البخور ( اللُبان )
قال الشاعر :
إذهب إلى الشحر و دع عُمانا = ألا تجد تمرا و لُبانا
و قال إبن خلدون في ( العبر ) " و في هذه البلاد يوجد اللبان و في ساحله العنبر الشحري " .
و قال الثعالبي في ( ثمار القلوب ) " عنبر الشحر يضرب به المثل " قال الشاعر :
و لو كنت عطراً كنت من عنبر الشحر .
و قال صاحب ( تاج العروس ) يصف شجرة البخور " شجيرة شوكية لا تسمو أكثر من ذراعين لها ورق مثل ورق الآس و لا يكون اللبان إلا بالشحر من اليمن و منابت شجرته الجبال " .
و قال الأصمعي : أربعة قد ملأت الدنيا و لا تكون إلا في اليمن " الورس و الكندر ( اللبان ) و الخطر و العقيق .
و عندما زار صاحب كتاب ( الطواف حول البحر الإريتري ) قنا ميناء مملكة حضرموت الرئيسي شاهد قوافل الإبل و القوارب و الأرماث تنقل اللبان من داخل حضرموت و سواحلها إلى ميناء قنا و سمى ملك حضرموت ( ملك بلاد اللبان ) و قال إن جزيرة سقطرى تابعة لحضرموت و في سقطرى توجد أيضاً أشجار اللبان .
و قد كان المصريون القدماء يعتقدون بأن بلاد العرب هي من تنتج البخور و غيره من السلع المقدسة فعندما زار هيردوتس مصر وجد المصريين يشيرون إلى جبال بلاد العرب إلى الشرق من مصر على أنها موطن البخور و قد رأينا من قبل أن التوراة و الكتب الكلاسيكية تذكر البخور كسلعة عربية تحملها قوافل سبأ ضمن السلع العربية الثمينة الأخرى إلى بلاد الشام .
كانت الشعوب في عصور الوثنية تنظر إلى البخور و المر و الصبر و مختلف الطيوب نظرة تقديس حتى أن قدماء المصريين كانوا يسمون الأرض التي تنتج هذه المواد ( الأرض المقدسة ) أو ( أرض الإله ) .
و كثير من كتابات المسند يتحدث عن البخور و المر الذين كان قدماء اليمنيين يقدمونه للآلهة و كانت المعابد في العصور الوثنية تستغرق من البخور كل عام عشرات الأطنان عدا ما كان يحرق منه في العادات و المناسبات الأخرى خارج المعابد و من هذه العادات لدى الآشوريين ما ذكره هيردوتس من أن الرجل و إمرأته كانا عقب الجماع يجلس كل منهما أمام الآخر و تحت كل منهما مبخرة يفوح منها البخور و العجيب أننا نجد ما يشبه هذه العادة حتى يومنا هذا في اليمن فلزوجة لا تنام مع زوجها فيما عدا أيام الحيض إلا بعد أن تتبخر و لكن هيردوتس قال إن الآشوريين أخذوا هذه العادة عن العرب .
كانت المواد المقدسة في العالم القديم تضارع الذهب في قيمتها " و قد قدر بعضهم ما كان يشتريه العالم الروماني وحده من البخور و الطيوب " في العام الواحد بما قيمته مائة مليون من الدراهم و تدل شكوى بليني من إسراف ( نيرون ) ( 68 - 54 ق.م ) في حرق البخور في جنازة زوجته ( بوبيا ) على ضخامة الأموال التي ستكلفها الكمية التي أحرقها من البخور خزينة الإمبراطورية الرومانية .
و قد شارك في الإتجار بالبخور الملوك و الكهنة و في عهد البطالمة كان البخور من بين السلع الثمينة التي وضعت تحت رقابة الحكومة و إشرافها .
و هناك أسطورة عن العنقاء سمعها هيردوتس في مصر هي أن العنقاء إذا توفي أحد والديها تقوم بوضع جثته في كتلة من المُر ثم تحملها من بلاد العرب إلى معبد الشمس في مصر حيث تدفنها فيه .
