، 2021) .

• اليمن عالم من وراثة القهوة :

 في حين أن بعض هواة القهوة على دراية بتاريخ القهوة الغني في اليمن كونها مسقط رأس مشروب القهوة إلا أن القليل منهم على دراية بالدور الحاسم لليمن في تشكيل جينات أرابيكا في جميع أنحاء العالم .

• في الواقع أكثر من 98 ٪ من الأصناف المزروعة المعروفة في العالم من  البن العربي يمكن إرجاعها إلى اليمن سافرت أنواع أرابيكا التي وجدت برية في اليمن و بعض غابات إثيوبيا حيث نمت كمحصول مزروع على الأرجح للمرة الأولى في تاريخ المحصول مع إنتقالها من الغابات الخصبة في اليمن و من ثم إثيوبيا تغيرت جينات الأشجار اليمنية بمرور الوقت للتكيف مع البيئة الجديدة من خلال التدجين و الإنتقاء الطبيعي إستمرت زراعة البن في اليمن على مدى 300 عام تالية حيث تغيرت جينات أشجار البن اليمنية تدريجياً من خلال التدجين و عملية تعرف بإسم الإنجراف الجيني و ستستمر هذه الأشجار الفريدة لتصبح الأشجار " الأم " لجميع الأصناف المزروعة المعروفة اليوم تقريباً .

______________________________________

تعليقي :

الكثير من الدراسات العلمية المحكمة حول نشوء و أصول شجرة بذور البُن تذهب بأن أصل البن القهوة من اليمن و هذه الدراسة الجينية الوراثية مدعمة بأكثر من دراسة و كتب معتمدة و هي موجودة جميعها في قائمة المصادر .
______________________________________

المصادر :

- Unveiling a unique genetic diversity of cultivated Coffea arabica L. in its main domestication center : Yemen .

- Genetic diversity of coffee ( Coffea arabica L. ) in Yemen via SRAP , TRAP and SSR markers .

- From the book Coffee in Yemen : J. Brian D. Robinson .

- Origin and progress of coffee : Antoine Galland .

-  Precis of Papers Regarding Aden : the captain Haines .

- The coffee trader : David Liss .

- Historical Dictionary of Yemen
By Robert D. Burrowes .










السبت، 29 يناير 2022

( العرب و العربية : دراسة في الجذور التاريخية للمصطلح " عرب " و " العربية " في ضوء الإكتشافات الأثرية الحديثة )

■ تستخدم كتب التاريخ المصطلح " جزيرة العرب " للإشارة لموطن العرب الأصلي و البعض يعتبره الموطن الأول للشعوب السامية و أفضل وصف لديار العرب في مصادر التراث العربي هو كتاب صفة جزيرة العرب للسان اليمن أبو الحسن الهمداني ( القرن العاشر الميلادي ) و الذي حددها بأنها تشمل بلاد الشام و غرب الفرات إلى بلاد اليمن و أقاليم الجزيرة الأخرى .

• أول إشارة لمكان سكن العرب في المصادر القديمة وردت عند الأشوريين كـ " مات أريبي mat " Aribi , kur Aribi و التي تعني " أرض العرب"  و ترد كثيراً في المصادر المسمارية و منها رقم بابلية متأخرة تذكر أن بعض العرب كانوا يسكنون في مدينة خاصة بهم في جنوب العراق كانت تدعى " مدينة العرب " و عاش العرب في مناطق ممتده من تخوم بلاد ما بين النهرين إلى شرق النيل في مصر .

• و على ما يبدو أن أصل إستخدام مصطلح " العربية Arabia " الذي تحول ليشير إلى الجزيرة العربية يعود لليونان و الذين إستخدموه للإشارة إلى مكان سكنى العرب و وصفوا كل من يسكنها من شمالها إلى جنوبها على أنهم عرباً فيذكر هيرودوت في إطار تعداده للشعوب و البلدان في الشرق بأن " العربية " Arabia يسكنها " العرب " و أنها تتمحور ما بين شرق مصر و سيناء و بادية الشام و قد أسس الملك الأخميني ( 521- 486 ق.م ) بعد سيطرته على الشرق القديم مقاطعة أسماها " العربية Arabiya " و كان بليني قد وصف أجزاء مختلفة من الجزيرة العربية و منها ما أسماه البادية العربية أو بادية العرب Arabia Nomadum و تقع إلى الشرق من البحر الميت .

• و بعد القضاء على مملكة الحضر نحو أواسط القرن الثالث الميلادي كانت المنطقة الواقعة شرق الخابور تسمى " العربية Beth Arabay " في المصادر السريانية و اللاتينية و إستمر ذلك في العصر الروماني و البيزنطي .

• و تذكر النقوش اليمنية القديمة " أرض ع ر ب م " و تعني " أرض العرب " و يبدو أنها تتقارب مع ما تذكره المصادر العربية بأن هناك " أرض العرب " تقع بالقرب من نجران في الجوف .
____________________________________________

■ الدلالة اللغوية لكلمة عرب :

من الصعب تحديد معنى كلمة " عرب " بناء على المعاني الإشتقاقية للجذر " عرب " و المعاجم العربية تعطينا معاني مختلفة لا مجال لسردها هنا و لا يتفق العلماء على تعريف موحد و واضح لكلمة " عرب " و هذا ما نراه عند المستشرقين .

• و جاء في مصادر التراث العربي قصص متواترة حول أصل العرب و العربي منسوب إلى العرب و إن لم يكن بدوي و الأعرابي : البدوي ، و هم الأعراب ، و الأعاريب : جمع الأعراب .

و المعنى الإشتقاقي للثلاثي " عرب " يرد في عدة لغات سامية و هذا ملخص لها كالتالي :

• " ع ر ب " في العربية " الصفاء و النقاء " .

• " ع ر ب " تعني دخل في الأكادية erebu ترد بمعنى " دخل " و في العربية الجنوبية ( السبئية ، القتبانية و المعينية ) تأتي بنفس المعنى و يضاف لذلك " م ع ر ب " التي تعني في العربية الجنوبية "مدخل ، باب " .

• و " ع ر ب " في السبئية " قدم قُرباناً " .

• " ع ر ب " بمعنى " غَرُب " أي غروب الشمس و كلمة م ع ر ب بالسبئية تعني " مغرب " بالعربية " ع ر ب " بمعنى " ضمن ، أعطى ضمانة ، أعطى عربُوناً " ، في الآرامية و عبرية التوراة و لا تساعدنا كل هذه المعاني في حسم الدلالة اللغوية للعرب .
____________________________________________

■ العرب و الأعراب و الدلالة اللغوية لكلمة " عرب "

المصادر العربية صريحة في التمييز ما بين العرب و الأعراب و تذكر أن العرب هم أمة العرب و الأعراب هم " البدو " و يرد لفظ " ع ر ب ن " و " أ ع ر ب " في نحو خمسين نقشاً عربياً جنوبياً للدلالة على عرب الشمال و لا نعرف إلى أي حد يمكننا التمييز ما لفظ " ع ر ب ن " المعرف بالنون كما هو بالسبئية بمعنى " العرب " و لفظ " أ ع ر ب " بمعنى " أعراب " إلا أن الأمر يبدو أنه لم يكن مختلفاً عمّا تستخدمه المصادر العربية بأن " ع ر ب ن " هي الإشارة العامة للعرب أي عرب الشمال و أن اللفظ " أ ع ر ب " يعني " الأعراب " أو البدو و أقدم ذكر جاء بصيغة ع ر ب م في النقش المعروف بنقش النصر و هو أطول نقش عربي جنوبي ذكر فيه الحاكم السبئي المكرب كرب إيل وتر بن ذمر علي ( نحو 685 ق.م القرن الثامن - السابع ق.م ) فتوحاته في كافة أنحاء اليمن من عدن حتى نجران و يبدو أن ع ر ب م هنا إسم مكان و شعب يقع بالقرب من نجران و بالتحديد في الجوف و قد يشير إلى العرب .

