الأحد، 13 يناير، 2013

عرب وادي النيل موحدون عبر التاريخ .

موحدون عبر التاريخ : -

" عرب وادي النيل المصريين القدماء موحدون منذ ما قبل عهد الأسرات الآولى منذ زمن نبي الله إدريس عليه السلام أي في حوالي 6000 سنة منذ ما قبل الميلاد " .


إن التوحيد الذي بزغ منذ بداية يوم الإنسانية سيبقى هو عقيدة الأمة الزاهرة فى النفوس وان حجبت نوره بعض سحبٍ من الشرك خفيفة أو كثيفة على مر الزمن، فلم تخلو الأرض قط من حجة على الناس متمثلة في أشخاص موحدين ونماذج مؤمنة موحدة، أوّلهم آدم وليس آخرهم خاتم النبيين محمد(ص) وما بينهما الكثير من الرسل والأنبياء والمؤمنين الصالحين نعرف بعضهم ولا نعرف أكثرهم، يمثلون استمرار خط التوحيد الذي لا ينقطع أبداً في كل زمان طوال التاريخ الإنسانى.

فمن أين كانت انطلاقة عقيدة التوحيد؟.. وأين هي البقعة الجغرافية التي منها انتشرت تلك العقيدة إلى العالم؟ علينا الرجوع إلى نقطة البداية، حيث الجنة الأرضية التي اسكنها الله آدم وزوجه، ولكن الجهل بحقائق التاريخ والجغرافيا نتيجة التقصير أو قصور الفهم أو تحريف الحقائق ساهم في رسم الصورة غير الصحيحة عن التاريخ منذ آدم الإنسان الأول وحتى اليوم، والقرآن الكريم يدعونا لننظر فيما آل إليه أمر السابقين من المكذبين والمجرمين ويطالبنا بالسير في الأرض لمعرفة كيف بدأ الخلق لإعادة رسم الصورة الصحيحة عن تاريخنا القديم واستخلاص العبر منه.

فالبداية كانت من (اول بيت وضع للناس للذى ببكة مباركا وهدى للعالمين)( آت عمران 96 )، من هذه الأرض المقدسة المباركة، أرض شبه الجزيرة العربية التي انطلق منها الأنبياء والرسل، ومنها حمل الإنسان العربي عقيدة التوحيد إلى جميع أنحاء الوطن العربي الواسع منذ آلاف السنين، لا كما صوّره أعداء هذه الأمة من أن العرب كانوا مجموعة من البدو الرحّل جهلة ووثنيين سكنوا الجزيرة العربية قبل البعثة النبوية، متناسين وجودهم قبل ذلك وجغرافيتهم الواسعة التي شملت العراق وسوريا ووادى النيل، وتاريخهم الموغل في القدم الذي مثله السريانيون (كالسومريين و البابليين(، والفينيقيون.

ومن النماذج الموحدة وما أكثرها فى تاريخ امتنا، الحنفاء والمندائيون الصابئة، وعرب العراق وسوريا، وعرب وادى النيل.

أولاً: الحنفاء

كان العرب في شبه الجزيرة العربية يمثلون مركز الأمة العربية، وكانوا قبل البعثة النبوية يدينون بالحنيفية الإبراهيمية وبوحدانية الله، كانوا يعظمون البيت الحرام ويحجون إليه من كل جهة و يقرون بالبعث، وذلك قبل أن يتولى أمر البيت عمرو بن لحي، فكان هو أوّل من وضع الأصنام على الكعبة ودعا الناس إلى عبادتها، ثم كثرت الأصنام وشاعت عبادتها بينهم. والحنفاء هم بقابا التابعين لدين النبى ابراهيم(ع) وخط التوحيد، وقد ورد ذكرهم فى القرآن وبعض كتب الديانات الأخرى.

ولم تخل شبه الجزيرة العربية قبل البعثة النبوية ومكة بالذات من الموحدين لله والمعلنين فى أشعارهم و خطبهم رفضهم لعبادة الاصنام والداعين لعبادة التوحيد والإضراب عن مظاهر الشرك المنتشرة ، مثل قس بن ساعدة الإيادي والشاعر زهير بن أبي سلمى و غيرهم.

