الخميس، 6 يوليو 2023

( تعبيرات زخرفيه ذات أصول يمنية قديمة )

( في الأثر و الفن و المعتقد )
" د . صادق سعيد عثمان الصلوي "

==============================

{ تعبيرات زخرفيه ذات أصول يمنية قديمة }

• و لما كانت البيئة تلعب إلى جانب المناخ دوراً كبيراً في تحديد أنواع النباتات و الحيوانات التي تنمو و تعيش فيها و في تحديد المواد المستخدمة فلا غرابة في أن تتباين التعبيرات الزخرفية من حضارة إلى أخرى فحيوان الوعل Ibex على سبيل المثال لم ينتشر إستخدامة كتعبير زخرفي في أية حضارة من الحضارات قدر إنتشاره في الحضارة اليمنية القديمة .

• كما أن الفن يتأثر إلى جانب ذلك بمجموعة من العوامل أهمها المعتقدات الدينية و الأساليب المحلية و الإرث الحضاري القديم و إنعكاس إتجاھات الحياة الفكرية على بعض المظاھر الفنية بالإضافة إلى التأثيرات المتبادلة بفعل الموقع الجغرافي و لذلك فلا غرابة في أن يكون لكل فن من فنون العالم طابعه الخاص ففي اليمن على سبيل المثال نجد أن الفنان الذي حافظ خلال العصور الوسطى على السمات الأساسية للفن العربي الإسلامي قد أنفرد بفعل ھذه العوامل بطابع فني مميز له سماته و خصائصه الفنية .

• و يبدو من خلال كثير من التعبيرات الزخرفية التي تقابلنا على الآثار الإسلامية اليمنية أن الإرث الحضاري القديم كان من أھم تلك العوامل التي طبعت الفن اليمني خلال ھذه المرحلة بطابعه الخاص و المميز و أن تأثير ھذا الإرث لم يكن خلال الثلاثة القرون الإسلامية الأولى كما قد يتبادر إلى الذھن و إنما إستمر كما سيأتي معنا إلى يومنا ھذا سواء على المباني كعناصر معمارية أو ضمن الزخارف الخشبية التي تزين سقوفها و الجصية و المائية التي تزين جدرانها .

• إن من أبرز الأمثلة الدالة على تأثر فنون اليمن خلال العصر الإسلامي بفنونه قبل الإسلام ھو الشكل المحور لحيوان الوعل الذي يقابلنا ضمن زخارف مصندقات سقف الجامع الكبير بمدينة شبام كوكبان التي ترجع في تاريخها إلى القرن الخامس الهجري/ الحادي عشر الميلادي و بالتحديد إلى عام ( 410 ھـ / 1019 م ) حيث نجده من بين تلك التعبيرات الزخرفية البديعة التي تشتمل عليها و في وضع يجعله قريباً من تلك الأشكال البارزة التي له على كثير من الكتل الحجرية المعمارية في معبد مدينة صرواح و غيره من المعابد اليمنية القديمة سواء في محافظة مأرب أو في غيرھا من المحافظات .

• و لما كانت زخارف النماذج المبكرة من السقوف الخشبية التي ترجع كما في الجامع الكبير بصنعاء إلى 265 ھـ لا تنم عن البدائية فإن ذلك يعني أنها ترجع في نشأتها إلى فترة سابقة ليست بالقليلة خاصة أن العثور على لوحة ضمن اللوحات الحجرية التي تغطي جزء من سقف جامع تمور في مديرية النادرة من محافظة إب و عليها بقايا لزخرفة نباتية يشير إلى أن فكرة نشوئها ترجع في الأصل إلى ما قبل الإسلام .


 • ھذا و يلاحظ أن شكل حيوان الوعل الذي كان الملوك في اليمن القديم يخرجون لصيده في مواسم معلومة من السنة و يقيمون المراسم الخاصة بطقوس صيده يظهر في مسجد أسناف الذي شيد في الربع الأول من القرن القرن السادس الهجري / الثاني عشر الميلادي أكثر تحويراً منه في جامع شبام كوكبان .