و المصادر العربية تشير إلى العرب على أنهم أهل الوبر و هم أهل البادية و أهل المدر و هم أهل المدر و هم العرب المستقرون و لا يجوز إستخدام كلمة بدو على أنها مرادفة لقبيلة فالقبيلة قد تكون بدوية رحالة أو مستقرة كما هو الحال في اليمن إذ أن معظم القبائل اليمنية قبل الإسلام و بعده كانت مستقرة و تمارس التجارة و الزراعة و كذلك الأمر لكثير من القبائل وسط و شمال الجزيرة العربية .

لعل أنماط الحياة المختلفة التي كان يمارسها سكان الجزيرة العربية كالزراعة و التجارة و الرعي إضافة إلى طبقة الفرسان المحاربين تجعل من الصعوبة بمكان إمكانية تطبيق سمات المجتمع البدوي عليها و هنا لا يمكن الأخذ بمقولة أن كلمة " عرب " هي مرادفة لـ " بدو " .
____________________________________________

 المصدر :

- د . محمد مرقطن : العرب و العربية : دراسة في الجذور التاريخية للمصطلح " عرب " و " العربية " في ضوء الإكتشافات الأثرية الحديثة ، جامعة هايدليبرج ، ألمانيا .



الخميس، 20 يناير 2022

( شواهد قبور جنائزية في ثقافة حضارة اليمن القديم )

‏شواهد قبور جنائزية وجدت في عموم اليمن و بشكل أكثر في حضرموت و هي ذات كتل حجرية كبيرة نُصبت بشكل عامودي في الغالب تؤرخ من 5500 قبل الميلاد أي منذ الألف السادس قبل الميلاد أي من نهاية العصر الحجري الحديث النيوليثي و بداية العصر النحاسي البرونزي المبكر أي عمرها من الآن 8 آلاف سنة .





الخميس، 13 يناير 2022

( التحقيق حول موقع بلاد بونت من الناحية الأدلة الأركيولوجية و الأنثروبولوجية و الكثير من المؤشرات و المعطيات و الوقائع التاريخية و التي تثبت بأنها بلاد اليمن )

■ هناك العديد من الآراء التي حاولت تحديد هذه البلاد بدقة مستندة كل منها على بعض الأدلة التاريخية و الشواهد الأثرية و سعى كل رأي منهم إلى إدحاض باقي الآراء الأخرى و في المجمل فإن بلاد بونت إسم عام أطلق على المنطقة التي تنبت البخور في جنوبي البحر الأحمر على مقربة من باب المندب و تشمل كلاً من الشاطئين الإفريقي و الآسيوي أي أنها تشمل ما نعرفه الآن بإسم جنوبي شبه الجزيرة العربية ( اليمن ) و إريتريا .

■ الحقيقة تعددت الآراء في تحديد منطقة بلاد بونت فذهب الرأي الأول إلى أنها تقع بالعروض الجغرافية للصومال و إريتريا على الساحل الإفريقي للبحر الأحمر و ذهب الرأي الثاني إلى أن المقصود بها هو مناطق جنوبي الجزيرة العربية ( اليمن ) أما الرأي الثالث فذهب إلى أنها تشمل الجانبين الآسيوي و الإفريقي جنوبي منطقة البحر الأحمر ( أي اليمن و ما يقابها على الجانب الآخر ) و لعل من الإشارات المهمة إلى أن بلاد بونت قد تقع في مناطق جنوبي الجزيرة العربية هي تلك الرسومات الجدارية التي خلدت بعثة الملكة المصرية حتشبسوت و التي ظهر فيها " بارحو ( Barho ) " كبير بلاد بونت الذي إستقبل بعثة حتشبسوت و هو يرتدي الزي اليمني و الخنجر الشهير الذي لا يزال يظهر في الزي اليمني و العُماني حتى يومنا هذا .

■ و الباحثين إختلفوا في تحديد موقع بلاد بونت و كل منهم أدلى بدلوه و قدم أدلة تؤيد وجهة نظره و قد تركز إختلافهم حول موقعين هما الشاطئ الإفريقي و الشاطئ الآسيوي البحر الأحمر و الكثير من العلماء يذهب بوجهة النظر القائلة بأن بونت هي جنوب الجزيرة العربية بلاد اليمن و ذلك لأسباب كثيرة و أدلة أثرية و مؤشرات و قرائن قوية نذكر منها بالتفصيل على عدة نقاط كثيرة جوهرية و هي على النحو التالي : -

1 - إن اليمن كان يتحكم بالطريق التجاري البحري عبر باب المندب منذ قديم الزمان و كان يلعب دور الوسيط التجاري بين الشرق الأقصى و الأدنى و كان مركز التجارة العالمية الأولى في العالم و كان يتحكم بالطريق التجاري البري المعروف بطريق اللبان من اليمن إلى دول الشرق الأدنى القديم .

2 - إن المناظر المرسومة على جدران معبد الدير البحري تعبر عن ما هو معروف في اليمن قديماً و حديثاً .

3 - ملامح الأشخاص المرسومة على جدران معبد الدير البحري التي تعبر عن أهل بلاد بونت تشابه إلى حد كبير ملامح المصريين القدماء و بعيدة عن ملامح الجنس الإفريقي إلى جانب أن المصري قام بتلوين وجوههم باللون البني كما كان يفعل مع المصري القديم .

4 - من الثابت أن مناطق زراعة البخور منتشرة في منطقة ظفار و حضرموت و المهرة و سقطرى و تهامة و المعافر و غيرها لأن إستثمار هذه المادة في اليمن بدأ منذ فترة قديمة جداً قبل التعرف عليه في الصومال .

5 - وجود آثار لكتابات يمنية قديمة بخط المسند اليمني على صخور الصحراء الشرقية بوادي الحمامات و وادي جاسوس في مصر يدل على قدم التواصل بين اليمن و مصر فضلاً عن العثور على كتابات معينية يمنية أخرى في الجيزة و عند قصر البنات عند منتصف وادي الحمامات و في منطقة " إدفو " " بمحافظة أسوان " و ترجع بعض هذه الكتابات اليمنية إلى أيام قمبيز " 525 - 522 قبل الميلاد من منتصف الألف الأول ق.م " و بعضها الآخر إلى أيام البطالمة .