أما العلماء الملحدون فزعموا انّ الإنسان منذ البداية يعتقد بتعدد الآلهة، هذه النظرية دحضها الدكتور س.هربرت. وهو أحد أعلام الحفريات وأستاذ الدراسات الآشورية في جامعة أكسفورد فقد قال هذا العلامة إن العقيدة الوحدانية في الديانات "السامية!" والسومرية قد سبقت العقيدة بتعدد الآلهة.

ثانياً: المندائيون الصابئة

سكنوا شبه جزيرة العرب وعقيدتهم توحيدية خالصة ولاتختلف ممارساتهم وطقوسهم العبادية كثيراً عما نحن عليه الآن ويعتبرونها تعاليم ربانية. أوّل أنبيائهم آدم(ع) وكتابهم المقدس الكنز العظيم (كنزا ربا) يرجعونه الى صحف آدم وشيث وإدريس والتي وجدت قبل أكثر من 4 آلاف سنة قبل الميلاد. موطنهم الأصلى جنوب غامد من جبال السراة ولذا كانوا يتوجهون في صلواتهم إلى الشمال العالي حيث بيت المقدس في المغارة المقدسة منبع الأنهار التى تروى جنة عدن، ثم رحلوا شرقاً إلى جنوب العراق الحالي حيث ما زالوا إلى اليوم.

وقد دُعوا بالصابئة لاعتمادهم التعميد وهو التطهير والإغتسال بالماء في الكثير من طقوسهم العبادية، وهو أهم طقس ديني عندهم. وقد ذكرهم القرآن وقرنهم بأصحاب الديانات الثلاث (المائدة 69).

ثالثاً: عرب العراق وسوريا

وهم السومريّون والأكاديّون والبابليّون والآشوريّون الذين تنضح تراتيلهم الدينية في المعابد (مزامير التوبة) توحيداً خالصاً وإيماناً بالله الواحد الأحد، "هذا الاله الواحد الذى لا يرى ولا يحد" كما وصفته هذه التراتيل والترانيم والإبتهالات التى كانت تقدم لهذا الإله او ذاك كمظهرٍ من مظاهر التعبير عن فكرة الحب الإلهي وتجسيدها الواقعي التى يرفعها الإنسان لمقام الإله لتمجيده. ومنها ترتيلة للإله انليل وتعنى عبن ايل، عين الله، تقول: (انليل ذو السلطان الشامل المطلق والكلمة السامية المقدسة يقدر المصائر والأقدار إلى الأبد، فلا تبديل لأوامره، الرب العظيم، ذو السيادة والقدرة، المتسامى فى السماء والأرض، العليم بكل شيئ، والمتمرس بالأحكام) .

لقد شهدت بلادهم أعظم حضارة عرفها التاريخ قبل الميلاد بآلاف السنين، ونستنتج من آثارهم ومدوناتهم صلة هذه الحضارة بالسماء، فشرعت للإنسان مختلف القوانين التي تحفظ النفس وتبسط العدل وترفع الظلم وتنظم الحقوق الإجتماعية والعلاقات الأسرية، مثل شريعة حمورابي التي قيل انها منزلة من السماء، ويصل عدد قوانينها إلى 285 قانوناً، منها قانون النفس بالنفس فى شريعة حمورابي وهو نفسه موجود في التوراة وأشار إليه القرآن(المائدة 45) مما يدل على أن مصدرها واحد وأن هدفها واحد وهو تحقيق العدل بين الناس (الحديد 25).