• أضف إلى ذلك أن أشكال رؤوس الوعول أو الضباء و كذا الثيران التي أبدع الفنان اليمني القديم في نقشها نقشاً بارزاً على كتل مختلفة الأحجام من حجر البلق Stone Lime و المرمر Alabaster و تقابلنا في كثير من المباني و المنشآت القديمة تظهر مهملة التفاصيل على بعض المباني الحديثة حيث نجد أن قوام زخرفة ذلك الشريط الذي يظهر على أحد المباني في مدينة زبيد أشكال محورة لحيوان الوعل .


• كما أن ھناك في مدينة زبيد مبنى آخر يستدل من خلاله أن المعمار أستغل الإمكانية الكبيرة التي وفرتها له مادة الآجر بالإضافة إلى إستغلاله لتأثيرالظل و النور في عمل زخارف ھندسية و حيوانية غاية في الجمال منها أشكال محورة و بارزة من رؤوس الوعول أو الضباء المتماسة .


• و الواقع إن ھذا الثراء الفني يعكس لنا الإستعداد الحضاري للفنان اليمني خلال العصور الوسطى و الحديثة و قدرته في التعامل مع مختلف المواد فضلاً عن صفاء فكره و إخضاعه المسائل للقواعد الحسابية والهندسية .

• و آيا كان الأمر فإن حسن إستغلاله لليونة مادة الطين - الزابور - التي تعتبر إلى جانب اللبن من بين مواد البناء الأساسية في كثير من المحافظات اليمنية قد مكنه من تكليل كثير من المنازل بزخارف حيوانية بديعة قوامها رؤوس ثيران مهملة التفاصيل .


• كما أن الزخارف القصية بتعبيراتها الزخرفية المختلفة التي نفذھا الفنانون اليمنيون على جدران كثير من المباني الدينية و الدنيوية تنم عن حذق و مهارة عالية في إستخدام ھذه المادة التي تتطلب السرعة و الدقة في التنفيذ ذلك أن الصعوبة في رسم و حفر الزخارف أو الكتابات عليها في حال جفافها تكون كبيرة .

• و ما من شك في أن الأشكال المحورة لحيواني الوعل و الثور التي تشكل جزء من الزخارف البارزة التي تزين أحد جدران الغرفة الرئسية التي تعرف بالمربع في أحد منازل مدينة زبيد تعتبر من بين أھم الشواھد على براعة الفنان في إستخدام ھذه المادة .


• إن إمعان النظر في تلك الزخارف التي تشكل من خلال إلتفافها حول بعضها البعض معينات أو أشباه معينات متماسة سيقودنا إلى إستنتاج وحيد ھو أن ھذه الزخارف التي نجدھا في كثير من المباني الإسلامية التي ترجع إلى فترات تاريخية مختلفة ھي في الأصل عبارة عن ثعابين كتلك التي تزين أعمدة و مداخل كثير من المعابد اليمنية القديمة التي تعرف عند العامة بمعابد بنات عاد .

• و لإثبات صحة ذلك فقد قمنا بوضع ھذا النوع من التعبيرات الزخرفية الإسلامية بجانب ثعبانين من تلك الثعابين فتبين أن الفارق الجوھري بينهما يتمثل في الرأس و الذيل و أننا بحذفهما نحصل على شكلين متماثلين .


• ھذا و يلاحظ أن ذلك التعبير الزخرفي الذي تتوسطة وردة رباعية البتلات محصورة داخل دائرتين يعتبر بأشكال الوريدات التي علية من التعبيرات الزخرفية المركبة التي تزين بقايا السقف الخشبي لبيت الصلاة في جامع ذي يشرق من محافظة إب و المنتمية إلي ھذا النوع من التعبيرات الزخرفية التي تشكل الثعابين عنصرھا الرئيسي .

• أما بالنسبة للورقة النباتية التي تقابلنا عل أحد أعمدة الجامع الكبير بمدينة شبام كوكبان و ضمن كثير من زخارف الرقش العربي سواء المنفذة منها على القص أو على الأخشاب أو المرسومة بأسلوب الفريسكو نجدھا إلى جانب تعبيرات زخرفية أخرى على طاسة فضية مطعمة بالذھب عثر عليه ضمن الأثاث الجنائزي لقبور أم ذيبة في وادي ضراء من محافظة شبوة و عليها نقش بخط المسند .