6 - من أقدم البعثات التجارية اليمنية التي وصلت إلى مصر يعود تاريخها إلى عهد تحتمس الثالث في العام 32 من حكمه منذ القرن 16 - 15 قبل الميلاد من الألف الثاني ق.م وجاء ذكر أسماء و أعضاء تلك البعثة بإسم ( الجنبتيون و هم أجداد القتبانيين و قتبان هي مملكة يمنية مشهورة بالتجارة و إنتاج البخور وجبنيتو Gebbanites عند المؤرخ الروماني الشهير بليني الأكبر هم القتبانيين ) و قد رجح الكثير من علماء المصريات أن أعضاء هذه البعثة ينتمون إلى اليمن و بعضهم ذهب بالتحديد إلى منطقة جبأ اليمنية القريبة من ساحل البحر الأحمر و من باب المندب بالقرب من ميناء المخاء و سوق موزع الشهير .

7 - من الناحية اللغوية قد يكون الإسم ( بونت ) بالنقوش اليمنية القديمة يرتبط بالتجارة أو بنوع من التجمعات البشرية المنظمة و أن إسم أمير بونت ( بارهو ) من الألفاظ السامية التي عرفت في لغة اليمن القديم و مشتق من الجذر ( بره ) بمعنى ( وضح و سطح ) و منها البرهان أي الحجة بالإضافة إلى وجود أسماء أماكن في اليمن حتى اليوم مشتقة من الجذر المذكور مثل البربهي البريها وأسماء أشخاص مثل بريهة مما يؤكد على أن بلاد بونت هي على الساحل الجنوبي لشبه الجزيرة العربية .

8 - وصف الكثير من مؤرخين الفترة الكلاسيكية الإغريق اليونان و الرومان منذ الشاعر هوميروس صاحب الإلياذة و الأوديسة من القرن التاسع - الثامن قبل الميلاد إلى هيردوت من القرن الخامس قبل الميلاد و ما بعده من المؤرخين لبلاد اليمن العربية السعيدة أو المباركة الميمونة بأنها منبع و مهد البخو و فيها أجود و أفضل أنواع البخور اللُبان و المُر و الطيوب و العطور و الأصماغ العربية .

9 - البخور المطلوب إحضاره كان من النوع الجيد و الطازج الذي لم يكن ينمو في السودان و لا حتى في جنوب السودان و الدليل ما ذكر في حديث أمون لحتشبسوت عن البحث عن مناطق البخور الطازج و الذي لا ينمو إلا في جنوب الجزيرة العربية بناء على تحليل عالم النبات هيبر Hepper لرسوم فصائل أشجار اللبان في معبد الدير البحري و يتوافق ذلك مع ما تشير إليه الحفريات الأثرية في صبر - لحج عن وجود علاقات تجارية بين بلاد النوبة و جنوب الجزيرة العربية اليمن منذ نهاية العصر الحجري الحديث حيث تم العثور على أواني فخارية في صبر لحج مصقولة عليها رسومات لأشكال هندسية نفذت بطريقة الحز تم مقارنتها مع الفخار النوبي الذي يعود إلى المجموعة ( A ) تم تاريخه إلى ( 2100 - 1500 قبل الميلاد منذ الألف الثالث - الثاني ق.م ) كما أثبتت الدراسة المقارنة التي قام بها فاتونيج أيضاً بين فخار صبر - سيهي و فخار الساحل الإفريقي أن فخار صبر - سيهي يتوسط الفترة بين فخار حضارة كرمة السودانية و المجموعة ( C ) و يعتبر ذلك دليل على وجود إتصالات تجارية نشطة بين جنوب الجزيرة العربية و بلاد النوبة منذ نهاية حضارة النوبة المجموعة ( C ) أي زمن مجتمع بونت .

10 - أهم الأدلة الحاسمة هو الملامح الآسيوية و لون بشرة أهل بلاد بونت الفاتحة و الذي يختلف تماماً عن لون بشرة الجنس الإفريقي فقد كان المصري يستخدم صفة اللون و الملابس ليفرق بين الآسيوي و الإفريقي .

11 - أهم دليل تم إغفاله هو ملامح البونتيون و ملابسهم التي وردت في رسوم معبد سا حو رع و مقبرة مري رع في تل العمارنة التي تشبه ملامح أهل بونت في رسوم الدير البحري و هي ملامح الجنس القوقازي القريب من ملامح سكان جنوب الجزيرة العربية اليمن و كذلك لديهم لحاء و ملابسهم عبارة عن إزار يبداء من الخصر حتى ثنية الركبة .

12 - عالم المصريات الكبير جروم Groom من خلال دراسته للنص الذي على تمثال أمنحتب الثاني الذي يرجع إلى القرن 15 قبل الميلاد من الألف الثاني ق.م و هي ترنيمات الإله أمون يرى و يرجح بشكل كبير بأن موقعها في جنوب الجزيرة العربية اليمن .

13 - هيبر Hepper العالم المتخصص في علم النبات قام بفحص الأشجار التي رسمت على جدران معبد الدير البحري و كانت النتائج ظهور نوعين من الفصائل هي :

A - كثيف الأوراق Carteri Boswellia .

B - قليل الأوراق Sacra Boswellia و يشير بأنها تنمو في جنوب جزيرة العرب .

14 - شف Schoff العالم المتخصص هو الآخر في علم النبات يؤكد أن النوع الأول من أشجار اللبان المرسوم على جدران معبد الدير البحري و هو الكثيف الأوراق Carteri Boswellia ينبت في جنوب الجزيرة العربية اليمن .

15 - العالم الألماني الشهير موللر يذكر إن معنى كلمة بونت عند قدماء المصريين السماء جهة الشرق أو الشمال الشرقي و أن دلالة هذه التسمية تعني الجزيرة العربية و من خلال دراسته لنصوص معبد الدير البحري فأنها تقع بالقرب من باب المندب بجانب خليج عدن في اليمن .

16 - شيخ الأثريين المصريين الدكتور عبد العزيز صالح يرى أن موقع بلاد بونت في عهد الملكة حتشبسوت في جنوب الجزيرة العربية اليمن و هناك دراسة عميقة لهذا الموضوع للدكتور رجح فيها أن يكون هؤلاء ( الجنبتيو ) من القبائل العربية الجنوبية المعروفة بالقتبانيين الذين كانوا يسكنون جنوب الجزيرة العربية في اليمن التي إشتهرت في التاريخ القديم بإنتاج البخور فالمقصود إذن بأرض الإله المذكورة سالفاً في النصوص المصرية - خاصة في عصر الدولة الحديثة المناطق الشرقية التي كانت الجزيرة العربية جزءاً منها و هي في بعض هذه النصوص جنوب الجزيرة العربية نفسها كما يرى الدكتور عبدالعزيز صالح .

17 - شبه إجماع لدى الباحثين العلماء على أن بلاد بونت تقع في جنوب الجزيرة العربية باليمن خاصة في الأسرة الثامنة عشر فترة حتشبسوت .