رابعاً: عرب وادي النيل

بالرغم مما ذكره الباحثون الغربيون عن كثرة الآلهة فى بلاد وادى النيل وتعدد أشكالها ومسمياتها، لأسباب لا صلة لها بالحقيقة، فانّهم يعترفون بوجود صورة لإله أعظم وأكبر من هذه الآلهة (إله عام) في أذهان المصريين كثيرا ماتحدثوا عنه فى ادبياتهم كقولهم (مايحدث هو امر الله)، (ما تزرعه وما ينبت في الحقل هو عطية من عند الله)، (إذا جائتكم السعادة، حق عليكم شكر الله) هؤلاء القوم الذين كان هذا شعورهم وحديثهم لم يكونوا بمنأى عن العقيدة الحقة. إن الخاصية الأولى للديانة (المصرية) هي وحدة (الإله)، "هو الكائن الأوحد – الحى فى الحقيقة - أنت الواحد، وملايين الكائنات انبثقت منك ــ خلق كل شيء وهو الوحيد الذي لم يخلقه أحد ".

أن المصريين عبدوا (في تلك العصور السحيقة) "الإله الواحد، المتعذر وصفه او ادراكه، الأبدي في صفاته الاسمى". وهذا ما تزخر به تراتيلهم العبادية، كما ذكر فى ترتيلة آمون على أن (آمون) هو أصل كل شيء وان كل شيىء آخر صدر عنه.

وقد عرف عنهم اهتمامهم بمراسم الدفن والإستعداد لما بعد الموت، وهذا الإهتمام يأتي من إيمانهم بالله سبحانه والبعث والحساب والحياة الأبدية الآخرة. وهذا تصوره إحدى بردياتهم القديمة حول محاكمة الميت ودقة الحساب كما ورد فى القرآن (الزلزلة 7 – 8) وانّ الأعمال بالنيات كما في(الشعراء 88- 89) وتعاليم كثيرة لديهم مماثلة لما جاء في القرآن الكريم.

فعرب وادي النيل كانوا موحّدين باعتراف كثير من الباحثين الغربيين رغم محاولات تشويه هذه الحقيقة لمصلحة الإدعاء اليهودي بأن التوحيد في هذه المنطقة بدأ بموسى(ع) ونسبة اختراع التوحيد الى الملك اخناتون في القرن 14 قبل الميلاد .

تعبير الأوائل عن عقيدة التوحيد

انّ التعمق في التراث العربي الديني يكشف عن حقيقة التوحيد والإيمان العميق لدى العرب الأوّلين بالإله الواحد ومعرفتهم بالكيفية التي تمت بها عملية الخلق. وقد احتفظوا بهذه المعارف والتعاليم في المعابد مكتوبة بطريقة خاصة، يعتبرونها كتابة مقدسة صوناً وتمييزاً لها عن الكتابة العادية، وهذه المعرفة بالأمور الغيبية لا تتحصل إلا بتعليم رباني عبر الملائكة والأنبياء(ع) من مركز الإشعاع التوحيدي.

أولا: الفكرة أرقى من الكلمة

إنّ تعبير الأوّلين عن عقيدتهم التوحيدية يقصر اليوم عن إيصال فكرة التوحيد كما وعوها وآمنوا بها، لأن الكلمة لا ترقى أبدا إلى مستوى الحقيقة والفكرة التي في ذهن قائلها، وإنما هي صورة ونسخة منها، ويكون الأمر أكثر تعقيدا عندما يكون الكلام عن عالم الروح، فلا يمكن ملامسة حقيقة الروح من خلال الكلمة (الإسراء 85).

والكلمات انما تنقل صورة قد تبعد أو تقترب عن الحقيقة الأصلية حسب دقة ودلالات الألفاظ المستخدمة واستعداد المتلقي. ثم إن الأولين عبروا ورمزوا وكتبوا عن عقيدتهم لأنفسهم حسب مستواهم المعرفي ولغتهم ولهجاتهم التي يفهمونها و يتخاطبون بها. فإنهم حين يصفون الإله ب (كثيرة عيونه وكثيرة آذانه) إنما يقصدون بذلك البصير السميع. المشكلة فى قصورنا عن فهمها خاصة بعد تضليل الباحثين وأخطاء الترجمة وتعرض الكلمات للتشكل بالزيادة اوالحذف او الإبدال عبر الاجيال وتطوراللغة المستعملة حسب الإحتياجات الجديدة وتلاقح اللهجات. كما أنها وصلتنا مكتوبة وليست منطوقة وبدون حركات وهذا يجعلها قاصرة اليوم عن أيصال المعنى الحقيقي. ولا بد لفهمها من الرجوع إلى أصلها فى اللغة العربية القديمة وما تفرع عنها من لهجات سريانية وآمورية وفينيقية وتشعباتها.