و المُر يوجد بشكل بري طبيعي في اليمن التاريخي مثله مثل اللبان و غيره من مواد البخور و الطيوب و ينمو المر بكثرة مدهشة على طول الشعاب و فوق التلال و كانت الممالك اليمنية القديمة هي المسؤولة عنه و عن توزيعه للكهنة و التجار و كانت تقسمه بالتساوي للقبائل في نقله في نظم تجارية إقتصادية بإنتظام و للأسر و العوائل في توزيعه بينهم .
و ما زال العرب الجنوبيين لم ينسوا بعد طريقة إستخراجه التي ورثوها و التي إنحدرت إليهم من أجدادهم عبر الآلاف من السنين فتراهم يضربون ساق الشجرة ثلاث ضربات بالمنقف أداة خاصة في جرح و توقيع هذه الأشجار المقدسة اللبان و المر .
و أجود أنواع الصبر صبر جزيرة سقطرى و يعرف ( بالصبر السقطري ) و هو أحمر اللون و قد تاجر العرب الجنوبيون بالصبر و ربحوا منه أموالاً عظيمة .
و قال بليني أن المر الذي أشتهر لدى المصريين و اليونان و الرومان بالمر المعيني كان في الحقيقة غلة الحضرموتيين و الجبانيين Gebbanitae و أن ملك الجبانيين كان يأخذ لنفسه ربع غلة المر وله وحده حق بيع القرفة و أنه لم يكن يسمح بتصدير اللبان إلا بعد دفع ضريبة إلى هذا الملك و قال أيضاً أن الجبانيين كانوا يسيطرون على تجارة شرق إفريقيا البحرية و بو غاز باب المندب .
و قد عد ( بليني ) الشعب الجباني من شعوب بلاد العرب الجنوبية و ذهب ( جلزر ) إلى أنهم طائفة من القتبانيين كانت تسكن المنطقة المجاورة لمضيق باب المندب .
و هناك من ينسب الجبانيين إلى ( جبأ ) و هي مدينة قال الهمداني أنها تقع في " فجوة بين جبل صبر و جبل ذخر في وادي ضباب " .
و لكن إذا نظرنا إلى المناطق التي لا تزال شجيرات المر تنمو فيها نمواً طبيعياً في اليمن نجدها في المناطق الغربية من مملكة حضرموت القديمة و في المناطق الجبلية المطلة على الشريط الساحلي الممتد من عدن إلى باب المندب حتى تهامة مما يجعل بأن الجبانيين أي القتبانيين كانوا يسكنون كذلك كما قال جلزر المناطق المجاورة لباب المندب و يتشاركوا فيها مع أبناء عمومتهم الأوسانيون .
و لا يزال للمر و الصبر و اللبان في أنحاء كثيرة من اليمن شيء من القدسية القديمة فعلى مهد الوليد تعلق الأم قطعة صغيرة صلبة هرمية الشكل مصنوعة من خليط من المر و الصبر و اللبان و الحبة السوداء لحماية الطفل من ( الجن و الأرواح الشريرة ) و هي الفترة التي تظل فيها جمجمة الطفل رخوة تذيب الأم بين حين و آخر شيئاً من القطعة في الماء تلطخ به الجمجمة كما تجرعه لبناً تذيب فيه شيئاً منه .
و في اليمن يغرس الصبر على قبور الموتى و هي عادة ربما كان لها جذور تمتد إلى أيام اللبان و المر و الصبر الزاهرة بل أن المهاجرين اليمنيين نقلوا هذه العادة إلى مهاجرهم ففي جزر القمر تجد الجبانات مغطاة بغابة من نبات الصبر .
و طريقة إستخراج الصبر لدى سكان الجبال المطلة على ساحل عدن و الساحل الغربي منها حتى باب المندب هي :
1 - تقطع الأوراق اللحمية إلى قطع صغيرة و تترك فوق إناء بحيث يسيل السائل الصمغي إلى داخل الإناء .
2 - يوضع الإناء على النار و يحرك السائل بعصا حتى يصبح كالعصيدة ثم يترك في الشمس ليتصلب .