18 - و من خلال العودة إلى المعطيات الأثرية لمعرفة ما إذا كان هناك أدلة عن وجود حيوان الزراف و الحيوانات الأخرى في جنوب الجزيرة العربية فقد تم العثور على نوعين من الأدلة العثور على رسوم صخرية في العديد من المناطق منها ( حضرموت ، صعدة ، رداع ، الضالع ) تمثل قطعان من الحيوانات المتنوعة و مناظر صيدها بإستخدام الكلاب أعمال البعثة الأثرية الأمريكية اليمنية في شعب منيدر - حضرموت تدل أنها كانت بيئة مناسبة لنمو أشجار الأثل و نوعين من السنط التي تمثل مراعي مناسبة للماشية و الجمال و قرود البابون و أن المنطقة كانت قديماً تشمل الحيوانات البرية مثل الماشية و جاموس الماء و أكلة اللحوم محلية الأصل منها الضبع و النمر و الفهد الذي لا زال إلى اليوم موجود في اليمن و عُمان من الأدلة التي تعود إلى الفترة التاريخية العديد من القطع الأثرية التي تحمل زخارف حيوانية مثل الفهود و الزرافة و النعامة و قرود البابون و الكلاب السلوقية العربية ذات الموطن اليمني الأصل و النمور منها :

أ - نصب حجري عليه منظر صيد بإستخدام الكلاب محفوظ في المتحف الوطني .

ب - شقف فخار من مدينة ريبون - حضرموت عليها حروف بـالخط المسند اليمني و رسوم ملونة لأشجار و حيوانات الوعول و الزراف أرخ للقرن الثالث عشر قبل الميلاد من القرن 13 ق.م أي من نهاية الألف الثاني قبل الميلاد محفوظ بمتحف سيئون .

ج - شاهد قبر من الرخام يحمل زخرفة على شكل قوس تنتهي طرفيه برؤوس الزرافة محفوظ في المتحف الحربي .

د - لوح برونزي عليه نقش بالخط المسند اليمني بنهايته نعامة رافعة جناحيها محفوظ في المتحف الوطني .

19 - و هذه النقطة شديدة الأهمية بشكل كبير جداً و مهم و هو أن الأدلة الأثرية التي تم العثور عليها في جنوب الجزيرة العربية في اليمن هناك العديد من القطع الأثرية المصرية جمعها شيخ الأثريين المصريين الدكتور العالم الكبير أحمد فخري عند رحلته إلى اليمن عام 1947م و تتكون من تميمة للإله ( بس ) الممتدة عبادته من الدولة الوسطى إلى الدولة الحديثة و قطعة حجرية مربعة الشكل تحمل إسم الملك تحوتمس الثالث 1436 قبل الميلاد من القرن السادس عشر و الخامس عشر قبل الميلاد أي منذ الألف الثاني قبل الميلاد و جعران عليه إسم الملك أمنحتب الثالث من الأسرة الثامنة عشرة من القرن الخامس عشر قبل الميلاد الألف الثاني قبل الميلاد كما أمدتنا الحفريات الأثرية بقطع أثرية مصرية تم العثور عليها في موقع مقبرة معبد أوام في العاصمة السبئية مأرب و في موقع جبل العود في إب .

20 - نقوش بخط المسند اليمني على صخور في وسط وادي الحمامات بجانب قصر البنات في الطريق مـن طيبة إلى موانئ مصر على البحر الأحمر و في بئر منيح على الطريق بين برانيس و قفط و في طريق قنا و قفط تكثر على جوانبه كتابات بالخط المسند اليمني و تؤكد برديات مصرية ترجع إلى القرن الأول الميلادي أن البخور اليمني كان لا يزال يستخدم في المعابد و في التحنيط كما تؤكد البرديات أن ميناء أرسينوي ( السويس ) كان لا يزال يستقبل البخور القادم من جنوب الجزيرة العربية حتى أواخر القرن الثالث الميلادي . 

21 - و مما عثر عليه في مصر من الآثار المعينية اليمنية تابوت خشبي في ( سقارة ) بالقرب من ( القاهرة ) يرجع تاريخه إلى 264 ق.م من القرن الثالث قبل الميلاد منقوش عليه بخط المسند اليمني لتاجر معيني إسمه ( زيد إل/ زيد اللات ) يبدو أنه كان له شأن عند المصريين القدماء فلقبوه بـ ( الكاهن المطهر ) و دفنوه على الطريقة ( الأوزيريسية ) في السنة الثانية و العشرين من حُكم الملك ( بطليموس بن بطليموس ) لعله بطليموس الثاني التابوت محفوظ في المتحف المصري بالقاهرة يرجع تاريخه إلى فترة حكم الملك بطليموس الثاني ( 285 – 246 ق.م ) كان زيد إل بمثابة الممثل التجاري لمملكة معين اليمنية في مصر فقد جاء في النقش أن زيد إل قدم القرابين من البخور و اللُبان و المُر إلى المعبودات المصرية .

22 - نقش بخط المسند اليمني مكتوب على جدار مدينة يثل ( براقش ) العاصمة الدينية للمعينين بالجوف لتجار معينين كانو في مصر شهدوا حرباً بين المصريين و البارثيين أرخ للقرن الخامس قبل الميلاد و قد قاموا بتدوين النقش حمداً لسلامتهم .

23 - أظهرت الدراسة المستفيضة للمصادر الأثرية بأن زمن العلاقات التجارية بين مصر و بلاد بونت يعود إلى الفترة التي عرفت عند علماء الآثار بثقافة المجتمعات الساحلية في جنوب الجزيرة العربية اليمن و هي مجتمعات بشرية مستقرة ذات نمط معماري و نشاط إقتصادي منها سيهي ، و الهامد تهامة ، و صبر ، و الجول حضرموت ، و شعب منيدر ، و ثقافة المرتفعات خولان الطيال و الثيلة من الألف الثالث - الألف الثاني قبل الميلاد و التي كان لبعضها علاقات تجارية مع الساحل الإفريقي .

24 - الجبنيتو الذين حملو المُر إلى مصر في عهد تحوتمس الثالث منذ الألف الثاني قبل الميلاد هم القتبانيين تُجار المُر في الألف الثاني - الأول قبل الميلاد .

25 - القطع الأثرية المصرية التي عثر عليها في جنوب الجزيرة العربية اليمن التي تعود أقدمها إلى زمن الدولة الوسطى و الدولة الحديثة أي منذ الألف الثالث و الثاني قبل الميلاد .

26 - وجود أدلة نقشيه بخط المسند اليمني عثر عليها في بلاد مصر لتجار معينيين من اليمن .

27 - جنوب الجزيرة العربية اليمن هي موطن الُلبان و المُر و صناعة العطور و البخور الذي إستمر حتى العصر الإسلامي .