لهذا جاءت الشريعة المحمدية باللسان العربي المبين لأنها آخر الرسالات السماوية، جاءت تعاليمها في عقيدة التوحيد واضحة. وهذه اللغة والصيغة التي نزل بها القران قادرة على اختزان المعنى والمحافظة عليه على مر العصور، ليكون المعجزة الخالدة، وليس كمعجزات الرسل السابقة ذات الطابع المحسوس والمحدود بظرفي الزمان والمكان. وقد تولت العناية الإلهية حفظ هذا الكتاب باعتباره آخر الكتب السماوية من أن تطاله أيدي التحريف أو التغيير، وليكون حجة على من بلغه (الأنعام 19).

ثانيا: الآلهة والأرباب

لقد شاب كلمة (الآلهة) الكثير من عدم الوضوح فاعتقد الباحثون خطأ بأن ديانة السومريين تعج بتعدد الآلهة، ولكن المترجمين والمفسرين هم الذين أخطأوا في الفهم، فعقيدة تعج بالأخلاق والحكم الرفيعة والمثل وشرائع العدل، لا يمكن أن تكون وثنية وخرافية، ولو قرأوا القرآن ورأوا يوسف(ع) يقول للساقي السجين: (اذكرني عند ربك)( يوسف42 ) - وهو يقصد ملكه فرعون، لظنوا أن يوسف مشرك، او قول عيسى(ع): (لأن أباكم واحد الذي في السماوات) لظنوا بولادة البشر من الإله الواحد الصمد (متى 9:23). فهذه كلمات دارجة، السومريون كتبوها لأنفسهم ولأجيالهم الذين يعرفون اللغة وسيتعلمونها من كهنة المعابد فالذي لا يفهم من كلمة "عبد" إلا التعبد للإله وطقوس الركوع والسجود والتذلل، وليس الخدمة والحب سيقول جازماً أن "عبد مناف" و"عبد شمس" و" عبدالمطلب" كلهم مشركون ليس فيهم أحناف ولا موحدون، والذنب في الترجمة ثم في الفهم والتفسير، بالإضافة إلى الفكرة السائدة بأن التوحيد بدأ بموسى(ع) وبأهل التوراة، وانّ العرب كانوا وثنيين خلال التاريخ، وهذا وهم وخطيئة كبرى! فأين ذهبت الأنبياء والناس منذ آدم الأول؟!

إن قدامى العرب ميّزت الملائكة التي تقف وراء ظواهر الطبيعة وقواها بتسميتها "أرباباً". وجاءت تسميتها عندهم بالآلهة أيضا لنسبة أدوارها إلى الله سبحانه وتعالى باعتبارها منفذة لإرادة الله سبحانه (الأنبياء 27)، ومثال ذلك (توفي الأنفس) فهو يُنسب إلى الله مرة وأخرى إلى ملك الموت أو الملائكة، فهي مخلوقات علوية أُنيطت بها أدوار تُبرز فاعلية بعض أسماء الله الحسنى، وتُجسد القدرة الإلهية في محيطنا.