• إن استخدام الآجر في بناء شريط زجزاجي قليل البروز محصور بين مدماكين بحيث يشكل معهما زخارف ھندسية عبارة عن مثلثات غائرة يعتبر من الأساليب التي تقابلنا في كثير من منازل و مباني مدينة صنعاء القديمة و في غيرھا من المدن و القرى اليمنية التي يغلب فيها إستخدام الآجر و أن الأصل فيها تلك الزخارف المطابقة لها على أحد أعمدة معبد مدينة السوداء في مديرية المصلوب من محافظة الجوف الذي يرجع إلى القرن التاسع قبل الميلاد .


• إن الشرفات المسننة التي تتوج كثير من جدران المساجد و المدارس والأضرحة تعد من بين التعبيرات الزخرفية المعمارية ذات الأصول اليمنية القديمة فلو قارنا جزء من شرفات مسجد جامع القبة في مدينة جبلة من محافظة إب مع جزء من الزخارف التي تعلو رؤوس المحاربات مباشرة من الزخارف التي تزين كما سبقت الإشارة أحد أعمدة معبد عثتر في مدينة السوداء بمحافظة الجوف لوجدنا أن التشابه بينهما كبير .

• و لما كانت زخارف عمود معبد عثتر ترجع كما سبقت الإشارة إلى القرن التاسع قبل الميلاد على أقل تقدير فإننا سنترك للمختصين في مجال العمارة الإسلامية تحديد ما إذا كانوا سيستمرون في إعتبار ھذه الشرفات مأخوذة من تيجان الملوك الساسانيين أم أنهم سيغيرون رأيهم وفقاً للمعطيات الجديدة خاصة أن الدولة الساسانية كما ھو معلوم شغلت الفترة الواقعة بين عامي ( 224 - 651 م ) .

• ھذا و يلاحظ أن البعض من الورود التي تقابلنا على الآثار الإسلامية تعتبر من بين التعبيرات الزخرفية التي ترجع في أصولها إلى اليمن القديم فالمقارنة بين الوردة التي تقابلنا ضمن التعبيرات الزخرفية للمصندقات الخشبية في الجامع الكبير بمدينة شبام كوكبان و أعلى فتحة مدخل البوابة الجنوبية للمدرسة الأشرفية بمدينة تعز و على مناطق إنتقال إحدى قباب المدرسة العامرية في مدينة رداع و ضمن التعبيرات الزخرفية التي تزين المصندقات الخشبية لكل من الجامع الكبير و مسجد سيدة بنت حمد الصليحي في محافظة إب و بين الورود التي تكتنف السطر الأخير لعدد من نقوش مجموعة البرت جام لوجدنا أن ھناك تشابهاً فيما بينها .


• أضف إلى ذلك أن جدران و قبة ضريح حفظ الدين بن المطهر ( ت 964 ھـ / 1557 م ) في مدينة ظفير حجة تشتمل على كتابات و زخارف ھندسية و نباتية ملونة قوامها أشكال المثلثات و الأشكال الرباعية الأضلاع و الدوائر و أنصافها و الفروع النباتية و المراوح النخيلية و أنصافها و أشكال الوريدات المروحية و غيرھا من التعبيرات الزخرفية البديعة .

• و الجدير بالذكر أن من بين أشكال الوريدات التي تزين إحدى النوافذ المصمتة في ھذا الضريح تتشابه مع تلك الوريدة التي تقابلنا على جزء من لوحة يمنية قديمة مزينة بزخارف نباتية .


• و علاوة على ذلك فإن الوريدات المروحية التي تقابلنا ضمن زخارف المصندقات الخشبية للجامع الكبير في مدينة شبام كوكبان تعتبر من الوريدات التي ترجع في أصولها إلى اليمن القديم ذلك أن الوريدة المفرغة من على علبة فضية صغيرة عثر عليها ضمن الأثاث الجنائزي لقبور أم ذيبة في وادي ضراء السابقة الذكر تنتمي إلى نفس النوع .

• ھذا و يلاحظ أن من بين التعبيرات الزخرفية لفن الرقش العربي التي تزين مصندقات مسجد سيدة بنت أحمد الصليحي في مدينة جبلة من محافظة إب تعبير زخرفي يمثل فرعاً نباتياً يتشابه من حيث التموج إلى حد ما مع الفرع النباتي الذي يزين العلبة الفضية آنفة الذكر .


المراجع : -



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

ملحوظة: يمكن لأعضاء المدونة فقط إرسال تعليق.