28 - و هناك نقطة أخرى جديرة بالإعتبار ففي المناظر التي تسجل صلة المصريين بأهل بونت مثل رحلة حتشبسوت و مناظر الجزية في بعض المقابر نرى بعض الأهالي يرتدون ملابسهم التقليدية و نرى فيها شبهاً كبيراً بين الإزار الذي كان البونتيون القدماء يلفونه حول وسطهم و بين ذلك الإزار نفسه الذي ما زال يستخدمه حتى يومنا هذا في اليمن و الخنجر اليمني الذي يوضع في وسطهم كذلك و هو على نفس نمط و طريقة اليمنيين فإذا وضعنا في ذهننا جميع هذه الحقائق و أردنا أن نحدد مكان بلاد بونت لوجدنا أن رأي علماء القرن الماضي و صدر القرن الحاضر و هو أن بونت هي بلاد اليمن الجنوبية لا يخلو من القيمة و الصدق .

29 - الأمر الآخر المهم الذي لم ينتبه إليه أحد و هو أن المصريين القدماء كانوا يجلبون الكلاب السلوقية من بلاد بونت و هذه الكلاب تتمیز بالرشاقة الواضحة و هي ممشوقة القوائم منتصبة الأذنین و ملتوية الذيل و غالباً كان يقتنيها الأمراء و أثرياء القوم و ھي قادرة على العدو الفائق السرعة و ربما يتخذها أصحابھا كمجرد رفقاء مخلصین و يسمیھا المصريون بالكلاب " السلوقية " و غالباً ما ترى في أنحاء مصر المعاصرة أيضاً و كان يطلق على الكلاب بعض الأسماء منذ عصر الدولة القديمة مثل " نب " أي " السید " و سلوق هذه بلدة قديمة أثرية تقع في منطقة تعز اليمنية اليوم و التي إشتهرت في كتب التاريخ و التراث العربي القديم بأنها موطن و مهد الكلاب السلوقية اليمنية العربية الشهيرة ذاعت الصيت و كذلك الدروع السلوقية المعروفة نسبةً لبلدة سلوق و قد ذكرها العلامة الهمداني في كتبه صفة جزيرة العرب و هذا يدل بأن المصريين القدماء كانوا يعرفون جيداً بأن بونت هذه هي بلاد اليمن بالتحديد التي كانت تتوسع و تتمدد تاريخياً حسب الأوضاع و الأغراض السياسية و التجارية و الإقتصادية لها في المنطقة منذ عهود الفترات الثلاثة للدولة القديمة و الوسطى و الحديثة .

30 - و يذكر شيخ الأثريين المصريين كذلك الدكتور عبد العزيز صالح في كتابة " شبه الجزيرة العربية في المصادر المصرية القديمة " بأن مناظر بعثة حتشبسوت على جدران معبدها بالدير البحري و الذي ظهر خلالها " بارحو " كبير بلاد بونت الذي إستقبل بعثة حتشبسوت و هو يرتدي الزي اليمني و الخنجر الشهير كما ‌ظهرت خلالها أيضاً ‌مناظر ‌أشجار ‌البخور و التي تنتمي للنوع بوسوليا كارتري Carteri Boswellia‌‌ و تعرف ‌بأشجار ‌اللُبان ‌الدكر ‌و التي ‌تنمو ‌أفضل ‌أشجارها ‌فى ‌منطقة حضرموت و ‌ظُفار ‌في ‌جنوب ‌شبه الجزيرة العربية باليمن .

31 - كشفت المسوحات الميدانية على سواحل اليمن الغربية عن بقايا حضارة إزدهرت خلال الألفية الثالثة و الثانية قبل الميلاد و أظهرت أن هذه الحضارة قد مارست القليل من الكتابة و الزراعة و أنتجت الفخار وأسست مجتمعات هرمية منظمة ذات سلطة مركزية كما أنشأت مُدناً واسعة و مخططة بأسوار و شوارع و أرصفة و بيوتاً فسيحة مبنية من الطوب و اللبن مع أفنية داخلية و كذلك معابد و أفران و ورش للتعدين و في الأرياف حيث كانت البيوت أكواخ بسيطة فقد زرعت الحقول و أنشئت السدود و قنوات الري و صهاريج المياة و المحاجر و المناجم إمتدت مستوطنات هذه الحضارة على طول سهل تهامة وصولاً إلى عدن و صبر و لحج و تمركزت بكثافة على ضفاف نهر زبيد الجاف حالياً حيث عُثر على بقايا قُرى إحتوت بعضها تماثيل و أوعية خزفية و أخراز ذهبية و سبائك و خناجر نحاسية تعود إلى بدايات الألفية الثانية قبل الميلاد بالإضافة إلى أعمدة حجرية و منحوتات حيوانية و عند مصب النهر وجدت آثار مدينة مخططة بمباني من الحجر و الطوب و السراميك المزينة و يُعتقد أنها كانت ميناءً و سوقاً لتبادل البضائع مع الخارج و بالقرب من عدن وجدت بقايا مدينة بتخطيط متطور يوحي بوجود ثقافة متقدمة حيث قسمت المدينة إلى أحياء سكنية و صناعية و دينية عاشت مجتمعات هذه الحضارة إتحاداً له ملامح فدرالية و قد إنتمى جميع سكان هذه المستوطنات الحضرية إلى ثقافة ودين واحد و إنقسموا إلى فئات إجتماعية مختلفة : منهم صيادون سكنوا الساحل و تجار سكنوا المدن و مزارعون عملوا في زراعة الدخن و تربية النحل في ضواحي المدن و الأرياف .

32 - في القرن الماضي وجدت نقوش و رسومات توثق رحلة قام بها الفراعنة إلى أرض بونت في حوالي العام 1475 قبل الميلاد و في النقش يتحدث تحتمس الثاني إلى زوجته حتشبسوت قائلاً : “ يا صاحبة الجلالة لقد إستمعت إلى وصية إلهي بأن أجعل منزله كأرض البنط بغرس أشجار أرض الله بجانب معبده في بستانه كما أمر فعلت ذلك للوفاء بالنذور الواجبة علينا فجعلت حديقته كبلاد بونت كما هي أرض الله لم يطأ أحد أرض المُر التي لم يعرفها الناس و لكنهم سمعوا عنها عبر روايات الأجداد ” هنا يتضح أن الفراعنة لم تطأ أقدامهم أرض البونت قبل هذه الرحلة وإن كانت بونت في إريتريا أو الصومال فكيف يمكن فهم عدم وصول التجار و المهاجرين و الحملات الإستكشافية إلى مناطق بهذا القرب في زمن العربات و الخيول ؟ ثم ينقل النقش حديث زعيم بونت عند إستقباله للمصريين : “ بأي طريق أتيتم إلى هنا ؟ إلى هذه الأرض التي لم يعرفها المصريون ؟ هل أتيتم عبر طرق السماء ؟ أم سافرتم على الماء إلى هذه الأرض التي وصل إليها ترحالكم ” هنا يتضح لماذا لم يصل المصريون إلى بونت من قبل و كأنها جزيرة معزولة و ليست بلداً إفريقياً تربطه بمصر العديد من الطرق البرية تزيد هذه الإشارات من ترجيح كفة اليمن القديم البلد المعزول حتى وقت قريب بين صحاري الجزيرة العربية من جهة و البحر الأحمر و خليج عُمان و البحر العربي من بقية الجهات .