ثم إنهم لم يتوسلوا لها بالعبادة والتوحيد، ولا بالإعتقاد بمشاركتها الإله الواحد كحال الوثنيين، ويعرفون أن لها مدبرا مالكا هو رب الأرباب، إله الآلهه. كما أطلقوا على كل من له مكانة عالية ومفترض الطاعة رباً، ونحن نسمّيه اليوم معلما ومربيا، فلغتهم تسوّغ لهم ذلك وهم لا يعنون أن هذه الأصناف كائنات غير بشرية بل أنهم يستحقون التبجيل والطاعة وخلافة الله فيهم. فضلا أن لغتهم لم تتخصص مفرداتها بعدـ فالأوائل سموا عناصر الطبيعة والإجتماع الإنساني الفاعلة أيا كانت أربابا، لدقيق فهمهم واحترامهم للنواميس فالله رب، والمدبرون أرباب وقوانين الطبيعة ارباب وساسة المدينة ارباب، كقولنا اليوم ("الله نور" و"العقل نور" و"الملائكة من نور"). ولنتصور لو جاء بعد زمن، من أراد تحليل عقيدتنا بتفسير كلامنا حرفيا في الجملة السابقة، لتوصل بأن الملائكة هي بنات الله لأنها من النور، وأن الله له أنداد وإخوة، ولاستنتج أن الشمعة هي أم الله لأنها ولدت النور! بمثل هذه الأغاليط تمت معالجة الكثير من تراث الأوائل فأجحفنا حقهم وجحدنا فضلهم وكررنا ما يقال بشأنهم.

وقد أعطى الباحثون الأجانب الكثير من النصوص الدينية الثانوية نفس اهمية النصوص الأصلية، مما أدى الى افتراضهم مقدمات غير صحيحة سببت مسخاً مشوهاً للعقيدة. فاعتبر الكثير من الباحثين إن ما حوته بعض الأساطير من كلام عن الإله أو تجلياته، وتعابير الحب والخضوع له بمثابة النصوص الأصلية عن العقيدة. والحقيقة إنها تعابير أصحابها المؤمنين في أحقاب مختلفة. وليست من الدقة و الصحة كما في النصوص الأصلية التى هى امّا من الصحف والكتب السماوية، أو من أقوال الأنبياء والأولياء الصالحين (الصافات 159-160).

ولو رجعنا إلى النصوص الأصلية لا ستدلّينا بشكل واضح على جوهر العقيدة الصحيحة، فنصوص المندائيين ونصوص الحكمة المنتشرة شرقا وغربا تذكر الإله وتعنى به الإله الواحد الاحد.

انّ الحساسية من كلمة أرباب يستشعرها كل مؤمن موحد اليوم، لذلك نص القرآن على كلمة أرباب والإله بشكل قاطع (آل عمران 80) و(التوبة 31) فكلمة رب محددة في الله على المستوى العقائدي والحقيقي ولكن تتسع على مستوى المثيل كرب الأسرة ورب العمل (يوسف 42).

ثالثاً: إله واحد ومظاهر متعددة

لقد جرى الخلط بين الإله الواحد الأحد وبين تجليات القدرة الإلهية حين صنفها الباحثون في عداد الآلهة المتعددة بأسماء مختلفة، بينما هى أقرب الى تسمية (الأرباب) منها الى (الآلهة)، ان العرب القدماء لم يقولوا بتاتا بآلهة بل بإله واحد، وبمبادىء إلهية صادرة عنه يتجلى فيها قانونه في الخلق او قدرته.

وتبدو الديانة المصرية متعددة الآلهة ما لم ينظر إليها باعتبارها "رمزية صرفة" إذ تحوي النصوص الدينية المصرية العديد من الصفات "التوحيدية" الواضحة، فالإيمان بآلهة كثيرة هو إنكار للإله الواحد الأعلى المفرد الخفي. انّ الآلهه المتعددة لديهم هي مجرد مظاهر للإله الواحد الأعلى، وينطبق ذلك على السومريين والبابليين والآشوريين وعلى دين المسلمين ايضا. فالإله العلى (الله) هو الوحدة المتجلية في الكثرة والتعدد المنضوي في الواحد. انّ ما يدحض دعوى تعدد الآلهه عند عرب العراق والشام هو نفسه يدحض دعوى الشرك و الوثنية عندعرب وادى النيل فالشعب واحد والدين واحد.

رابعاً: ايزيس وأوزيرس هل هما حقاً من الآلهه؟!