و قد بقيت اليمن على شهرتها بصناعة الطيوب و العطور حتى بعد ظهور الإسلام فأسماء بنت مخربة أم أبي جهل كانت تبيع في مكة العطور التي كان يبعث بها إليها من اليمن إبنها عبدالله بن أبي ربيعة فكانت تضع العطور في قوارير و تزنها فتبيع نقداً أو ديناً فإذا باعت ديناً كتبت مقدار الدين في كتاب .
و قال المقريزي المتوفي سنة 421 هجري في ( الأزمنة و الأمكنة ) إن طيب الخلق جميعاً كان يعبأ في عدن " و لم يكن يحسن صنعه أحد من غير العرب " حتى أن تجار البحر لترجع بالطيب المعمول بعدن تفخر به في السند و الهند و يرحل به تجار البر إلى فارس و الروم .
و في الجاهلية كانت الطيوب و العطور أهم السلع التي تعرض في سوق عدن و قال إبن المجاور إن أهالي عدن يعتمدون في معيشتهم على بيع العطور و القنبار .
و كان عطر ( العالية ) أشهر أصناف العطور اليمنية و أغلاها في الجاهلية و الإسلام و أروج ما كان يعرض من السلع في أسواق صنعاء و عدن و الجند و حضرموت و يعمل هذا العطر من العنبر و دهن بذور شجر البان و المسك .
( دخل عبدالله بن جعفر على معاوية و رائحة الطيب تفوح منه فقال له معاوية : ما طيبك يا عبدالله ؟ فقال : " مسك و عنبر جمع بينهما دهن بان فقال معاوية : غالية ) .
موانئ اليمن القديمة :
1 - عدن : كانت عدن ميناء الأوسانيين الرئيسي و منه كانت مراكبهم تنطلق إلى شرق إفريقيا حيث كانوا يسيطرون على سواحل كينيا و تنجنيقا قبل الميلاد بقرون لا يعرف عددها و كانت ربطة Rhapta آخر ميناء تصل إليه مراكبهم تقع حسب رأي أغلب الباحثين عند مصب أحد فروع نهر زمبيري Zembezi أو عند ميناء ( كليمان ) الحالي و كانت ( بلاد السواحل ) تعرف أيام صاحب كتاب ( الطواف حول البحر الإريتري ) بإسم Azanin أو Ausaniteae ( أوسان ) غير أن السيادة في هذا الساحل لم تكن بيد الأوسانيين أيام صاحب الطواف و كانت Rhapta نفسها بيد أهالي Muza ( المخا ) يحكمونها نيابةً عن زعيم المعافر The Mapharitie Chief الذي كانت تابعة له بموجب حق قديم يخضعها لسيطرة الإمارة التي تقابلها أول ما تقابله من بلاد العرب و من المحتمل أن هذا الحق القديم كان للأوسانيين فبلادهم هي أول ما يقابله القادم من ( السواحل ) من بلاد العرب .
2 - قنا : كانت قنا الميناء الرئيسي لمملكة حضرموت التي كانت حدودها تمتد من مرباط شرقاً حتى ميفعة غرباً و من صحراء الربع الخالي شمالاً حتى البحر جنوباً و كانت سيطرتها في البحر تمتد إلى جزيرة سقطرى كما كانت علاقتها بشرق إفريقيا قوية و قديمة .
3 - المخا : ميناء قديم يرجع تاريخه إلى ما قبل الميلاد و قد عثر فيها على نقش بالمسند اليمني يرجع تاريخه بحسب العلماء إلى قبل الميلاد .
4 - سمهرم : من موانئ اليمن القديمة المندثرة و يعرف اليوم بخور روري و هو بظفار و كان في الماضي من الموانئ الهامة لقربة من المنطقة التي تنبت فيها شجيرات اللبان و كان تابعاً لمملكة حضرموت .
5 - الشحر : من موانئ اليمن القديمة الشحر و كانت السلع الرائجة فيها اللبان و المر و الصبر و الدخن و يقتل للشحر ( الأسعاء ) و ( سمعون ) و ( الأحقاف ) و ( شحار ) .



ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
ملحوظة: يمكن لأعضاء المدونة فقط إرسال تعليق.