33 - رافقت النقوش رسومات لسكان بونت و نباتاتها و حيواناتها و بالحديث عن البونتيين فقد فرقت اللوحات بينهم و بين النوبيين أكثر الأفارقة قُرباً لمصر فأظهرت البونتيين ببشرة قمحية شبيهة ببشرة المصريين في حين أظهرت النوبيين ببشرة سوداء شبيهة ببشرة الأفارقة و في الواقع لا يملك الصوماليون أو أي من سكان وسط و جنوب إفريقيا لون بشرة يقارب لون بشرة المصريين أو أفتح من بشرة النوبيين بينما يتطابق هذا الوصف مع اليمنيين بلون بشرتهم المقارب للون بشرة المصريين الأفتح من بشرة النوبيين .

34 - و أما عن النباتات المرسومة فإن خشب الأبنوس هو واحد من الأخشاب المنتشرة في اليمن و كذلك نخيل الدوم البري المنتشر بالقرب من آثار مستوطنات الثقافات الباكرة اليمنية التي تحدثنا عنها حيث إستخدمه سكانها لطحن الأسماك المجففة و في المقابل فلا وجود لهذا النخيل في شمال الصومال و خلال زمن تنفيذ اللوحات كانت غالبية الحيوانات المرسومة تستوطن اليمن بالفعل كالفهد و النمر و الوعل و قرد الرباح البابون الموجود حتى اليوم و الثور الوحشي و المستأنس و الزرافه .

35 - و الحقيقة لم يعثر لا في الصومال و لا في إريتريا على أي مُدن متطورة التي ترجع إلى تلك الحقبة الزمنية من الفترة البرونزية من الألف الثالث - الثاني قبل الميلاد بينما في اليمن وجدت آثار لهذه المدن الحضارية العريقة في سواحل جنوب و غرب اليمن من الألف الثالث إلى الثاني قبل الميلاد و كذلك إلى الألف الأول قبل الميلاد .

36 - كما أورد الدكتور علي فهمي خشيم في كتابة البرهان على عروبة مصر نقلاً عن العالم واليس بيدج و التي يرجح كذلك الكثير من العلماء حول نفس المعنى و يحددونها بالتحديد جنوب الجزيرة العربية اليمن كما ذكر بذلك رائد علم المصريات و أبوها أحمد كمال حسن باشا و شيوخ الأثريين المصريين كذلك الدكتور أحمد فخري و الدكتور سليم حسن و الدكتور عبد العزيز صالح و الدكتور بركات أبو العيون و العالم هنري بريستد و العالم بروكشت و غيرهم كثير .

37 - و كما جاء في عهد الدولة الوسطى الأسرة الحادية عشرة زمن الملك منتوحتب الرابع 2100 ق.م أرسل مدير خانته خنو ببعثة عبر البحر عن طريق وادي الحمامات لجلب البخور الطازج ( عنتيو وأج ) من زعماء البلاد الحمراء و أشار النص أنه جلب جميع خيرات أرض الإله و حسب النقش الذي عثر عليه في وادي الحمامات أن الغرض الذي من أجلة تم إرسال سفينة إلى بلاد بونت كان إحضار الكندر عنتيو و وادي الحمامات هذا وجدت فيه كتابات مسندية يمنية قديمة و هذا الوادي أو الطريق سلكه اليمنيين القدماء منذ القدم إلى وادي النيل في مصر و هو طريق درب الإله و فيه تقع مدينة قفط العريقة حيث معبد الحائط الأبيض و هو أقدم معابد أوزيريس يقع فيه .

38 - و أما طبيعة الحكم و النظام السياسي في تلك الفترة منذ الألف الثالث - الثاني ق.م فهي لم تكن واضحة المعالم و إنما كان عبارة عن أنظمة مستوطنات و تجمعات محلية ( إتحاد القبائل أو الشعوب ) تكونت في الأساس كقرى تقوم على الرعي و من ثم الزراعة ثم تطورت لاحقاً كأنظمة إقتصادية مما أدى إلى نشوء مدلولات تنظيمية حتمتها طبيعة النشاط الإقتصادي و تمثلت بزعماء القبائل أو عظمائها و كبارها و بالتالي أوجدت زعامات محلية و مشيخات صغيرة و قيالات في حدود مجموعة صغيرة من القرى لديها مورد مائي و أن المصالح المترابطة لهذه المجموعات من القرى أفضت إلى نوع من الروابط الجماعية تبلورت في سلطات دينية - دنيوية أي بواكير تجمعات و تحالفات سياسية أدت إلى نشوء ما عرف لاحقاً بالأنظمة الكهنوتية - المكاربة ( الحكام الموحدين للقبائل ) منذ الألف الثاني و الأول قبل الميلاد و التي تولت مهام تجارة اللبان و المر و الطيوب عبر الطريق البري .

39 - بداية تكوين هذه المجتمعات الحضارية ذات الثقافة المحلية في اليمن يرجع بواكيرها إلى الألف الرابع قبل الميلاد كونها مجتمعات ذات حكم محلي أي ما يشبه دويلات المدن في بلاد الرافدين لكن مكمن الإختلاف يكون في أنها ذات ثقافات محلية أكثر من كونها ثقافات ذات طابع عام لذلك فإن ثقافة المجتمعات الساحلية في جنوب الجزيرة العربية في اليمن هي التي سادت خلال هذه الفترة حيث أنها إمتازت بأنماط معمارية و نشاط إقتصادي منها ( سيهي ، الهامد " تهامة " ، صبر ، الجول ، شعب منيدر ، ثقافة المرتفعات الطيال ، و الثيلة ) و التي كان لبعضها علاقات إقتصادية مع الساحل الإفريقي منذ الألف نهاية الألف الثالث قبل الميلاد .

40 - وادي الحمامات التاريخي أشهر و أهم طرق التجارة قديماً سلكته بعثة حتشبسوت إلى وادي الحمامات و درب " وادي الحمامات " الذي إنتشر صيته بشكل كبير للغاية خلال العصر الفرعوني حيث كان لهذا الدرب الذي ربط بين وادي النيل و البحر الأحمر إجلال و إحترام خاصة من الفراعنة  و كانوا يسمونه روهانو " rohanou " أي طريق الآلهة و ذلك لإعتقادهم أن أسلافهم و أجدادهم جاءوا من بلاد بونت الشهيرة إلى وادي النيل عبر هذا الطريق  تتقدمهم آلهتهم و هذا الطريق سلكه اليمنيين القدماء منذ آلاف السنين .

41 - يرى الكثير من الباحثين أن القوم الذين زاروا مصر في العام الواحد و الثلاثين من حكم " تحتومس " الثالث لتقديم البخور و الذين أطلق عليهم " جنبتيو " ما هم إلا مجموعة من القبائل العربية المعروفة بإسم القتبانيين الذين كانوا يسكنون جنوب الجزيرة العربية التي إشتهرت في التاريخ بإنتاج البخور و قد ذكروا في سياق الحديث عن إحضارهم للبخور ( عنتيو ) و ذلك بعد عودة الملك من حملته السابعة في العام 31 من حكمه و هذا يدل على وجود علاقات مباشرة بين مملكة قتبان اليمنية و مصر و أنه عثر على تمثال من الرخام لسيدة في إحدى مقابر " تمنع " في عاصمتهم و من الملاحظ أن العينين في التمثال مطعمتان باللازورد الأزرق و تشبه طريقة التطعيم لدى تماثيل المصريين كذلك طريقة تصفيف الشعر تشبه تصفيف السيدات المصريات .

المصادر :

- Frankincense and myrrh: a study of the Arabian incense trade, Nigel Groom .

- Dictionnaire de la Civilisation Egyptienne .

- Short History of the Egyptian People , by E. A. Wallis Budge .

- K.Kitchen, “Punt and How to Get There" in Orientalia .

- R.Herzog, “Punt” in Abhandlungen des Deutschen Archaologischen Instituts Kairo .

- J. Krall, Studien Zur Geschichte des AltenAegypten IV, "Das Land Punit" Wien .

- Heper, Arabian and African Frankincense .

- Cf. Marine Science and Fisheries Centre, Results of R/V Rastrelliger Acoustic and Travel Survey 1989/1990 for Marine Fisheries Resources of the Sultanate of Oman- Muscat .

- Cf. Davies, Painting from the Tomb of Rekh-mi-Re at Thebes, New York .

- Strabo, Geography, Book XVI; Periplus, Maris Erythraei, p/148 – 149; Pliny, Natural History, Book XII, 54 .

- Kenneth Kitchen (2016) Punt: An Ancient Civilization Rediscovered. pariah in Land of  Punt .

- Lamya Khalidi (2008) : The late prehistoric standing stones of the Tihâma (Yemen): the domestication of space and the construction of human-landscape identity. Revue du monde musulman et de la Méditerranée.

- Catherine Lucy Glenister (2008) Profiling Punt: Using Trade Relations to Locate ‘God’s Land’. Department of Ancient Studies. University of Stellenbosch .

- Melissa Shales. The Royal Giraffe. Safari Bookings ( Compare african safari toours ) .

- Dimitri Meeks (2003) Locating Punt  in Encounters  with  Ancien .




















الأحد، 9 يناير 2022

‏( حدود اليمن في المصادر التاريخية )

‏( حدود اليمن في المصادر التاريخية )

■ حدد المؤرخ الإغريقي هيرودوتس" الذي عاش في القرن الخامس قبل الميلاد موقع اليمن " في أقصى الجنوب من العالم المأهول " و هو وصف قريب من الوصف المذكور في الإنجيل ( لوقا 11 : 31 ) في سياق قصة ملكة تيمن ( اليمن ) حيث ورد فيه أنها أتت من " أقاصي ‏الأرض لتسمع حكمة سليمان " و قد ساهمت هذه النصوص في دفع علماء الآثار و المستشرقين للإهتمام بتاريخ و آثار اليمن القديم .

■ أما إيراتو سثنيس Eratosthenes مدير مكتبة الإسكندرية الذي عاش في الفترة ( 276 - 194 ق.م ) فقد وصف في كتابه ( الجغرافيا ) الجزء السادس عشر الفصل الرابع الحدود : ‏البحرية الغربية لليمن فقال : " و بعد هؤلاء الأقوام تقع بلاد العرب السعيدة التي تمتد ( 12000 ستاداً ) من الجنوب بإتجاه البحر الأطلنطي " و يقصد بالبحر الأطلنطي ما يعرف اليوم بالبحر الأبيض المتوسط بمعنى أن الشريط الساحلي لليمن على البحر الأحمر من الجنوب بإتجاه البحر المتوسط ( 2223 ) ‏كيلو متر بينما الطول الحالي لشريط اليمن الساحلي الغربي على البحر الأحمر لا يتجاوز الخمسمائة كيلو متر " بين منطقتي حصن مراد جنوباً و حتى شمال مدينة ميدي شمالاً .

‏■ و تحدث سثنيس عن أقاليم اليمن السياسية في أواسط القرن الثالث قبل الميلاد معبراً عنها بالأمم فقال : و " الطرف الأقصى من البلاد ( بلاد العرب ) تسكنه أربع أمم من أكثف الأمم عدداً و هم : المعينيون في الجانب المقابل للبحر الأحمر و أكبر مدنهم قرنا أو قرنانا - قرناو - و إلى جوارهم ‏السبئيين و أكبر مدنهم مريابا مأرب - و الأمة الثالثة القتبانيين و يمتدون في سكنهم حتى المضيق و الممر الذي هو عبر الخليج العربي( البحر الأحمر ) و عاصمتهم الملكية تمنا -تمنع - و أقصى هذه الأمم شرقاً يسكن الحضارمة و عاصمتهم سباتا ( شبوة ) " .

و كان كرب ال وتر في القرن الثامن قبل ‏الميلاد قد دون نقشاً سبئياً يعرف بنقش النصر شرح فيه المعارك التي خاضها لتوحيد الأراضي اليمنية في دولة واحدة فقط " إمتدات حدود اليمن من ظُفار شرقاً حتى البحر الأحمر و جزيرة كمران و بريم و حنيش و زقر و غيرها من الجزر الصغيرة غرباً و من البحر العربي و ما جاوره من أرخبيل سقطرى و خليج ‏عدن و حتى أعالي الحجاز و التهائم الشمالية و الجنوبية و تكونت قرب الحجاز مستوطنات و محطات تجارية يمنية كما خضع الساحل الإفريقي للنفوذ اليمني و سمي لذلك بإسم الساحل الأوساني " و في الفترة الإنتقالية ما بين قبل و ما بعد الميلاد وصف الجغرافي الإغريقي سترابون ( حوالي 63 ق.م - 24 م ) ‏اليمن بأنها تقع : " إلى الجنوب من هذه الصحاري يقصد العربية الصحراوية - تبدأ الآن العربية السعيدة التي تتخذ موقعاً يحدها فيه : من الشمال الصحراء التي أتينا على ذكرها و يحدها من الشرق الخليج الفارسي ( حالياً : الخليج العربي ) بينما يحدها من الغرب الخليج العربي ( حالياً : البحر ‏الأحمر ) و يحدها في الأخير من الجنوب البحر الكبير ( حالياً بحر العرب و المحيط الهندي ) " و قد أكد بطليموس ما وصف سترابون لحدود اليمن معتبراً أن العربية السعيدة " " تشمل معظم جزيرة العرب أما ما تبقى من الجزيرة فهي العربية الصخرية و العربية الصحراوية و كلاهما تقع في شمال العربية ‏السعيدة " و رسم بطليموس العديد من الخرائط عرفت لا حقاً بأطلس بطليموس و أظهرت الخريطة السادسة من خرائط آسيا الإثنا عشرة خريطة حدود العربية السعيدة : من الغرب : الخليج العربي وهو الإسم القديم للبحر الأحمر ( SINVS ARABICVS ) ومن الشرق : الخليج الفارسي وهو الإسم القديم للخليج العربي ‏و من الجنوب بحر الهند MARE INDICVM و من الشمال فقد رسم بطليموس خطأ يبدأ من أعلى الخليج ( الفارسي ) العربي و ينتهي في خليج العقبة على البحر الأحمر كما أشارت الخريطة السادسة إلى جزيرة سقطرى ( DIOSCORDI INSVLA ) و جزر أخرى كجزء من أراضي الحميريين ( HOMERITA ) .

‏■ قال الأصمعي من العصر الإسلامي منذ القرن الأول الهجري :

إقليم اليمن : 

( اليمن و ما أشتمل عليه حدودها بين عُمان إلى نجران ثم يلتوي على بحر العرب إلى عدن إلى الشّحر حتى يجتاز عُمان فينقطع من بينونة و بينونة : بين عُمان و البحرين )

آخر حدود اليمن بينونة و بينونة اليوم هي إحدى ‏مناطق إمارة أبو ظبي و هذا كله في العصر الإسلامي فكيف بالعصور القديمة .

■ و يمكن تحديد بلاد اليمن كما وصفها العلامة الحسن بن أحمد الهمداني منذ القرن الثاني الهجري في كتابيه صفة جزيرة العرب و الإكليل : ( إن حدود اليمن من وادي تثليث و وادي الدواسر و العبلاء في الشمال و شرقاً إلى ‏عُمان و جنوباً إلى عدن ) و ألحق بها الجزر المحاذية في البحر الأحمر .

■ ورد ذكر يلملم في الكثير من كتب الجغرافيا الكلاسيكية العربية في القرن الثالث الهجري و ما بعده إلا أن الإصطخري كان أول من عدها نقطة حدودية يمنية و يتجاهل بعض الباحثين المعاصرين آراء الإصطخري فيما يتعلق بهذه ‏المسألة كونها تفتح أبواباً للنقاش التاريخي الغير محبذ عند البعض و عموماً فإن وادي يلملم الممتد 150 كم من الشرق إلى الغرب و الذي يبعد عن المسجد الحرام بحدود ۱۰۰ کم هو ما تحدث عنه الإصطخري كنقطة على الحد الشمالي لليمن يسبقها السرين و يليها ظهر الطائف .

■ و وصف الإصطخري من القرن ‏الثالث - الرابع الهجري في المسالك و الممالك حدود اليمن بشكل واضح كما حدد مساحتها كنسبة مئوية من مساحة بلاد العرب في سياق متصل فقال : " فما كان من حد السرين حتى ينتهى إلى ناحية يلملم ثم على ظهر الطائف ممتداً على نجد اليمن إلى بحر فارس مشرقاً فمن اليمن ويكون ذلك نحو الثلثين من ديار ‏العرب " . 

و بحر فارس لدى الإصطخري يشمل الخليج العربي و بحر العرب و خليج عدن و البحر الأحمر لذا يمكننا وصف حدود اليمن بشكل مبسط كالتالي : الحد الشمالي : ميناء السرين ، يلملم ، ظهر الطائف ، ثم خط يمتد على نجد اليمن إلى الخليج العربي الحد الجنوبي : بحر فارس ( بحر العرب و خليج عدن ‏) الحد الشرقي : بحر فارس ( الخليج العربي ) الحد الغربي : بحر فارس ( البحر الأحمر من ) .

■  لا يوجد فرق البتة بين وصف الإصطخري و إبن حوقل منذ القرن الرابع الهجري لليمن و ما يدخل فيها و حدودها و مساحتها : " و اليمن المشتملة على تهامة و نجد اليمن و عمان و مهرة و بلاد صنعاء و عدن و ‏سائر مخاليف اليمن فما كان من حد السرين حتى ينتهى على ناحية يلملم ثم على ظهر الطائف ممتداً على نجد اليمن إلى بحر فارس مشرقاً فمن اليمن و يكون ذلك نحو الثلثين من ديار العرب " .

‏■ و حدود اليمن عند المقدسي منذ القرن الرابع الهجري هي ذات الحدود عند الإصطخري و إبن حوقل .









( سبأ في النصوص المسمارية السومرية و الآشورية منذ الألف الثالث إلى الأول ق.م )

‏• ذكرت النصوص المسمارية في عهد الملك الآشوري سرجون الثاني من القرن الثامن قبل الميلاد إسم يثع أمر وتر و إتامرا ملك كور سباء التي ذكرت بالصيغة SA-BA-A-A-A و يثع امر وتر هذا هو ملك مكرب سبأ منذ القرن الثامن قبل الميلاد .

• كور - ( KUR ) تعني باللغة السومرية جبل يرادفها باللغة
‏الأكادية شادو ( Šadû ) و تعني كذلك بلاد بالأكادية ( matu ) و تأتي كعلامة دالة تسبق أسماء البلدان و الجبال و لها معاني عديدة .

• كور - ( KUR ) كلمة سومرية تعني جبل أو تل و يمكن ملاحظة الرمز الكروي التصويري الذي يرمز إلى الشكل الكروي .

• و ما يزال يطلق في اليمن على إسم الجبل ‏( كور ) كما يوجد جبال شهيرة إسمها جبال الكور مثل : كور سيبان و كور العوالق و كور العواذل .

• و في الطرف المقابل يذكر العالم الألماني : فرتز هومل " عالم الآثار و اللغات و النقوش القديمة منذ القرن الماضي إلى أن هذه الكلمة " Sabum " التي وردت في النصوص السومرية منذ الألف ‏الثالث قبل الميلاد إنما تعني " سبأ " التي وردت في التوراة و يظن إن كلمة : SA-BA-A-A-A = Sabu الواردة في نص سومري يعود إلى Aradnanar " باتيسي " " لجش " Lagash " تلو " معاصر آخر ملوك " أور " أي من رجال النصف الثاني من الألف الثالثة قبل المسيح تعني أرض سبأ و يرى " هومل " إن كلمة Sa-bu-um = Sabum التي وردت عند ملوك " أور " في حوالي سنة " 2500 قبل الميلاد " إنما تعني Seba الواردة في العهد العتيق .

المصادر :

- Dr. F. Hommel , in Hilprecht's Exploration in the Bible Land .

- Dr. Naguib Mikhail : Egypt and the Ancient Near East , Part V .

‏تعليقي :

نلاحظ ورود لفظ ذكر سبأ في النصوص المسمارية من الفترة السومرية و الآشورية كما هو موضح في الأعلى بحيث جأت في الصيغتين بنفس اللفظ الأولى ملك كور سبأ و الثانية عند هومل تعني سبأ و هذا التطابق في الكلمة حول سبأ يرجح وجودها بشكل قوي منذ الألف الثالث قبل الميلاد و أنها ‏لها وجود ربما يكون تجاري لأن هناك نص أو نقش مسماري سومري وجد في حضرموت أورده العالم الروسي بتروفسكي من الألف الثالث قبل الميلاد و هذي دلالة على التواصل الحضاري و على الوجود السبئي المبكر في بلاد سومر و آشور و أنها معروفة لديهم كانت من الألف الثالث إلى الأول قبل الميلاد .