شهد وادي النيل في الألف الرابع قبل الميلاد ولادة حضارة إنسانية والخروج من حالة التخلف والهمجية بقيادة الملك الصالح، صاحب الصولجان، ورب البلاد، وصاحب السيادة والسيطرة "أوزيريس" وزوجته "إيزيس"، وبمعاونة المعلم الرباني "تحوت" وهو النبي إدريس(ع) الذي أحدث نقلة نوعية لأهل تلك البلاد بتعليمهم الكتابة وعلوم الحساب والهندسة والمساحة والعمارة، وقد وظف هذه العلوم في الدعوة الى عبادة الله الواحد الأحد. فالتوحيد موجود في هذه المنطقة منذ ذلك الحين، وكان هو وأوزيريس وزوجته ايزيس يمثلون فريقاً ثلاثياً يرجع له الفضل الكبير في اصلاح البلاد و إرساء قواعد الحضارة والعدالة وسن القوانين الإجتماعية والأخلاقية، وتشير النصوص التراثية القديمة على لسان إيزيس إلى بعض تلك الإنجازات ودور هرمز وهو النبي إدريس(ع) . ولم يقتصر أوزيريس في مشروعه الحضاري على أرض وادي النيل، بل امتد خيره الى الآخرين ليمنحهم ما لديه من العلوم وفضائل الأخلاق، وهذا يفسر وجود اسم "هرمز" فى أكثر من بقعة من بقاع الارض.

وفى وادى النيل كما فى باقى البلاد العربية آنذاك سمى الأوّلون المعلمين من الأنبياء "أرباباً" كما سموا أصحاب التشريع والصولجان والسلطة سواء من الملائكة اوالملوك "أرباباً" ايضا (الرب اوزيريس والربة ايزيس). و بسبب أخطاء الترجمة، فهم الدارسون الأجانب الكلمات الدالة على" رب" بمعنى " إله "، وانّ معنى الكلمتين (المربي والرب) واحد لاشتراكهما في الجذر، فطمست الحقائق، والسبب الآخر الذي أربك الفهم وأساءه هو أخذ هذه المعلومات من الأساطير التى لم تصلنا في نصّها الأصلى وانما عبر المهتمين بعلم الأساطير دون تحقيق وتدقيق، وعلى خلفية نظرتهم غير الصحيحة عن تاريخ المنطقة، كقولهم بأن التوحيد في مصر بدأ بموسى(ع)! وانّ الحضارات العربية القديمة في مصر و بابل تعج بالآلهه والأوثان كالإغريق والرومان!

ربما يمكن تحديد الدور الصحيح لشخصية أوزيريس الموصوف بالصالح دائما من أسطورة اوزيريس، التى تقول: "وقد كان مولد أوزوريس موضع الإهتمام الكبير من الإله الأكبر (رع) ومناط الأمل في أن يكون على يديه صلاح البشر، بعد أن أعيا الأرباب الأوائل صلاحهم"، ثم تذكر دوره العظيم فى بلاد وادى النيل و تبرزه فى شخصيات الملك الصالح المصلح ذوالسيادة والمكانة العظيمة وفى أحقاب زمنية مختلفة فى الأسطورة.

خامساً: مكانة المعلمين

لقد كان للمربي والمعلم مكانة خاصة عند العرب، كانوا ينظرون إليه بعين القداسة، وذلك لما كان يضطلع به من مسؤولية تعليم الناس العلوم المختلفة، والأخلاق الفاضلة، والمفاهيم الإنسانية الراقية، وتلك كانت مهمة الأنبياء والرسل والصالحين المصلحين من أتباعهم طوال التاريخ الإنساني. لهذا نالوا كل ذلك التقدير، وليبقى أثر هذا التعظيم والنظرة القدسية ممتداً عبر التاريخ لأحقاب طويلة بعد رحيل هؤلاء المعلمين، عمد الناس إلى ابتكار الأساليب التي تحفظ ذكراهم وتعاليمهم حية في النفوس، فعملوا لهم تصاوير مجسمة كنصب تذكارية، ولم يكن صنع التماثيل محظورا في شرائعهم، وقد كان في الكعبة صور وتماثيل، منها تمثال إبراهيم وإسماعيل، ومنها صورتا العذراء والمسيح، وارتبطت تماثيل وصور الأنبياء والأولياء والصالحين المصلحين على الدوام بدور العبادة ليُقتَدى بهم وليس لعبادتهم.

انّ ما فعله السابقون لا يخرج عما يفعله المؤمنون اليوم من زيارة لمساجد الأولياء والأضرحة للتعبير عما يكنونه لهم من عظيم الولاء والتقدير والتبجيل، والذى قد يحسبه البعض انّه عبادة لهم، وقد حصل في بعض مراحل التاريخ ان طغت قداسة المعلمين على عقيدة التوحيد فعبدوهم، فى هذه المرحلة يأتى من يذكِّر الناس بالتوحيد، كما جاء نوح(ع) الى قومه.

سادساً: مكانة الآباء

إنّ من عيوب الباحث افتقاره للدقة العلمية عند معالجة بعض الظواهر المتعلقة بالأمور الإنسانية والحقائق التاريخية، وتكون النتيجة ضياع الحقيقة وتشويهها، كالذي نسب إلى العرب الأوائل من عبادة الأجداد بعد ان عجز الباحثون الأجانب عن استيعاب ظاهرة اعتزاز العربي بنسبه، والذي خضع دوماً للمعايير الأخلاقية والإنسانية.

وكان العرب الأوائل يعترفون بوحدة الأصل البشري والتي لخصها الحديث النبوي الشريف: (كلكم لآدم وآدم من تراب)، ولهذا لا تجد في تراثهم أي أثر لتمييز عرقي بين البشر.

ان اهتمام الإنسان العربى بالنسب لم يكن إلّا من قبيل تعلقه بمكارم ذلك النسب الإنساني الذي يتحدث به العرب اي انه يفخر بنسبه المتميز ويعتز بأمته وأجداده أصحاب المناقب ومكارم الأخلاق. وليس صحيحا ما يقال عن العرب الأقدمين عن انهم كانوا يعبدون آباءهم ويجعلونهم فى مرتبة الآلهة. لقد عبر العرب الأقدمون عن تعظيمهم لأجدادهم المتميزين بشمائل انسانية وأخلاقية معينة يقتدى بها الناس جميعا او الذين يتفوقون في مجال ما يكون فيه خير للبشر، ببناء قبور خاصة متميزة او مقامات لهم واطلاق اسمائهم على الأبناء – كما نفعل اليوم – للإحتفاظ بمناقبهم والتذكير بأفعالهم الخيرة، الأمر الذى فسّره غيرهم بجهل أو بقصد بما دعوه "عبادة الأسلاف".

انحراف الكهنة

إنّ ظاهرة انحراف بعض الكهنة ورجال الدين، في بعض منعطفات التاريخ، ساهمت في استمرار حالة الشرك وعبادة الآلهة المتعددة عند أقوامهم. مع انّ انحرافهم لم يكن عقائديا في أصله وإنما كان إنحرافا سلوكيا أدى في نتيجته إلى تخليهم عن القيام بدورهم الصحيح في الأخذ بأيدي الناس نحو الصراط المستقيم والعقيدة الحقة واشتغلوا بأمور الدنيا عن الدين، بل وظفوا الدين لخدمة الدنيا وطغت المصلحة على المبدء واسترضاء العامة بالسكوت عن تصحيح انحرافاتهم حتى العقائدية منها حين زادت قداسة الأولياء والصالحين لدرجة التأليه، وطغت الرموز المادية التعبيرية حتى غاب المعنى والصورة الواضحة للعقيدة مع تقادم الزمان. وليس خافياً ما فعله كهنة اليهود من تحريف في العقيدة أنكره عليهم أنبياؤهم، وانّ توراتهم لتشهد عليهم. فمسؤولية العالِم العارف أن يظهر علمه حين يجهل الناس، ويقودهم إلى الله سبحانه في مسيرتهم الإيمانية.

إشكال قرآنى

يستشهد البعض بآيات القرآن الكريم التى تذكر نماذج كثيرة للشرك وعبادة الأوثان منذ نوح(ع) وبوجود الأصنام الكثيرة على ظهر الكعبة للرد على مقولة وجود التوحيد وتواصله منذ القدم. لذا وجب التوضيح هنا بأن الكثير من آيات القرآن تؤكد بأن(أكثر الناس لا يؤمنون)(الرعد1)، (وكان أكثرهم مشركين)( الروم 42) لا ينفي وجود الموحدين حيث قالت: أكثر الناس، ولم تقل: كلهم، مما يعني وجود فئة مؤمنة موحدة، ثم أن هناك نوعين من الإنحراف، إنحراف عقائدي وهو الشرك وإنحراف سلوكي وهو الظلم.

في هذا الإطار نفهم وصم القرآن الكريم لأكثر الناس بالكفر والفسق والجهل والضلال، فأغلب الآيات لا تتحدث عن أغلبية مطلقة، وإنما أكثرية ضمن حقبة زمنية محددة أو فئة معينة (الروم 42)، وكان للشيطان دوره الأكبر حيث أعلن منذ طرده من الجنة عن برنامج عمله القادم(الأعراف 16 ،17 ) مستغلاً غرائز الإنسان ليخرس صوت الفطرة والعقل، إلا عباد الله منهم المخلصين ظلوا متمسكين بحبل التوحيد متواصين به وان مثّلوا قلة فى عصور كثيرة.

الخاتمة

لم يفقدالإنسان مطلقا القدرة على الإتصال بالله سبحانه بعد نفخ الروح فيه، بعد أن أودعه الله البرنامج المعد لذلك (الفطرة)، ويبقى الخيار بيد الإنسان فى تفعيله. وقد أُريد لهذا الإنسان ضمن المشروع الرباني أن يكون خليفة الله في الأرض بحق، ولكنه أخلد إلى الأرض واتّبع هواه، ولا يزال مشروع الإنسان الخليفة قائماً منذ أن باشرته الملائكة المدبّرة وهيأت له كل أسباب التكامل التى اثمرت عن نماذج مؤمنة وموحدة على مر العصور.

وظل صراع الخير والشر محتدماً، وخط التوحيد موصولاً بالإنسان الأول لم ينقطع، يتسع حيناً ويضيق حيناً آخر، والشيطان يواصل رسالته الصريحة الجريئة لإفشال هذا المشروع الرباني وإسكات صوت الفطرة والعقل.

وقد حافظت أمتنا في فترات طويلة من تاريخها القديم على عقيدتها وإيمانها بالله الواحد الأحد بدلالة نصوصهم الصحيحة المثبتة قبل آلاف السنين، كصحف آدم (الكنز العظيم)، ونصوص الحكمة عند السومريين وفي بلاد وادي النيل وسائر العلوم الربانية التي جاء بها الأنبياء العظام وانطلقوا بها من المركز يجوبون سائر البقاع، يلقّنون الناس أسباب المدنية والتحضر.

ولكن النظرة الضيقة للدين اليوم، والتسليم دون غربلة وتمحيص بصحة الكثير من الأغاليط بشأن تراث السابقين وأساطيرهم حال دون رؤيتنا للحقيقة الكبرى التي عرفها الأولون وآمنوا بها، وهي أن الله واحد لا شريك له، خلق الإنسان وتعهده بالهدى ولم يتركه سدى.

فكان لابد من غربلة هذا التراث وقراءته من جديد قراءة تعيد رسم الصورة لتنطق بمضمونها الصحيح لتنهض وتتعافى الأمة وتستعيد الثقة بنفسها، إن إعادة قراءة التاريخ ومحاولة فهم التراث بات مطلباً ضرورياً، لأنه قراءة لقصة الإنسان، تلك القصة التي تكشف عن يد الرحمة الربانية لرعايته منذ خطواته الأولى، ولم تتخل عنه أبداً بل واصلته بالأنبياء والرسل في محطات الضلال .

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق